لعنة الظلام - طقس العتبة - بقلم إيمان | روايتك

اسم الرواية: لعنة الظلام
المؤلف / الكاتب: إيمان
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: طقس العتبة

طقس العتبة

قال المخلوق بنبرة آمرة: "يجب عليكِ فعل هذا الليلة." ردّت آني متحدية: "وإن لم أفعل... ما الذي ستفعله أنت وملكك؟" اختفت ابتسامته فجأة، وعقد حاجبيه، ليزداد وجهه رعبًا. نهض ببطء، نظر إلى يديه، ثم أمسك عنق آني بقوة قاتلة. ارتسم على وجهه غضب شديد، لم تستطع آني تحمله، فقد كان يضغط عليها بلا رحمة. شعرت بيديه الخشنتين وأظافره التي تخترق جلدها، إحساس مألوف... إنه نفس الملمس الذي شعرت به في حصة الإنجليزية، اليد غير المرئية. الآن أدركت أنه هو. قدماها لم تعودا تلمسان الأرض، فقد رفعها من عنقها وهي تختنق. ثم رماها بعنف، لترتطم بجدار الغرفة وتسقط أرضًا. الدم بدأ ينزف من عنقها، وآثار قبضته واضحة على جلدها. أخذت تسعل بلا توقف، وجهها احمرّ، وعروق رأسها برزت من شدة الضغط. كانت على حافة الموت، لولا أنه تركها أخيرًا. قال بصوته الغليظ القاسي، وعيناه الحمراوان تلمعان بلا رحمة: "لن أسمح لكِ أبدًا بتقليل الاحترام للملك. إذا لم تفعلي ما أُمِرتِ به، فسينتهي أمركِ بموت شنيع." نهضت آني وهي تمسك عنقها، تقاوم الألم الذي يسري في جسدها، ثم قالت بصوت مبحوح: "فقط... اشرح لي... ما كل هذا؟" أجابها ببرود: "كوني صبورة، وستعرفين كل شيء بالتدريج. كل شيء سيأتي في وقته." اختفى المخلوق تاركًا خلفه طاقته المزعجة، ليغرق المنزل في صمت ثقيل خانق. لم تُبدِ آني أي اهتمام لجروحها وآلامها، بل توجهت نحو غرفتها بخطوات متثاقلة، تتمايل وهي تعرج من رجلها اليمنى. أغلقت الباب بإحكام، ثم النوافذ والستائر، لكنها تركت شقًا صغيرًا يتسلل منه ضوء القمر المكتمل، ذلك القمر الذي طالما تأملته بعينيها الخاويتين. مدّت يدها إلى الدرج القريب من سريرها، لتجد الصليب الذي تلقته من ذلك الشيطان. تنهدت بعمق، غير مصدقة ما يحدث. كيف يمكن لهذا الصليب أن يكون هنا؟ ألم يكن مجرد حلم؟ بدأت تستعد لتنفيذ الطقوس. أخذت نفسًا بطيئًا وأغمضت عينيها، لكن شعورًا بالاختناق الشديد امتزج بالألم الذي لا يزول. لم تكن مرتاحة إطلاقًا، إذ أحست بوجود غريب يراقبها في الغرفة، و شعرت بلمسة خفيفة تكاد تمر على جسدها. الغرفة شبه مظلمة، والجو يزداد ثقلاً. الآن... كانت آني جاهزة لتبدأ الطقس. لم تتخلص آني من توترها، بل تضاعف حين حان وقت البدء. ومع ذلك، كان فضولها أقوى من خوفها، فهي تريد أن تعرف ما سيحدث. أمسكت الشمعة بيديها المرتجفتين، أغمضت عينيها، ثم أخذت نفسًا بطيئًا محاولة تهدئة نفسها. أشعلت الشمعة ووضعتها على الطاولة، والتزمت الصمت دقيقة كاملة. في داخلها، كان الصمت يشبه بحيرة ساكنة، بلا اضطراب ولا موج. شعرت أن أفكارها قد هدأت، كأوراق شجر استقرت بعد عاصفة طويلة. لم يكن يُسمع سوى صوت الساعة، إيقاعها يتناغم مع نبضها الداخلي، وكأن تلك الثواني المعدودة تحمل إمكانية حدوث الكثير. انتهت الستون ثانية. حان وقت إطفاء الشمعة. قربت آني شفتيها ونفخت ببطء، فانطفأت الشمعة، وارتفع دخانها الرقيق متراقصًا في صمت. فجأة، شعرت بنفس خافت يقترب من أذنها، ثم همس صوت مجهول. تجمدت مكانها، تنملت ساقاها حتى لم تعد تشعر بهما، وقشعريرة باردة اجتاحت جسدها. همست بصوت منخفض، يحمل نبرة من التعجب والارتباك: "ما هذه اللغة...؟" عقدت حاجبيها بفضول، وهي تصغي لذلك الصوت الغريب، تتأمل الكلمات وكأنها تحاول فك شفرتها، بعد برهة، اختفى الصوت. لم تفهم آني تلك الكلمات الغريبة التي كان يرددها مرارًا، كلمات ثقيلة في النطق، غير مريحة للسمع، تجعل من يسمعها يشعر وكأنه مقيد، عاجز عن الحركة،انها كلمات مسحورة تتحكم بسامعها. نهضت آني من مكانها، أمسكت بالمرآة ووضعتها فوق الطاولة، ثم أخرجت ورقة سوداء وقلم حبر. أمامها ثلاثة اختيارات: خوف، رغبة، أو سر ثقيل. كان عليها أن تختار وفقًا لشعورها. ترددت وهي تحدث نفسها: "الخوف لا يسبب لي اضطرابًا... الرغبة؟ أي رغبة لدي؟ وهل تسبب لي اضطرابًا؟... سر ثقيل." صمتت لحظة، وعيناها معلقتان بالكلمة الأخيرة. "سر ثقيل... لدي أسرار، لكنها لا تسبب لي اضطرابًا." فكرت مليًا، ثم اختارت كلمة خوف، لأنها الأقرب لهدف الطقس. كانت تخشى أن تغمض عينيها كي لا ترى ذلك المخلوق، لكنها تجاوزت الأمر منذ مدة. ترددت قليلًا، ثم كتبت الكلمة مستسلمة لاختيارها. أمسكت بالصليب الملطخ بالدماء الفاسدة، ووضعته فوق الورقة. بعدها، نظرت إلى المرآة... لكنها نظرت مباشرة، لتستوعب خطأها وتبعد عينيها بسرعة. تسارعت دقات قلبها وتجمدت في مكانها. أخذت ثلاث أنفاس بطيئة، وفي النفس الثالث تخيلت القرين يقف خلفها. همست بخوف يملأ عينيها: "ما هي الخطوة السادسة؟" في تلك اللحظة، أدركت أنها ارتكبت خطأً قاتلًا... لم يكن يجب عليها إطفاء الشمعة منذ البداية. لم تستطع آني تمالك نفسها، جسدها يرتجف بوضوح، والأفكار تنهال على رأسها كالسيل. رد فعل ذلك الشيطان أرعبها، والآن، بعد خطئها، ما الذي يمكن أن يفعله بها؟ التفتت حولها بارتباك، لتجد شخصًا غريبًا يقف خلفها. كان أسود بالكامل، بلا ملامح، سوى عينين بيضاوين تشعان بانعكاس ضوء القمر، ورأسه يتمايل ببطء. لا أنف، لا فم، مجرد عينين مخيفتين تحدقان بها. صرخت آني غير مصدقة ما تراه، فبعد أن ظنت أنها تخلصت من خوفها، عاد إليها خوف جديد... الخوف من الموت، بسبب خطئها في الطقس. تذكرت ما قرأته في كتب السحرة وقصصهم المثيرة: لا مجال للخطأ في الطقوس، الطقوس التي تقوي الجن والشياطين وتجعلهم أكثر طغيانًا. تساءلت في رعب: ما هو مصيرها الآن؟ رغم حياتها البالية المليئة بالظلام، كانت دائمًا تحارب للهروب من الموت والنجاة. لكنها في لحظات الخوف تبقى ساكنة، مصدومة، تنتظر بلا وعي. هذه ليست شجاعة، بل افتقار للمحفز الذي يدفعها للهرب. وحين استوعبت ما تراه عيناها، نهضت بسرعة متجهة نحو الباب. أمسكت بالمقبض وهي تلهث: "لا أصدق... إنه مغلق!" كانت متأكدة أنها لم تغلقه.كانت ترجو أن يكون هذا مجرد حلم، لكن الجن الواقف أمامها، بعينيه المخيفتين، كان نسخة مطابقة لما تخيلته، إنه القرين نفسه الذي ظهر في مخيلتها بدون أن تبدل مجهودا. تذبذب الضوء بين الانطفاء والاشتعال، فيما اندفعت الرياح العاتية تحمل غبار الخارج إلى الداخل. النوافذ راحت تُصفق وتُفتح وتُغلق من تلقاء نفسها، ناشرة فوضى عارمة في أرجاء الغرفة. لم تستطع آني احتمال المشهد؛ عيناها اتسعتا بالخوف، وجسدها أخذ يرتجف بلا قدرة منها على السيطرة.  سقطت آني فاقدة الوعي، فقد أثّر وجود ذلك المخلوق عليها بشدة. من يكون؟ ما نوعه؟ هل هو عفريت، شيطان، أم من صنف الأغوال الطائرة؟ أم مجرد جن؟ حين فتحت عينيها، وجدت نفسها في مكان يفيض بالرعب. أسراب من الطيور السوداء تحلّق بكثافة، والسماء فوقها ضبابية، كأنها طبقة من دخان كثيف تحجب الأفق، وتضفي على المشهد شعورًا غامضًا، كأنها في عالم لا يعرف الألوان، مجرد أبيض وأسود، بلا حياة، بلا دفء. الأرض تشع بلون أحمر متوهج، تتخللها تشققات صفراء فاقعة، كأغصان أشجار خريفية بلا أوراق، متشابكة كأنها شبكة من العروق الميتة. نهضت آني ببطء، لتكتشف مشاهد لم ترها من قبل: مخلوقات غريبة الشكل، وجوه قبيحة، صراعات ومشاجرات لا تنتهي. كان المنظر غريبًا ومخيفًا، لكن آني لم ترتجف كثيرًا؛ فقد اعتادت على الرعب، ولن تكون هذه الوجوه أشد فزعًا من وجه ذلك الشيطان الذي ظهر أول مرة في حلمها... أو بالأحرى في واقع آخر يختلف عن الواقع الحقيقي. أمامها ارتفعت قلعة ضخمة، تغزوها جذوع نباتات طويلة بلا أوراق، تتسلق جدرانها المبنية من حجر أسود قاتم. تقدمت نحوها بتردد، تخشى أن تلقى حتفها. كان باب القلعة هائلًا، ثقيلًا لا يُفتح إلا بصعوبة. وفجأة، سمعت صوتًا خافتًا. أمامها ظهرت جنية صغيرة، لكنها لم تكن كجنيات القصص والروايات، لطيفة وجميلة بأجنحة شفافة... لا، بل كانت مخيفة، محاطة بنيران زرقاء. عيناها كانتا ضيقتين جدًا، تشبهان أبّة عين القط حين تضيق تحت أشعة الشمس، بيضاوان بالكامل، كأنهما شقّان من الضوء البارد. فمها عريض بأسنان محذبة، وأذناها تشكلان زاوية حادة، مكونتين من لهب حارق. كان صوتها مبحوحًا، كأن أحبالها الصوتية متضررة، يخرج منها همس مشوّه لا يُفهم بسهولة. هذا هو أضعف نوع من الجن... غير مؤذٍ، لكنه يثير الرهبة بمجرد ظهوره، عندما تكلمت تلك الجنية، ارتجف قلب آني بشدة. بدأت تلتفت يمنة ويسرة، تبحث عن مخرج أو تفسير، لكن نظرتها سقطت للأسفل لتجد الجنية تحدق بها بابتسامة عريضة، مشوبة بالخبث. كانت تتكلم بسرعة مذهلة، بكلمات معقدة لا تفهمها آني، كأنها تردد تعاويذ بلغة منسية، تحلق في السماء منتقلة من اليمين الى اليسار حاولت آني أن تتواصل معها، بصوت مرتجف: "أتعرفين ما هذا المكان؟ من أنت؟ أتعرفين ما الذي حدث؟" لكن الجنية واصلت تلاوة كلماتها الغريبة، دون أن ترد. شعرت آني بغرابة، تنظر من حولها إلى هذا الخراب الذي يعم المكان. كانت هناك مجموعة من الوحوش العملاقة، تتصارع فيما بينها، أجسادهم ضخمة، ووجوههم تثير رعبًا ينبع من الأعماق. لم يهتموا بوجودها، فهي بالنسبة لهم لا تساوي أكثر من نملة، لا تستحق الالتفات. نظرت إليهم آني، بشعور غير مفهوم، مزيج من الرهبة والفضول، الخوف والتساؤل. بطبيعتها، كانت تحلل كل ما تراه، وعيناها تحدقان بصمت في هذا العالم الغريب، عالم مليء بتعقيدات متسلسلة لا نهاية لها. همست لنفسها، بينما رائحة غريبة تتسلل إلى أنفها: "هل هذا هو الجحيم؟ أم العالم السفلي؟ ذلك العالم الذي لطالما قرأت عنه في الكتب والروايات، وهيئت له في خيالها المهووس بالتفاصيل؟" الرائحة كانت تشبه البخور، كأنها رائحة محروقة، من بقايا طقس فاشل. نظرت حولها، لكنها لم تجد الجنية... لقد اختفت، كما ظهرت، دون أثر. وبينما كانت آني غارقة في تحليل ما حولها، لم تمر سوى دقائق معدودة، حتى دوّى صوت مدوٍّ في الأرجاء. الأرض اهتزت بشدة، كأنها تتنفس من تحتها. ارتجفت آني، خائفة مما سيحدث لاحقًا. باب القصر الحجري بدأ يهتز، ثم بدأ يفتح ببطءشديد، مسببًا زلزالًا قويًا. كل المخلوقات توقفت عن القتال، وانقلبت نظراتهم من الغضب إلى الذهول. وقفوا جميعًا، منصدمين، يحدقون نحو البوابة التي فتحت أخيرًا... "لقد انشقّت أبواب القصر الحجري، كأنها فم جائع يستعد لابتلاع العالم." ---------------يتبع---------------------------------- ما رايكم في القصة 🥰♥ ايش هي انتقاداتكم وملاحضاتكم🫣💕