الفصل 24
شمّر عن ذراعيه وهو يتجاوز بركة من الوحل
متجهاً نحو ذلك المحزن المتهالك في الطرف الأقصَى من المزرعة
حيث يحجبَه عن الأنظار كومَة من الأشجار المتدّلية
دلف إلى المكان وهو يرصَد تلك الغرفة الصغيرة في زواية المحزن
ومساحة صغيرة مليئة بالقشّ الأخضَر الناضَج
الذي نشَر رائحَة في المكان بقّوة
جعلت رغبَة من العُطاس تجتاحه فكّبتها حين أستدار
لصاحب الخطى خلفه
../ أسمع .. العّمال بيجون بكرة الصَباح بدري .. وأبيك تكون معاهم
حّرك الأخر رأسه بهدوء لم يلبث أن قال فوراً
../ هُم بيجون يعيدون بناه ..!
فحّرك صقر رأسه إيجاباً وهو يقول
../ إيه .. وهاذي الحشيش شيله من هنا وخله في المخزن الخارجي
والبعير لا تقّربه من هالصوب ولا تخليه يأكل من هذا المكان
عقدْ الأخر حاجبيه و صوته ينطق بالكثير من الأسئلة
../ ليه يا بوي كل هذا .. المخزن طيب .. والشجر في المنطقة مناسب لهم .. ولا عند ناوي على شي
زفر صقر وهو يخرج من المكان
ويتأمل الفيلا الكبيرة القابعة على بعد مترات عن هذا المكان
لا يعَلم أي سعادة أليمة تلك التي راحت تنهش كيانه بنهم
يكَره شعور الندم الذي ينتابه
لكَن شيء من القسوة المحفورة في صدره
هي ما تجعَل عملية المكابرة أكثر سهولة
وبقلب قُدّ من صخر
../ إيه .. بتجي هنا حُرمه
لم يكَن يدرك معنى الحقيقي لتلك الكلمات
لكَن اتساع عيني الأخر و كُل ذلك الذهول
الذي غطّى ملامحه السبعينية وهو ينطق
../ حُرمه .. هنا ..!!
استدار نحوه وهو يجيبه ببرود تعّمده
../ عندك مانع !
تلعثم الأخر وهو يحّرك رأسها بالنفي
../ لاآآ .. يا سيدي ..بس أنا كان قصدي إن العمال و...
قاطعه وهو يلّوح بيده وتابع طريقه نحو الفيلا
.../ أسكت بس .. وأسمعني أنا معتمد عليك ف كل شيء هنا
ليهزّ الأخر رأسه بخوف غطاه بطاعة
../ إيه ما بقصر ما بقصر
ليرمقه صقر بنظرة أخرسته لتابع بهدوء
../ بتجي في نهاية الأسبوع وقتها بيكون المخزن جاهز بسريره .. والحمّام بيجي السبّاك ويضبطه ويكمَله .. ثم يجون راعين الأثاث ويركبونه إنت خلك معهم أول بأول وبلّغني .. العمال ولا واحد منهم يقرب هنا كُلهم برا..
فقاطعه من جديد
../ زين لو جوا الأهل .. قصَدي أمي الكبيرة
أكمل
../ والتنظيف يكون يومياً الفجر يصلون ويكونون هنا يسقون الزرع ويخرجون قبل ما تصير سبع .. و إنت تكون معاهم مشرف عليه وواقف قدّام الباب حق المخزن..وتحرسه.. سواء كان الأهل موجودين ولا لا
ثم دار حول الفيلا بصمَت تأملها صقر طويلاً
ثم أنطلق خارجاً ..
وعند السيارة سأله أخيراً بقلق
../ طّيب يا بوي .. هي خدّامه للفيلا يعني ..؟
تأمله لدقايق ظّنها الأخر من عُمق نظراته
دهوراً ثم أجابه
../ لا ..
أي قّوة تلك التحُرك مشاعره بعُنف
أي ضمير ذلك الميت بداخله
لم يفسّر سبب أي برودة تجتاحه لذلك
فمنذ اعتقلوها بسببه
مات ضميره وشيّعه خلفها
ولم يأبه بعدها لشيء
*
فقد أنكفئت على تعبئة بياناتها في ورقَة إدارية مهمة
اقتربت منها وجلست على كُرسي خلف المكتب مُقابلها
ب
أغلقت الباب بهدوء شديد ثم ألتفتت للقابعة في منتصف الحجَرة
عدها رفعَت الأخرى رأسها وشفتيها تحمل ابتسامة حزينة
../ خلّصت .. هذا إلي أعرفه
ألتقطت الورقة منها تأملتها سريعاً ثم وضَعتها جانباً
وعندما همّت لتسألها جاء سؤال الأخرى أسرع
../ وكيف حاله عمّي بندر ..!
لم يكُن مهرجان الاعتراف أمراً صعباً على ميسون ف قليل من الكلمات
أوصَلت خبرها لها
ولم تكَن دموعها أقل بذخاً من الأخرى لكَنها تجاوزت كُل هذا
بأقل قدر من المشاعر
وأجابتها
../ بخير
رفعَت أناملها تغتال دمعَة مازالت تفضَحها أمامها
أظهَرت من الضَعف ما يكفي حتى الآن لكّنها
همسَت بصوت شاحب
../ ههه .. والله مو مصَدقة ..إني ...
رفعَت عيناها المبتّلتان نحو السقف وكأنها تبحث عن الكلمات
لتسعفها ميسون بحنان
../ شفتي أحد يقرب لك ..!
نظَرت إليها لدقائق ثم حّركت رأسها بقوة
../ إيه إيه .. أحس بشعور
فسألتها ميسون محّركة دفة الحديث نحو أفق أخر
../ نفس الإحساس إلي بتحسينه يوم بتشوفين أهلك ..بس مستعَدة ؟
أرخت بنظراتها أرضاً وهي تحّرك رأسها بالنفي
لتكَمل ميسون أسألتها
../ أممم .. ليش ؟