الفصل التالت
كانت مريم تتعلم الصمت
كما يتعلم الآخرون الكلام.
تعلمت متى تبتسم،
ومتى تنظر إلى الأرض،
ومتى تتظاهر بأن الكلمات
لم تصبها.
في البيت،
لم تكن هناك لحظات دافئة،
لا جلسات حقيقية،
ولا أحاديث تشبه الاعتراف.
كل شيء كان عمليًا،
باردًا،
منظمًا،
إلا المشاعر…
فوضوية ومهملة.
كانت أمها تظن
أن القسوة تربية،
وأن الصمت احترام،
وأن الطاعة
هي الشكل الوحيد للحب.
أما أختها الكبرى،
فكانت ترى نفسها نموذجًا،
وترى مريم نقيضه،
فتعاملها بتعالٍ صامت،
لا يصرخ،
لكنه يُقصي.
كانت مريم تجلس بينهم
وتشعر أنها غير موجودة،
كأنها قطعة أثاث
اعتادوا وجودها
حتى نسوا وظيفتها.
وحين تحاول أن تتكلم،
يُقاطعها أحدهم،
أو يغيّر الموضوع،
أو يُنهي الحديث
قبل أن يبدأ.
تعلمت مريم
أن تختصر،
أن تحذف،
أن تترك نصف الجملة
داخلها.
لكن الكلمات
التي لا تُقال
لا تختفي،
هي فقط تتحول إلى ثقل
في الصدر.
&
في المدرسة،
لم تعد الحبوب موجودة،
لكن أثرها بقي.
الذاكرة أطول من الجسد،
والنظرات لا تنسى.
لم يعد أحد يسخر علنًا،
لكن المسافة بقيت.
كانت مريم تشعر
أنها دائمًا خارج الدائرة،
قريبة بما يكفي
لترى،
وبعيدة بما يكفي
لئلا تُدعى.
لديها أصدقاء،
نعم…
لكن الصداقة كانت خفيفة،
لا تحتمل ثقل الحزن.
كانوا يضحكون،
يتحدثون عن أشياء عادية،
أما هي،
فكانت تحمل عالمًا
لا يصلح للمشاركة.
كانت تخاف
إن فتحت قلبها
أن يبتعدوا،
فآثرت أن تبقيه مغلقًا.
تجلس معهم،
لكن عقلها بعيد،
تسمع،
لكنها لا تشارك،
تبتسم،
لكنها لا تشعر.
كانت تحسد أولئك
الذين يملكون شخصًا واحدًا
على الأقل
يقول لهم:
"أنا هنا."
-
كانت صفحتها على إنستغرام
هي المساحة الوحيدة
التي لا تُقاطعها.
كانت تكتب ليلًا،
حين ينام الجميع،
وحين يصبح العالم
أكثر صدقًا.
اقتباسات قصيرة،
لكنها محمّلة،
كأن كل كلمة
تحمل دمعة مؤجلة.
لم تكتب اسمها،
لم تضع صورتها،
لكن كل ما نشرته
كان يشبهها.
حين وصل عدد المتابعين
إلى خمسين،
لم تشعر بالفخر،
بل بالدهشة.
خمسون شخصًا
توقفوا،
قرأوا،
وشعروا بشيء.
كان ذلك كافيًا
لتشعر أنها ليست وحدها
تمامًا.
لكن الخوف
لم يفارقها.
كانت تخبئ هاتفها،
تمسح الإشعارات،
وتتأكد دائمًا
أن الصفحة بعيدة
عن أعين البيت.
لأن البيت
لا يحب الأسرار،
ولا يتسامح مع الاختلاف.
&
ذات مساء،
دخلت أمها الغرفة
دون طرق.
وجدت مريم
تحدق في هاتفها،
وجمدت للحظة.
لم يُكشف كل شيء،
لكن الشك كان كافيًا
لإشعال نار.
أسئلة سريعة،
نبرة حادة،
اتهام غير مباشر.
لم تدافع مريم عن نفسها،
لم تنكر،
لم تشرح.
كانت متعبة
من التبرير.
خرجت أمها