عندما يبتسم الظل
فتحت آني عينيها ببطء.
كانت ممدّدة على الأرض، جسدها مبلّل بالعرق، وعظامها منهكة كأنها خاضت معركة طويلة . شعرت بنصفها الأيمن بارداً، بينما النصف الآخر دافئ بشكل غريب. جلست ببطء فوق سريرها، وضعت يديها على وجهها، وهمست مرتبكة:
"كان... مجرد حلم؟"
حاولت طرد كل تلك الأفكار الثقيلة التي كانت تلاحقها وتشتت تركيزها. نهضت وتوجهت إلى الحمّام لتغتسل، وما زالت ترتجف قليلاً. كانت تفرك شعرها الطويل ببطء، بينما ذلك الشعور المرعب ما يزال يسيطر عليها.
كان الخوف ما يزال حاضرا، خصوصا عند فكرة إغماض عينيها مرة أخرى...
كانت تخشى أن يظهر ذلك الكائن مجدداً.
وبرغم أنها لم تكن يوماً فضولية بشأن اختفاء أمها أو سبب ذلك، إلا أن ذلك الكابوس جعلها تريد معرفة كل شيء...
وبدأ سؤال واحد يتمدد داخلها كغيمة ثقيلة:
"هل كان ذلك حقاً مجرد حلم؟"
وهي في طريقها إلى المدرسة، بعد ليلة كاملة بلا نوم، رأت آني امرأةً عجوزًا أنهكها الزمن وابتلع ما تبقّى من جمالها القديم. كانت تدفع عربةً صغيرة بيديها المتجعدتين اللتين فقدتا نعومتهما ولونهما، وترتدي ملابس قديمة ممزقة، خيطت برقع مختلفة الألوان لا تنسجم مع بعضها.
دون أن تتردد، أسرعت آني لمساعدتها في دفع العربة المليئة بأوراق صلبة. وما إن وصلتا إلى منزل العجوز حتى شكرتها. لكن العجوز توقفت فجأة، وحدّقت بآني بنظرات مريبة، ثم أمسكت يديها بقبضة باردة، ونظرت إليها طويلًا قبل أن تسأل بصوت متردد:
- "أأنتِ ابنة السيدة... شيتا؟"
ارتبكت آني وردّت باستغراب:
- "أجل... لمَ تسألين؟"
اتسعت عينا العجوز بصدمة غريبة، ثم ابتسمت ابتسامة كشفت أسنانها السوداء، وأخفضت رأسها قبل أن تقول بنبرة خبيثة:
- "إذن... أنتِ آني."
اقتربت خطوة أخرى، فابتلع الخوف أنفاس آني. سألتها بصوت مرتعش:
- "كيف تعرفينني؟ وهل تعرفين أين ذهبت أمي؟"
قهقهت العجوز ضاحكة ضحكة عالية أجفلت آني، ثم انحنت نحوها وهمست باستهزاء:
- "لقد انتقلت إليكِ اللعنة."
ثم انفجرت ضاحكة مجددًا...
فتحت آني عينيها بشدة، مستغربة ومنصدمة.
قالت بصوت متقطع:
"لعنة؟... ماذا تقصدين باللعنة؟"
ردّت العجوز ببرود:
"أظن أنك ستتأخرين عن مدرستك... غادري الآن."
ثم دخلت منزلها وأغلقت الباب بقوة، كأن وجود آني لم يكن يعني لها شيئًا، كأنها غير مرئية.
وقفت آني في مكانها، متجمدة، تحلل كلمات العجوز التي لم تفهم منها شيئًا. كلام غامض... لكن واضح أنه يحمل معنى عميقًا وخطيرًا.
وفي طريقها إلى المدرسة، لم تفارقها الأفكار المبعثرة التي كانت تشتت تركيزها. بدأت تضع احتمالات، فرضيات...
ربما كانت تقصد هذا... أو ربما تعني ذاك...
لكن الحقيقة ما زالت بعيدة تمامًا عن فهمها.
وهي تمشي في ممر المدرسة، غارقة في تفكيرها، ارتطمت بشخص بالغلط يدعى جاك فسقطت أرضًا. أغلقت عينيها من شدة الألم، ثم فتحتهما لتجد أمامها فتى ذا شعر أسود كاحل، وعينين رماديتين جاذابتين، طويل القامة،ذو بشرة حنطية،و ملامح باردة.
نظر إليها بازدراء وهو يعقد حاجبيه، وقال بنبرة غاضبة:
"ألا ترين أمامك؟"
ركل حقيبتها الملقاة على الأرض، وأكمل طريقه وهو يتمتم:
"يا لك من فتاة غريبة."
تجمع الطلاب من حولها، ينظرون باستغراب ودهشة.
نهضت، أمسكت بحقيبتها، ثم حدقت في الفتى وهو يبتعد.
كانت نظرتها حادة، ثابتة... نظرة كراهية هادئة، لكنها عميقة.
وفي داخلها... شعرت فجأة برغبة مظلمة، غريبة...
رغبة في أن تسلب روحه.
جلست آني في مقعدها الخلفي، كما اعتادت دائمًا. كان الفصل خاليًا، والهدوء يلف المكان في جو مريح. استسلمت لأفكارها ومشاعرها شيئًا فشيئًا، حتى بدأت تغفو ببطء. فجأة، شعرت بيد تمسك عنقها. فتحت عينيها بسرعة، لكنها لم تجد شيئًا. قلبها أخذ يخفق بعنف، وأنفاسها تتسارع.
عاد الإحساس مجددًا؛ يد خشنة بأظافر حادة تخترق جلدها، لكنها لا ترى أي أثر لها. في تلك اللحظة، دوى جرس غامض، إيقاعه يتناغم مع دقات قلبها المتسارعة. نهضت من مكانها مرتبكة، وفتحت الباب لتتبع مصدر الصوت. كلما تقدمت، ازداد الجرس قوة حتى أصبح مزعجًا حدّ الألم. وضعت سبابتيها في أذنيها محاولةً صدّه، لكن الصوت تسلل إلى داخلها، كأنه إيقاع داخلي يطرق رأسها بلا توقف.
مع كل دقة، كان الاختناق يشتد، واليد الغامضة تمسك بها بلا رحمة، رغم أنها لا ترى شيئًا. تساءلت في رعب: "هل هذا كابوس؟ هل سيظهر الكائن مجددًا؟" احتمالاتها تتزاحم، لكن فجأة اختفى كل شيء. لم يبق سوى طنين ثقيل في رأسها، يتبعه صوت خافت يهمس: "سنتخلص منه... سنتخلص منه..." ثم يتلاشى تدريجيًا.
فتحت آني عينيها لتجد الأستاذة توقظها بعنف، تصرخ في وجهها:
"ألا تهتمين بمادة الإنجليزية؟ دائمًا أراك نائمة بلا مبالاة! ألا تنامين ليلًا؟ أم أنك تمضين الليل كله في مشاهدة مقاطع الفيديو ثم تغفين في فصولي؟ لن أقبل بهذا التصرف أبدًا، هذه هي المرة الأخيرة يا آني!"
لكن آني لم تكترث لصراخ الأستاذة، بل بالكاد كانت تسمع كلماتها. كل ما يصلها هو صدى مشوش غير واضح، فيما عيون التلاميذ تحدق بها باستغراب. عندها أدركت أن صوت الجرس قد أثر على سمعها بشدة، حتى باتت عاجزة عن استيعاب الكلام من حولها.
لم تمر ثانية واحدة حتى سُمعت صرخة مدوّية هزّت أرجاء المدرسة بأكملها. خرج الطلاب من فصولهم مهرولين نحو مصدر الصوت، فيما كان الأساتذة أول من اندفع خارج القاعات. تساؤلات متلاحقة تعالت بين التلاميذ، لكن آني لم تكن تعرف شيئًا، رغم أنها شعرت بأن الأمر مرتبط بها، إذ تذكرت الصوت الخافت الذي سمعته من قبل: "سنتخلص منه."
توقف الجميع في ذهول أمام الممر المؤدي إلى المراحيض. الصدمة ارتسمت على الوجوه، والخوف خيّم على المكان. هناك، كان يقف فتى يرتجف بشدة، ويداه ملطختان بالدماء. حضر المدير مسرعًا، ملامحه تجمع بين الدهشة والرعب، وما إن وقعت عيناه على الفتى حتى ازداد خوفه. في عيني ذلك الفتى كان يتجلى رعب حقيقي، إذ انفجر بالبكاء فجأة، وارتجافه تضاعف بلا توقف.
اقترب المدير منه وسأله بارتباك:
"ما كل هذا؟... ما الذي حدث؟"
الدهشة خنقت الجميع، والكل وضع يده على فمه من شدة الصدمة. حاول الفتى التحدث مرارًا، لكنه عجز عن إخراج أي كلمة، بدأ يجهش بالبكاء بدون توقف، لم تتحمل أني الامر فتقدمت بلا تردد، وصفعته بقوة، ثم صرخت في وجهه بغضب:
"فقط قل ما الذي يحدث أيها الوغد!"
لم ينطق الفتى، واكتفى بالإشارة المرتجفة نحو المرحاض مغمض العينين، لا يطيق رؤية ذالك المنظر مجددا، اتجه الأساتذة إلى هناك، والمدير خلفهم، وما إن فتحوا الباب حتى دوّى صراخ أستاذة الإنجليزية وهي تسقط أرضًا من شدة الرعب. كان المشهد مروّعًا: الدم يغمر المكان بأكمله، وجاك ممدّد ينزف بغزارة.
حين وقعت عينا آني على ذلك المنظر، بدأت خيوط الأحداث تتضح أمامها. الكوابيس، الاصطدام بجاك، الصوت الخافت،اللعنة، والصرخة... كل شيء بدأ يتشابك في عقلها. الآن فقط، أدركت حقيقة ما كانت تجهله.
توجهت أنظار الطلاب نحو آني، والأفكار تتسلل إلى عقولهم: لقد اصطدمت بجاك منذ قليل. لكن آني لم تكترث لنظراتهم الإيحائية، واكتفت بالصمت والهدوء، فيما كان شيء غامض في داخلها يشعر بالرضا. انجذبت لذلك المنظر بشدة، وبدأت تبتسم بلا وعي وهي تحدق به بهدوء.
غير أن ابتسامتها اختفت فجأة حين أدركت ما فعلت، لتتراكم عليها الأسئلة من جديد:
"هل ابتسمت للتو؟ لماذا...؟"
كانت تشعر بأنها تعرف كل شيء، لكنها لا تريد الاعتراف بذلك. كل الأحداث التي مرت بها مترابطة بشكل غريب، حتى ولعها بكتب السحرة والمشعوذين بدا وكأنه جزء من هذه الدوامة، وكأن حبها لتلك الكتب مرتبط بما يحدث لها الآن.
لم تنتبه آني لريانا التي كانت تتحدث بصوت خافت مع المدير، بينما تغمرها بنظرات مشبوهة. ريانا، الفتاة التي تكره آني بشدة، تبذل قصارى جهدها لتلفت الأنظار مثلها، ترتدي مثلها، وتتصرف مثلها، لكن آني لم تكن تعطيها أي اعتبار.
عاد الطلاب إلى أقسامهم، لكن الإشاعات والهمسات انتشرت بسرعة، والكل بدأ يتساءل: من قتله؟
ومع تصاعد القلق، تقرر إيقاف الدراسة ذلك اليوم. غادر الجميع إلى منازلهم، فيما حضرت الشرطة مسرعة لتبدأ تحقيقاتها في هذه القضية الغامضة.
عادت آني إلى المنزل، ثم استلقت على الأريكة وأغمضت عينيها. كانت تخشى النوم منذ ظهور ذلك المخلوق، لكنها هذه المرة أرادت مواجهته وفهم ما يحدث، فالأمر لم يعد طبيعيًا.
استيقظت مجددًا في الممر المظلم، لكن هذه المرة لم تظهر العيون الحمراء. لم ترَ شيئًا سوى ظلام دامس، مليء بظلال غير مرئية. بدأت تصرخ مرارًا:
"هل من أحد هنا؟"
لم يجبها أحد، لكنها لم تستسلم. صرخت مرة أخرى بصوت أقوى، ومع ذلك ظل الصمت يسيطر على المكان. كان صدى صرخاتها يتردد بين الجدران بسلاسة، ثم يغمر الممر صمت مخيف، لا يُسمع فيه سوى دقات قلبها المنتظمة.
صرخت مجددًا برجاء:
"أريد مقابلتك... لن أغضبك مرة أخرى."
"ستبقى ابتسامتك على وجهك طوال الوقت... فقط اظهر."
لكن لم يجبها أحد.
فتحت آني عينيها ببطء وهدوء في العالم الواقعي، لتجد المخلوق جالسًا أمامها، واضعًا رجلًا فوق رجل، وقد شبك أصابع يديه معًا. صرخت آني متفاجئة، لتتسارع دقات قلبها بعد أن كانت هادئة، وبدأت أنفاسها تتلاحق بشكل غير طبيعي، فيما ظلت علامات الدهشة مرتسمة على وجهها.
كانت الابتسامة الاعتيادية مرسومة على وجه المخلوق المشوّه، ابتسامة تحمل في طياتها سخرية واستهزاء. قال بصوت لاذع:
"أكنتِ تظنين أني مجرد خيال عالق في كوابيسكِ السخيفة؟"
نهض من مكانه واقترب منها، ثم جلس بجانبها حتى لم يعد يفصل بينهما أي مسافة. آني لم تتحرك، واكتفت بإغماض عينيها. نظر إليها المخلوق وهو يقترب أكثر، والابتسامة لا تفارق وجهه، ثم همس بصوت خافت:
"افتحي عينيكِ... أأنتِ خائفة؟"
فتحت آني عينيها ببطء، لتجده أمامها مباشرة، لا يفصل بينهما شيء. تمالكت نفسها رغم أنها كانت تدرك مسبقًا أنها ستواجه هذا المنظر مجددًا. نظرت إليه ببرود، لكن في أعماقها كان الرعب ينهشها بلا رحمة.
قالت بصوت مرتجف، لم تستطع السيطرة عليه:
"إذن... أنت حقيقي؟"
قال المخلوق بسخرية وهو يبتسم ابتسامة مشوهة:
"أما زلتِ تشكّين في ذلك؟"
صرخت آني بغضب:
"أخبرني من أنت بحق الجحيم!"
انفجر المخلوق ضاحكًا، ضحكة مدوية هزّت أرجاء المنزل وأثارت إزعاجًا لا يُحتمل. ثم اقترب منها ولمس شعرها بيديه المتحجرتين، وقال بنبرة مفعمة بالتهكم:
"أنتِ شجاعة فعلًا... وأنا أحب ذلك كثيرًا."
ارتدت آني إلى الخلف وهي تقول بصوت مرتجف:
"أأنتَ... جن؟"
أمال رأسه وهو يحدّق في عينيها الحادتين، ثم أجاب بسخرية:
"تبا... لماذا يصرّ الجميع على القول إنني جن؟ هل يبدو ذلك واضحًا على وجهي؟"
آني لم تنطق بكلمة، واكتفت بالنظر إليه، تحبس أنفاسها من شدة الخوف، تحاول ألا تُظهر ارتجافها الداخلي.
عندها قال المخلوق بجدية مفاجئة:
"لقد جئت إلى هنا لأعطيكِ أمرًا من الملك."
وفجأة، أخرج من يديه نارًا متوهجة، ومن وسطها ظهرت ورقة صفراء قديمة. أمسك بها وبدأ يقرأ مضمونها بصوت عميق، يملأ المكان رهبة.
طقس العتبة
الخطوة الأولى: الصمت
تجلس آني في غرفة يغمرها الظلام النسبي، وتشعل شمعة وحيدة. عليها أن تبقى صامتة دقيقة كاملة، منتظرةً ذلك الصوت الداخلي الذي سيخاطبها.
الخطوة الثانية: المرآة - "لا تنظر مباشرة"
تضع المرآة أمامها على الطاولة، لكن يُحظر عليها النظر إليها مباشرة. فالقرين هو من يرى من خلالها، لا هي.
الخطوة الثالثة: كتابة الكلمة - "ما يختاره الظل"
على ورقة سوداء، تكتب كلمة واحدة فقط: خوف، أو رغبة، أو سر ثقيل. كلمة تكشف اضطرابها الداخلي، وتفضح "نقطة ضعف الملعون".
الخطوة الرابعة: الصليب فوق الورقة
تضع صليبًا فوق الورقة. إنه رمز للماضي، ماضيها وماضي أمها. وجوده فوق الكلمة يعني أن الماضي قد يخفي الخوف... أو يكشفه.
الخطوة الخامسة: النفس الثالث - "عودة الصدى"
تأخذ ثلاثة أنفاس بطيئة جدًا. وفي النفس الثالث، تتخيّل أن القرين يقف خلفها مباشرة. لكن مهما حدث، لا يُسمح لها بالالتفات.
الخطوة السادسة: نهاية الطقس - "العتبة"
تطفئ الشمعة ببطء، وتنطق بصوت منخفض: "العتبة مغلقة."
ثم تترك الورقة والمرآة في مكانهما، وتغادر الغرفة دون أن تنظر خلفها أبدا.
----------------يتبع--------------------------------------
إيش رأيكم في الأحداث 🥰
إيش هي ملاحضاتكم وانتقاداتكم