حين يخدلك من يفترض أن يحتنضك - الفصل التاني - بقلم بسمة - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين يخدلك من يفترض أن يحتنضك
المؤلف / الكاتب: بسمة
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل التاني

الفصل التاني

لم يكن الألم واحدًا، بل كان يتغيّر شكله كلما تغيّر المكان. في المدرسة، لم تكن مريم مجهولة، بل كانت مرئية أكثر مما ينبغي. زملاؤها هم من بدأوا التنمر، ليس بدافع القسوة فقط، بل بدافع الجهل. حين ظهرت الحبوب على بشرتها، تحوّل جسدها الصغير إلى مادة للهمس، وللضحك المكتوم، وللنظرات التي تلاحقها في الممرات. قالوا إنها معدية، وقالوا إن الاقتراب منها خطر، وقالوا أشياء كثيرة لم تفهمها في البداية، لكنها شعرت بها. لم يلمسها أحد، لم يجلس بجانبها أحد، وصارت الطاولات تبتعد عنها دون أن تتحرك. كانت تعود إلى البيت وهي تحمل في جسدها تعبًا أكبر من عمرها، لكن البيت لم يكن مكانًا للراحة. هناك، كان نوع آخر من التنمر، أكثر هدوءًا، وأكثر وجعًا. ابنة عمها لم تذكر المرض، لم تتحدث عن الحبوب، لكنها ركّزت على ما لا يمكن إخفاؤه. لون البشرة. كانت تقارنها بنفسها، وتضحك، وتقول ببرود إن مريم مختلفة، ليست مثلهم، وكأن الاختلاف خطأ يجب الاعتذار عنه. لم تكن الكلمات جارحة وحدها، بل تكرارها، وتجاهل الكبار لها، وكأن الأمر عادي، وكأن الألم لا يُحسب إن كان صامتًا. لم تدافع عنها أمها، ولا أختها الكبرى، بل اكتفوا بالصمت، والصمت أحيانًا يكون أقسى من الإهانة. كبرت مريم وهي تفهم شيئًا واحدًا: أن صوتها لا وزن له. كان لها أصدقاء، نعم… لكنهم لم يكونوا قريبين. كانت تضحك معهم، تجلس بينهم، تشاركهم القصص، لكنها لم تشعر يومًا أن أحدًا سيلاحظ غيابها إن اختفت. علاقات سطحية، محادثات خفيفة، لا أحد يسألها بصدق: "كيف حالك؟" وإن سألوها، لم ينتظروا الجواب. كانت تشعر أنها موجودة لملء الفراغ فقط، لإكمال العدد، لا أكثر. في المساء، حين تعود إلى غرفتها، تخلع ابتسامتها كما تُخلع الملابس الثقيلة، وتجلس أمام المرآة تنظر إلى نفسها طويلًا. كانت ترى فتاة تحاول جاهدًة أن تكون مقبولة، لكنها لا تعرف كيف. لم تكره نفسها، لكنها تعبت من الدفاع عنها. في تلك اللحظات، كانت تفتح هاتفها، وتدخل إلى صفحتها السرية، تقرأ ما كتبته، وكأنه كُتب لها من شخص آخر يفهمها. كانت الكلمات أقرب من البشر، وأصدق من الوجوه. لم تكن الصفحة مجرد هواية، بل ملجأ، مكان لا يُطلب منها فيه أن تغيّر لونها، ولا صوتها، ولا حزنها. لكن الخوف كان حاضرًا دائمًا، خوف من أن تُكتشف، من أن يُسلب منها آخر شيء يشبهها. الفصل الثالث: البيت الذي لا يسمع في بيتها، لم تكن مريم طفلة مدللة، ولا حتى مهملة فقط، بل غير مسموعة. حين تتحدث، يُطلب منها الصمت. وحين تسأل، يُقال لها إن الأسئلة ليست لها. كانت أمها ترى فيها فتاة حساسة أكثر من اللازم، وأختها تراها ضعيفة، ولا أحد رأى فيها إنسانة تحتاج الفهم. كل قرار يُتخذ دونها، كل رأي يُلغى قبل أن يُقال، وكأن وجودها تفصيل يمكن تجاوزه. تعلمت مريم أن تكتم، أن تبتلع الكلمات، أن تؤجل مشاعرها إلى وقت غير معلوم. لكن المشاعر لا تُؤجَّل، هي تتراكم، وتثقل القلب، حتى يصبح التنفس صعبًا. في الليل، كانت تستلقي وتحدّق في السقف، تسأل نفسها: هل الخطأ فيها؟ أم أن العالم لا يعرف كيف يحتضن المختلفين؟