لعنة الظلام - مقابلة ملحمية - بقلم إيمان | روايتك

اسم الرواية: لعنة الظلام
المؤلف / الكاتب: إيمان
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: مقابلة ملحمية

مقابلة ملحمية

كان صوت الباب مزعجًا إلى حدٍّ لا يُحتمل، كأن الحجر نفسه يصرخ وهو يُنتزع قسرًا من موضعه. اهتز قلب آني بالخوف، وارتجفت كل خلية في جسدها مع الصدى الذي اجتاح المكان. اتسعت عيناها ذهولًا وهي تراقب الباب يُفتح ببطء، حتى انكشف بالكامل، كاشفًا عن ظلامٍ داخلي لا قرار له، ظلامٍ بدا وكأنه يبتلع الضوء ذاته. بقيت واقفة أمامه، متجمدة في مكانها، كأن الزمن توقف عند تلك اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت. خيّم صمت ثقيل على المكان، صمت خانق، أعقب العاصفة العنيفة من الشجارات والصراعات التي كانت تملأ الأرجاء قبل لحظات. كل شيء سكن فجأة، وكأن العالم السفلي نفسه حبس أنفاسه مترقبًا. لاحظ العمالقة وجود آني. بشرية... غريبة عن هذا العالم الملعون. تبادلوا نظرات مشوبة بالحيرة: ما الذي يمكن لمخلوقة ضعيفة مثلها أن تفعله هنا؟ ومع ذلك، لم يجرؤ أحدهم على الاقتراب. فهم أرواح العقاب، محكومون بالصراع الأبدي، ممنوعون من رؤية الملك. ليسوا كائنات حيّة بالمعنى التقليدي، بل تجسيد لعقوبات قديمة، خالدون في أجساد ميتة، وجودهم وحده تذكير دائم بأن هذا العالم يقوم على الخوف والعنف، وأن مخالفة القوانين تعني عواقب لا تُحتمل. لم يدم الصمت طويلًا. فجأة، دوّى صوت هائل هزّ القصر بأكمله. لم يكن مجرد صوت، بل صدى عميق، جوهري، مختلف عن أي شيء سمعته آني من قبل. كأنه صادر من أعماق حجر حي، أو من هاوية بلا نهاية، يتردد في العظام قبل الجدران. "ادخلي... أيتها الملعونة" ارتطمت الكلمة الأخيرة بجدران القصر، وترددت في الفراغ، حتى بدت كأمر لا يمكن عصيانه، كقدرٍ محتوم ينتظرها خلف البوابة. تقدمت آني ببطء. كانت خطواتها حذرة، كأنها تخشى أن يبتلعها الظلام مع كل حركة. استجمعت ما تبقى من شجاعتها، وغاصت في أعماق المكان المجهول. لفّها برد قاسٍ من كل جانب، يلسع جلدها كأنها في سرداب حجري بلا نهاية. الأرضية تحت قدميها خشنة ومتشققة، كأنها جلد ميت ينبض بذكريات منسية. شعرت بحركات خفيفة تحيط بها. شيء ما كان يتسلل بين الظلال. ثم بدأت تسمع ضحكات خافتة تتردد في أذنيها، ضحكات تحمل نبرة استهزاء وسخرية، كأنها تتهكم على وجودها الهش في هذا العالم. لم تكن صادرة من مكان واحد، بل من كل اتجاه، تتنقل بين الجدران وتخترق عقلها ببطء. وفجأة، انبثق ضوء حاد، اخترق عينيها كخنجر من نار. كان السطوع أقوى من قدرتها على الاحتمال. رفعت يدها سريعًا لتغطي عينيها، وقلبها يخفق بعنف. لم تعتد النور يومًا؛ لطالما وجدت راحتها في الأماكن الضيقة المظلمة، حيث تشعر بالأمان في العتمة. ثم، كما ظهر، اختفى الضوء فجأة حلّ صمت ثقيل من جديد. فتحت آني عينيها ببطء... فتجمدت أنفاسها. المشهد أمامها كان مقرفًا حدّ الغثيان. الحشرات تزحف على الجدران، تتدلى من السقف، وتنساب بين الشقوق في الأرضية. أصواتها الصغيرة المتواصلة، وملمسها المقزز، جعلاها تشعر وكأنها محاصرة داخل كابوس حي، عالم من القذارة المتحركة، يراقبها وينتظر انهيارها. لم يكن هناك أحد... مجرد جدران بالية تتنفس رائحة البخور المحترق، تملأ المكان كله . أمام آني ارتفع باب مزخرف بدقة، يحمل لونًا أحمر باهت، كأنه نزيف متجمد على الحجر. تقدمت نحوه برجليها الحافيتين، كل خطوة كانت ثقيلة، مترددة من فتحه، لكنها تعلم أن لا سبيل للعودة. أمسكت بالمقبض، تنهدت ببطء وأغمضت عينيها، ثم أدارته ببطء... لكنها توقفت فجأة، فكرة غريبة تسللت إليها: أن تطرق الباب قبل الدخول. طرقت بخفة، وصدى الطرقات ارتد في القاعة كأنها إعلان حضورها. جاء الرد سريعًا، بنفس الصوت الجوهري العميق: "ادخلي." دخلت آني بحذر، خطواتها متجمدة، كأن الأرض نفسها تجذبها بقوة لا تُقاوم. لم تصدّق ما تراه عيناها. في قلب القاعة، جلس الملك على عرشٍ أسود مسنّن، كأنه نُحت من ظلال متجمدة لا من حجر. العرش نفسه بدا حيًّا، تخرج منه نتوءات حادة تشبه الأشواك، تحيط به كأنياب وحشٍ صامت. كان الملك نحيل الجسد، مهيب الحضور، كأن العتمة صيغت على هيئة إنسان. بشرته شاحبة إلى حدّ المرض، بياضها بارد يخلو من أي أثر للحياة. عيناه متوهجتان بلونٍ أحمر قاتم، نظرة ثابتة لا ترمش، تحمل وعيًا قديمًا ومكرًا لا يُفهم. شعره أسود طويل، ينسدل بثقل على كتفيه وصدره، كستارٍ من الليل الخالص. ارتدى درعًا داكنًا، معقد التفاصيل، يبدو وكأنه امتداد لجسده لا لباسًا منفصلًا عنه، سطحه غير منتظم، حاد الزوايا، يعكس ضوء الشموع بلمعان خافت يزيده رهبة. يداه طويلتان، ساكنتان فوق مساند العرش، أصابعه نحيلة كأنها خُلقت للإمساك بالقدر نفسه. لم تكن تحيط به هالة واضحة، بل فراغ قاتم... كأن الضوء يرفض الاقتراب منه، وكأن وجوده يمتصّ كل دفء في المكان. لم يكن مخلوقًا صاخبًا أو متوحشًا؛ رعبه كان صامتًا، هادئًا، ملكًا يعرف أنه لا يحتاج لرفع صوته ليطاع. بالقرب من عرشه، آلة بيانو غريبة، مفاتيحها مصنوعة من عظام متفاوتة القد، صفراء مائلة للسواد، كأنها جمعت من مقابر منسية. القصر كله مليء بالشموع، تخرج المكان من ظلامه الدامس، لكنها تزيد الجو رهبة، وظلالها ترقص على الجدران كأشباح. سقف القاعة مغطى بعشاش العناكب، خيوطها تتدلى كستائر الموت. نهض الملك من على مقعده، خطواته ثقيلة لكنها تحمل سلطانًا لا يُقاوم، وتقدم نحو آني... قالت آني بصوت ثابت، رغم ارتجاف قلبها: "هل أنت... ملك الجن؟" نظر إليها بحدة، وجهه عابس، ثم ارتسمت ابتسامة جانبية باردة على شفتيه. فجأة، انشقت الأرض خلفها، لتظهر حفرة هائلة تتفجر منها الحمم البركانية، تغلي كأنها جائعة، تريد التهام كل شيء. كادت آني أن تسقط، لكنها تقدمت بسرعة إلى الأمام، متجنبة الموت بأعجوبة. ارتجفت وهي تحدق في الملك، تبحث عن تفسير، لكنه بدأ يتقدم نحوها، فيما هي تتراجع إلى الوراء، حتى لم يعد يفصلها عن الحفرة سوى نصف قدم. كانت الحمم تزمجر، والحرارة تلسع جسدها، والعرق يتصبب منها. أمسك بها الملك، عيناه الحمراوتان تلمعان ببرود، وابتسامته الجانبية لم تفارقه. لم تقل شيئًا، فقط انتظرت، كما اعتادت أن تفعل، لترى ما سيحدث. تكلم أخيرًا، صوته يحمل صدىً جوهريًا: "لم يحظَ أي شخص بهذا من قبل... أتعي ذلك؟" لم تفهم قصده، وزادت حيرتها. أكمل قائلاً: "أنت مختلفة بالنسبة لي." كانت آني متمسكة به، نصف جسدها على الحافة، عقلها يغرق في دوامة من التساؤلات التي لا جواب لها. بلعت ريقها بصعوبة، وقالت بصوت مرتجف: "هل سأموت الآن بسبب خ..." لم يدعها تكمل. دفعها بقوة، فسقطت في الحفرة. صرخت صرخة اخترقت العوالم، صرخة كسرت الزجاج وثقبت الآذان، لكنها لم تحرك الملك قيد أنملة. ظل واقفًا، شامخًا، محتفظًا بابتسامته الجانبية. غاصت آني في الحمم، حرارة تذيب الصلب، الألم يمزقها، جسدها يحترق ويتفتت، خلية بعد أخرى، حتى لم يبقَ منها شيء. ذابت في الحفرة، وأصبحت جزءًا من ذلك الجحيم، شيئًا مجهولًا... كأنها لم تكن موجودة يومًا. ارتفعت يد الملك نحو السماء، ثم فرقع أصابعه بقوة، لتظهر آني ملقاة على الأرض، تتنفس بسرعة، تحدق في يديها وجسدها غير مصدقة أنها ما زالت على قيد الحياة. اقترب منها الملك بخطوات ثابتة، وانحنى نحوها، صوته الجوهري يملأ المكان: "لقد كان هذا تحذيرًا لكِ... إذا أخطأتِ مجددًا، فسيكون هذا مصيرك المحتوم." كانت آني لا تزال تشعر بذلك الإحساس المرعب حين كانت ألسنة اللهب تلتهم خلايا جسدها. نظر إليها الملك مجددًا، عيناه لا تفارقان عينيها، وقال: "لقد عفوت عنكِ هذه المرة لأنكِ تهمينني... لو كان شخصًا آخر، لكان هلك من أول خطأ." ساد صمت ثقيل، ثم أكمل بصوت منخفض لكنه حاد: "أتعلمين ذلك؟" ردت آني باشمئزاز، ملامح وجهها تنطق بالكره والرفض لأفعاله التلاعبية: "لماذا أنا مهمة لهذه الدرجة؟" ضحك الملك ضحكة خفيفة، كأنه كان ينتظر هذا السؤال منها منذ البداية. مد يده ببطء، أمسك شعرها، وبدأ يداعبه بأصابعه المخيفة وهو يقول: "أتتظاهرين بالجهل، أم أنكِ حقًا لم تدركي بعد جواب سؤالك؟" أبعدت آني شعرها عن يده بعنف، ثم نهضت بسرعة، ساقاها ترتجفان من أثر الرعب الذي عاشته وهي تحترق. نهض الملك بدوره، وقال بجدية قاطعة: "من الآن فصاعدًا سيكون لديكِ قرين جديد، يخبركِ بالطقوس التي عليكِ أداؤها. بسبب خطأكِ ذاك، قتلتِ عضوًا مهمًا في عالمنا." قالها بصراخ هز أرجاء القاعة، فارتجفت آني، وتذكرت ذلك اليوم حين ظهر قرينها لأول مرة، وتحدث عن أمها التي تركتها صغيرة عاجزة عن رعاية نفسها. صرخت آني، صوتها يحمل خليطًا من الغضب واليأس: "أيمكنك أن تخبرني... ما أنا بالضبط؟ لماذا أنا الشخص الذي يجب أن يقوم بهذه الطقوس؟ ماذا فعلت أمي لتصيبني هذه اللعنة؟" ابتسم الملك ابتسامة جانبية، وقال بنبرة ساخرة: "إذا أردتِ جوابًا لهذا... يمكنكِ أن تسألي العجوز التي ألقت عليكِ اللعنة. لقد كان أفضل ما فعلته." ارتسمت على وجهه تجاعيد ضحكة خفيفة، فيما همست آني: "العجوز تلك..." تذكرت تلك المرأة الغريبة التي كانت تتمتم بكلمات غير مفهومة وتضحك بلا سبب. رفعت رأسها وقالت: "أتقصد تلك العجوز التي تسكن قرب منزلي، تجمع الورق المقوى وتبيعه بثمن زهيد؟" أجاب الملك بثبات: "أجل، إنها هي... ستخبركِ بكل ما تريدين معرفته." تقدم نحوها بخطوات ثابتة، اقترب حتى أصبح وجهه قريبًا من وجهها. كانت آني ثابتة، لم تُظهر أي ردة فعل، ثم قالت بنبرة هادئة: "إذا كنتَ من سلالة الجن... لماذا لديك ملامح تشبه البشر؟" ابتسم الملك ابتسامة غامضة،وقال متجاهلا سؤالها "سأراكِ لاحقًا يا آني... أظن أنه حان الوقت لتستعيدي وعيك الآن." كانت تشعر آني في تلك اللحظة بأنها كانت مخدرة، لا تستطيع فعل شيء، حركتها ثقيلة، كأنها تريد النوم للأبد. اقترب الملك أكثر، حتى تلامست شفاههما ببعضهما البعض. تجمد الزمن في تلك اللحظة، كأن العالم كله توقف ليستمع إلى أنفاسهما المتقطعة. شعرت آني بتيار بارد يسري في جسدها، وكأن لمسة الملك لم تكن مجرد اقترابٍ عادي، بل طقس غامض يوقظ شيئًا دفينًا في أعماقها. ارتجفت، وبدأت عيناها تلمعان بضوءٍ غريب، نصفه حياة ونصفه موت استيقظت بعدها وهي لا تدري إن كان ما حدث حلمًا أم حقيقة؛ المخلوق اختفى، لكنه ترك خلفه ظلالًا مخيفة تتشبث بالهواء. كانت آني منهكة، جسدها شبه مشلول، لا تقوى على احتمال آلام رأسها. أمسكت رأسها بيديها، أغمضت عينيها من شدة الألم، وشعرت بدوار خفيف جعل رؤيتها ضبابية، يخفي عنها حقيقة الأشياء من حولها.  توجهت نحو سريرها بخطوات متثاقلة، ثم استلقت غارقة في نومٍ ثقيل، محاولة أن تستريح من كل ما مرّت به. استسلمت لإرهاقها وغابت في غيبوبة طويلة. لكن نومها لم يكن هادئًا؛ فقد وجدت نفسها في مكان غريب، يسوده صمت مخيف لا يقطعه سوى قطرات ماء تتساقط ببطء.  كان المكان أشبه بعالمٍ مرسوم، الأشجار تبدو غير حقيقية، والطريق يمتد بلا نهاية، طويلًا ومصفرًا بلونٍ بارد. السماء زرقاء، تتناثر فيها غيوم متفرقة بأشكال دقيقة، كأنها مصنوعة بعناية لا تنتمي للواقع.  وقفت آني وسط الطريق الأصفر، تحدق في الفراغ، وفجأة ظهر وجه ضخم يرتدي قناعًا غريبًا، خرج من بين الأشجار كطيفٍ مفاجئ. ارتعبت، وبدأت تجري، لكنه كان يتبعها، يختفي ثم يظهر من جديد في الجهة الأخرى، كأنه يطاردها بلا هوادة.  وهي تجري على امتداد الطريق، ظهر فجأة باب أسود من العدم، كأنه انبثق من الفراغ ليقطع طريقها. لم تتردد آني في دخوله، فقد أرادت التخلص من ذلك الوجه المزعج الذي يطاردها بدون سبب. ما إن عبرت الباب حتى وجدت نفسها في عالم آخر، عالم يضج بأصوات مزعجة؛ صرخات لا متناهية تفقد الأعصاب، وضحكات مستفزة تختلط مع بكاءٍ يوجع القلب لمجرد سماعه، بكاء أشبه بأنين شخص يتحسر بشدة على ما لا يمكن استعادته.  لم تستطع آني احتمال ذلك، وضعت سبابتيها في أذنيها محاولة حجب الأصوات، ثم انهارت وسقطت أرضًا. الأصوات استمرت طويلًا، بلا توقف، حتى فقدت أعصابها وصرخت بصوت عالٍ:  "أصمتوا من فضلكم… لم أعد أتحمل هذا!"  فجأة، توقفت الأصوات، تاركة خلفها صدىً يتلاشى ببطء، كأنه يطوي الإزعاج في أعماق الظلام. نهضت آني وهي تتنفس بسرعة، لترى أمامها سلمًا يمتد إلى الأعلى، لكن لم يكن يظهر في الأفق سوى ظلام كاحل بلا نهاية.  تقدمت نحوه، وصعدت درجاته بخوفٍ متردد، حتى وصلت إلى قمة السلم. هناك، في وسط الظلام، كان يجلس كائن غريب، يحتضن رجليه بذراعيه. ملامحه مضطربة، يتنقل بين الضحك والبكاء، بين الابتسام والعبوس، كأنه مختل العقل أو ممزق الروح. عيناه كبيرتان، مفتوحتان بشكل مبالغ فيه، تلمعان تحت ضوء أبيض صادر من مصباح يتدلى فوقه، يضيء مكانه وحده وسط العتمة.  كان المشهد مخيفًا، والمخلوق يبعث في آني شعورًا غريبًا، ................. --------------------يتبع--------------------------------- ما رأيكم في هذا الفصل 🤔🥰 إيش هي آرائكم 💞