الهدوء الذي لم يدم
كانت في ضواحي قريةٍ صغيرة فتاةٌ خلّابة،
جمالها هادئ كالأميرات،
وعيناها تحملان صفاءً نادرًا.
كانت الابنة الوحيدة لوالديها،
كل ما تبقّى من دعاءٍ طويل وانتظار.
قلبها كان ألين من النسيم،
تحب الناس جميعًا،
وتحنو على الحيوانات كأنها تفهم لغتهم.
أمّها كانت عالمها كلّه؛
ترعاها بحبٍ جارف،
توقظها للفجر،
تعلّمها الصلاة،
وتجلس بجانبها لتحفيظ القرآن،
تقول لها دائمًا:
«من تمسك بالله، لن تضيع».
مرّت السنوات بهدوء…
حتى جاء اليوم الذي انكسر فيه كل شيء.
في ليلةٍ بلا قمر،
تعرّضت القرية لهجومٍ مفاجئ.
خوفٌ، صراخ، وبيوتٌ أُغلقت على الدعاء.
اختبأت الفتاة بين ذراعي أمّها،
وكان ذلك آخر مكانٍ شعرت فيه بالأمان.
مع طلوع الفجر،
رحل أهلها…
ورحل أحبابها…
وبقيت هي وحدها.
لم تفهم كيف تحوّلت الحياة فجأة،
كيف أصبحت الطفلة الوحيدة
في عالمٍ لا يرحم.
منذ ذلك الوقت،
تغيّرت.
لم تعد تضحك كثيرًا،
ولا تتكلّم إلا قليلًا.
تعلّمت الصمت،
وتعلّمت أن تخبّئ وجعها في صدرها.
كان بعض الناس يرمقونها بنظرات قاسية،
وبعضهم آذاها بالكلام،
وبعضهم نسيها تمامًا.
تلقّت الهجوم لا بالسلاح،
بل بالقسوة…
وبالخذلان.
ومع ذلك،
لم تترك الصلاة،
ولا نسيت آيةً علّمتها أمّها.
كانت كلما اشتدّ الألم،
تفتح المصحف،
كأنها تفتح بابًا لأمّها من جديد.
كبر جسدها ببطء،
لكن روحها كبرت بسرعة مؤلمة.
صارت أقوى مما ينبغي لطفلة،
وأكثر صبرًا مما يحتمله قلب صغير.
وفي إحدى الليالي،
رفعت رأسها إلى السماء وقالت:
«يا الله… إن كنتَ قد أخذتَ كل شيء،
فاترك لي الأمل».
ومنذ تلك الليلة،
بدأ شيءٌ جديد يولد بداخلها.
لم يكن فرحًا،
ولا نسيانًا،
بل قوة هادئة.
قرّرت أن تعيش،
لا انتقامًا…
بل وفاءً.
وفاءً لأمّها،
لأهلها،
وللقرية التي سقطت ولم تمت في قلبها.
وهكذا،
من قلب الطفلة الوحيدة،
ومن تحت الركام،
وُلد
الأمل