لعنة الظلام - طقس الضلال - بقلم إيمان | روايتك

اسم الرواية: لعنة الظلام
المؤلف / الكاتب: إيمان
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: طقس الضلال

طقس الضلال

تنبيه للقارئ: هذه الرواية من وحي الخيال، وتحتوي على مشاهد مرعبة، لمحات دموية خفيفة، وبعض المشاهد الجنسية الضرورية لتكملة القصة، لكنها ليست كثيرة ولا محور الرواية. موجهة للقراء البالغين فقط، ويُمنع قراءتها للأطفال. في جو مشحون بالغموض، حيث كان صوت الأجراس يهيمن على صمتٍ مخيف، صوتٌ لا يُسمع فحسب، بل تشعر به في أعماقك. امرأة ذات شعر طويل، أبيض وقوي، مظفور بعناية متقنة، تتلفظ بكلمات غريبة غير مفهومة، كأنها لغة قديمة ترمز لشيء مخفي، عيناها مغمضتان. كانت تحرك أجراسًا في يدها، وتحرك رأسها صعودًا وهبوطًا مع إيقاع صوت الأجراس، محاطة بدائرة من الشموع المشتعلة التي تنير المكان بضوئها الخافت وتخفي ظلامه. فجأة، تهب رياح مظلمة تطفئ نور الشموع، وتفتح المرأة عينيها، اللتين كانتا بيضاوين لا يظهر فيهما سواد. تتوقف أصوات الأجراس ويسود صمت دامس، يكسره فقط زفير الرياح. تبدأ المرأة بالارتفاع تدريجيًا، رافعًة رأسها نحو السماء، محافظةً على تربيعة رجليها، تدور الرياح حولها حتى يظهر ضوء ساطع من السماء يختفي بسرعة البرق. كانت هذه إحدى الطقوس التي يمارسها السحرة لتسخير اللعنة على شخص معين. ولدت فتاة في الخامسة عشر من شهر ديسمبر عام ألفين، ذات وجه شاحب كأنه خالٍ من أي نقطة دم. لم تبكِ، لم تُصدر أي صوت أنين، لم تضحك، ولم تبتسم، كأنها فارغة من الداخل، وكان ذلك واضحًا في ملامحها. كانت تنظر إلى باب قاعة العمليات دون أن تحرك عينيها، كأن شيئًا ما هناك يجذبها، شيء يسيطر عليها ويتحكم في تصرفاتها الغامضة. تلك النظرات كانت غارقة في أفكار عميقة، بلا أي تواصل مع العالم الخارجي، فاقدة جميع حواسها. لقد فسرو الاطباء هذه الحالة باضطراب في النمو العاطفي والاجتماعي، وقد يرتبط أحيانًا بمشاكل عصبية أو اضطرابات في الجهاز العصبي المركزي، لكن هل هذا هو السبب حقا؟.... بقيت على هذا الحال نحو ثلاث سنوات، حتى غادرت والدتها بلا عودة، تاركةً إياها بلا رحمة، غير مبالية بما سيحدث لها أو بمعاناتها القادمة. قالت آني لأول مرة كلمة مفهومة، بصوت رقيق وبريء: "ماما". خرجت من المنزل تتجول بخفة ورشاقة، لكن شيئًا ما كان يدفعها للعودة. توقفت في مكانها، اختفت تعابير وجهها، ثم عادت إلى المنزل جلست بهدوء، وعادت نظراتها المليئة بالكثير من المعاني، رغم أنها بدت فارغة بلا أي دلالة. كبرت آني تحت حماية الجن ورعايتهم، تنتمي إلى عالم غامض وخطير، عالم يمكن أن ينهي حياة أي شخص يقترب منه بلا حذر. دخلت الثانوية وهي ما تزال على حالها ذاته. أدركت أنها تنتقل إلى مرحلة جديدة: أناس جدد، ومدرسة جديدة، لكن كل ذلك لم يغيّر من طبيعتها الانطوائية. لم تكن تحب التجمعات، وكانت تراها مضيعة للوقت. لذلك، كانت تنعزل في مكان بعيد عن الأنظار، تضع سماعات أذنها وتغوص في عالمها الخاص. كانت تعشق موسيقى الروك، وتجلس دائمًا قرب شجرة كبيرة في وسط ساحة المدرسة، تقرأ كتب السحرة والمشعوذين بلا توقف. لم يكن لها أصدقاء، وزملاؤها كانوا يتحدثون باستمرار عن تصرفاتها الغريبة؛ فقد كانوا يرونها أحيانًا تتحدث مع نفسها وكأنها شخص فقد صلته بالواقع. بالنسبة لهم… كانت مجنونة. لكن أستاذتها لاحظت أن ما يحدث يتجاوز مجرد غرابة، كانت هذه الأستاذة تهتم بطلابها أكثر من أي مدرس آخر، وكانت تصرفات آني تثير قلقها بشدة. دخلت "مون"، زميلة آني في القسم، إلى القاعة. رأت آني جالسة في الطاولة الأخيرة، مغمضة العينين، وسماعات الأذن على رأسها كالعادة. اقتربت منها ونادت بصوت منخفض: "آني." فتحت آني عينيها ببطء، ونظرت إلى مون بنظرة ثابتة بعينيها المطفأتين، وكأنها لم تستيقظ بشكل كامل بعد. قالت مون: "الأستاذة تريدك… إنها في مكتبها تنتظرك." نظرت آني حولها ببطء، وكأنها تفاجأت بأن أحدًا يوجّه الكلام إليها: "أتتحدثين معي؟" أجابت مون: "أجل… أستاذة الفلسفة طلبت أن أناديك." تجمّدت آني لثوانٍ قصيرة. بدأت الأفكار تتزاحم في رأسها: هل فعلت شيئًا خطأ؟ ورغم هذا الصراع الداخلي، لم يظهر على وجهها أي شيء؛ فقد كانت بارعة في إخفاء مشاعرها كما لو أنها ترتدي قناعًا ثابتًا لا ينكسر. نهضت بهدوء، أزاحت السماعات عن أذنيها، وانطلقت نحو مكتب الأستاذة بخطوات ثابتة. طرقت الباب، ثم دخلت بعد أن سمعت الإذن. كان واضحًا من ملامح الأستاذة أنها كانت تنتظر آني بفارغ الصبر. ما إن دخلت حتى ظهرت على وجهها ابتسامة خفيفة، محاولة خلق جو مريح. أما آني، فقد جلست بصمت تام، دون أي تعبير على ملامحها، ونظرت إلى الأستاذة بنظرات هادئة خاوية، ولم تنطق بكلمة واحدة. قالت الأستاذة بصوت هادئ محاولة كسر الصمت: ــ «أنتِ لا تعرفين سبب مناداتي لكِ، أليس كذلك؟» هزّت آني رأسها نافية، محافضة على صمتها الدائم. واصلت الأستاذة بلطف بالغ: ــ «حسنًا، سأخبرك. لقد ناديتك بسبب انعزالك المبالغ فيه. اعتبريني مثل أختك الكبرى… وأخبِريني، هل يضايقكي  أحد من زملائك؟ هل تتعرضين للتنمر من أحد؟...... ألديك مشكلة، لا أريدك أن تخفي الحقيقة. فقط تحدثي… لا تخافي.» نظرت آني إليها ببرود واضح، ثم أجابت بصوت منخفض لكنه حاسم: ــ «أنا لا أحتاج المساعدة.» وبدون تردد، نهضت من مكانها. تجمدت الأستاذة للحظة، مصدومة من ردة فعل آني الباردة، وكأن كلامها لم يكن يعني لها شيئًا. مدّت يدها بسرعة وأمسكت بيد آني قبل أن تغادر، وقالت بإصرار صادق: ــ «انتظري يا آني… أنا حقًا أريد مساعدتك. إذا لم ترغبي في التحدث الآن فلا بأس، لكن كوني واثقة أنني موجودة دائمًا… في أي وقت تحتاجين فيه إلى أحد.» كان واضحًا في عيني الأستاذة أنها حقًا تريد المساعدة، وأنها تشفق على حال آني… حال لم ترَ أحدًا فيه من قبل: هدوء بارد، غرابة مستمرة، كآبة صامتة، وحدة خانقة، وصمت لا ينتهي. رفعت آني عينيها نحو الأستاذة، تلك العينان الخاليتان من أي شعور يذكر، وقالت بصوت منخفض لكنه يحمل نبرة تحذير واضحة: ــ «قلتُ إنني لا أحتاج إلى المساعدة.» ثم سحبت يدها وغادرت المكتب دون أي تتردد. وقفت الأستاذة في مكانها، تحدق في الباب الذي أغلقته آني، وفي ذهنها آلاف الأسئلة. كانت فضولية بشدة لمعرفة الحقيقة خلف تصرفات آني وشخصيتها الغامضة والهادئة، بل المدرسة بأكملها كانت تشعر بالفضول ذاته. آني كانت محط الأنظار… مثيرة للاهتمام والقلق في آن واحد، بطريقة مخيفة تجذب الأنظار رغماً عنها. لكن آني لم تكن تحب ذلك. كانت تتمنى أن تكون غير مرئية، لا يلتفت إليها أحد، ولا يذكرها أحد، كأنها غير موجودة على الإطلاق… لكنها، مهما حاولت، لم تستطع الهروب من واقعها. في ليلة هادئة، يسمع صوت الصراصير المزعج في كل زاوية. استلقت آني على سريرها، تحدق في سقف غرفتها، تفكر في ما مرّت به اليوم: يوم مرهق مليء بالتوتر والصراع الداخلي. لم تمر لحظة حتى غطت في نوم عميق. تارة فتحت عينيها و تارة أغلقتهما، استيقظت بفزع شديد. وفجأة وجدت نفسها في ممر طويل، يغشاه الظلام، كظلام حياتها الكئيبة ومصيرها المحسوم. نهضت ، والخوف  يتسلّل إلى أعماق قلبها. شعرت ببرودة تسري في أصابع يديها وقدميها. ثم ظهرت فجأة عينان حمراوان في الظلام الدامس، بلا سابق إنذار. تزايد خوفها أضعافًا، فانطلقت ركضًا في الاتجاه المعاكس، أملاً في العثور على مخرج، رغم أنها تعرف أنه لا مفر.  وقفت بعد مسافة، منهكة وتتعرق بلا توقف. هذه المرة، وجدت العينان أمامها وأقرب منها بكثير، وكأنهما تحدقان مباشرة في روحها. شعرت آني برعب يضغط على صدرها، أفكارها تتصادم داخل رأسها في فوضى خانقة. تراجعت بخطوات حذرة إلى الخلف، قبل أن تنطلق راكضة في الاتجاه الآخر من جديد، وكل ما يدور في ذهنها هو النجاة والخروج من هذا المكان المعتم الذي لا نهاية له. لكن العينين الحمراء عادت للظهور أمامها. ثم ظهرت أخرى… وأخرى… في كل زاوية من الظلام، كأنها محاصرة بنظرات لا ترحم. لم تجد تفسيرًا لما يحدث، فطوال ستة عشر عامًا لم يراودها أي شيء مشابه. ولم تشعر بنفسها إلا ودموعها تنهمر، تسقط على ركبتيها وتغطي أذنيها بيديها، فيما تتعالى حولها أصواتٌ مشوهة: صرخات مختنقة، وضحكات لها صدى بارد يخترق أعصابها. ثم… ساد الصمت فجأة. فتحت آني عينيها ببطء، فرأت شخصًا يقف أمامها. تراجعت مذعورة، فصرخت بلا وعي. لم يكن وجهه طبيعيًا، ملامحه مشوهة بشكل يفوق قدرة الإنسان على الفهم، يرتدي ملابس سوداء، وشعره الطويل ينساب حتى الأرض. كانت نظراته حادة، بلون أحمر عميق يلمع وسط الظلام. ابتسم ابتسامة متشنجة، فبدت أسنانه متفرقة بشكل غير مريح، وكأن ملامحه خُلقت لتثير الخوف. أذنه اليمنى فقط كانت موجودة، بينما الأخرى كانت مخفية بخيط أحمر يشد مكانها. تراجعت أنفاس آني مع المنظر، يداها ترتجفان، ودقات قلبها تتسارع بقوة مؤلمة. اقترب منها الكائن، فتجمدت مكانها كأن الأرض أمسكت بها. أخرج شيئًا من معطفه الأسود، قلادة تحمل صليبًا بلون باهت، وعليها آثار دم  غامقة، ثم قدمها لها بصمت. لم تحرّك آني شيئًا سوى عينيها، ثابتة، عاجزة عن الاستيعاب. تغيّر تعبيره بسرعة، وكأن صمتها استفزّه. أمسكها من كتفيها بقوة، فسحبها ودفعها نحو الحائط، محاصرًا إيّاها، ثم قال بصوت غليظ، خشن: «أتدرين لمن هذا الصليب؟» كان صوته وحده كافيًا ليرجف عظامها. تابع ببطء، وكأنه يتلذذ بوقع كلماته: «إنه يعود لوالدتك… المرأة التي كانت تُخفِي عنك كل شيء. امرأة لها يد في أمور… لا يريد أحد أن يعرفها.» لم تتحمل آني وقع الكلمات، ولا نظراته، ولا الرعب الملاصق لصدرها. انقطع نفسها وسقطت في دوّامة فقدان الوعي. عندما فتحت عينيها مجددًا، وجدت نفسها على الأرض، محاطة بسحب كثيفة من البخور، وظلال كثيرة تدور حولها بلا توقف، تتحرك كأنها أشباح صامتة. ثم ظهر الكائن من جديد، خطواته ثقيلة، مشيته مائلة، وصوت قدميه يملأ الفراغ. اختفت الظلال تدريجيًا، فنهضت آني مذعورة، لا تعرف ما الذي ينتظرها. اقترب منها، فابتعدت، كانت الغريزة وحدها التي تقودها. اقترب مرة أخرى، فابتعدت. اختفت ابتسامته، ثم قال بصوت مرتفع غاضب: «توقفي.» قفزت آني من مكانها مذعورة ، أغمضت عينيها لحظة، وعرقها يتصبب من جديد. اقترب منها حتى لم يعد يفصل بينهما سوى مسافة ضئيلة، ثم وضع الصليب على صدرها بهدوء غريب، وتراجع خطوة للخلف. فتحت عينيها، نظرت إلى الصليب، ثم إلى المخلوق المشوّه، وقالت بصوت مرتجف متقطع: «من… أنت؟ وأين أنا؟ وما الذي قلته… عن أمي؟ كيف تعرف كل ذلك؟» ابتسم ابتسامة جانبية ساخرة، وعلى وجهه ملامح لا يمكن قراءتها، وقال: «ستعرفينني مع الوقت… فأنت سترينني كثيرا ابتداء من هذه اللحظة.» --------------------يتبع-------------------------- ما رأيكم في القصة 🥰 وايش هي ملاحضاتكم و انتقاداتكم لها