مابعد الرحيل
لم يكن الفقد لحظة،
بل زمنًا طويلًا لا ينتهي.
استيقظت الفتاة في بيتٍ غريب،
جدرانه باردة،
وأصواته لا تشبه صوت أمّها.
كانت ما تزال ترتدي ثوب تلك الليلة،
وكأن الزمن توقّف عندها.
قالوا لها إنهم أنقذوها،
لكنها لم تشعر أنها نُجِّيت…
كانت تشعر أنها تُركت وحدها.
مرت الأيام ثقيلة،
كل يوم يشبه الذي قبله،
ولا شيء يعوّض غياب الوجوه التي أحبتها.
كانت الابنة الوحيدة،
والآن أصبحت الناجية الوحيدة.
في القرية المجاورة،
لم يكن الجميع طيبين.
بعضهم نظر إليها كذكرى مؤلمة،
وبعضهم كعبء،
وبعضهم كقصة انتهت.
سمعت همساتٍ عنها،
كلماتٍ قاسية لا تُقال بصوتٍ عالٍ،
لكنها كانت تصل إلى قلبها بسهولة.
تلقّت الهجوم بالصمت،
وتعلّمت أن تحني رأسها
كي لا تنكسر.
في الليل،
كانت تتوضأ بيدين مرتجفتين،
وتصلّي كما علّمتها أمّها.
لم تكن تطلب الكثير،
فقط أن لا تنسى وجهها.
كانت تحتفظ بمصحفٍ صغير،
مهترئ الأطراف،
آخر ما بقي لها.
كلما شعرت بالضعف،
فتحته…
فتشعر أن أمّها ما زالت قريبة.
كبرت وهي تراقب العالم من بعيد،
لا تثق بسرعة،
ولا تكره،
لكنها لم تعد تنتظر شيئًا من أحد.
ومع كل قسوة،
كان قلبها يتألّم…
لكنه لم يفسد.
في داخلها،
كان هناك شيءٌ يتحرّك ببطء،
شيءٌ يشبه البذرة
تحت ترابٍ قاسٍ.
لم يكن أملًا واضحًا بعد،
لكنّه لم يمت.
وفي إحدى الأمسيات،
وقفت عند أطراف القرية،
نظرت إلى الأفق الطويل،
وقالت في سرّها:
«ربما لم تنتهِ قصتي بعد».
وكان ذلك
أول اعترافٍ منها
بأنها ما تزال حيّة.