الفصل التاسع: عهود المخالب
عهد صداقة جديد:
بعد أيام من العذاب البطيء في المغارة، عاد ألفارد إلى كوخ سيلاس واقفاً على قدميه، الجرح في جنبه ما زال موجوداً تحت الملابس كندبة جديدة، لكن خطواته كانت ثابتة. الشمس كانت تغرب عندما دخل، ليجد سيلاس جالساً أمام المدفأة، ظهره المنحني يعكس أياماً من القلق.
"أبي." قال ألفارد بصوت أجش.
التفت سيلاس فجأة، عيناه تلمعان بين الغضب والراحة. "أين كنت؟ عندما تُصاب في معركة، يجب أن تأتي إلى بيتك! لا تختفي كالشبح!"
"لم يكن لديّ خيار..." حاول ألفارد الشرح.
لكن سيلاس لم يستمع. قام وهاجمه بحضن ضاغط كقبضة الدب، عظام ألفارد تصطخت تحت القوة العجوزة.
"آه، أبي على رِسلك!" تألم ألفارد من الضغط على جرحه.
فوراً، ارتخى سيلاس، يداه المرتعشتان تتحولان إلى لمسة فاحصة. "أين الجرح؟ أين أُصبت؟"
"لقد شُفي... تقريباً." قال ألفارد وهو يفتح قميصه قليلاً ليُري الندبة المحروقة النظيفة.
في تلك اللحظة، دخل كاليب وفالاندر. وقفا على العتبة، كاليب مبتسماً بخجل، وفالاندر بوقفته الهادئة.
"هؤلاء..." بدأ ألفارد.
"أعرف." قطع عليه سيلاس وهو يحدق في فالاندر. "الصانع الذي أنقذ حياتك وأصبح صديقاً. والخائن الذي أصبح أخاً."
ابتسم كاليب بصعوبة. "لست خائناً بل كنت مصدوماً."
أومأ سيلاس، ثم اتجه نحو الموقد ليبدأ بإعداد الشاي. "اجلسوا. في هذا البيت، المنقذون والأصدقاء لا يقفون على الأبواب."
دخلوا جميعاً إلى غرفة ألفارد. كانت غرفة بسيطة تتناقض مع أسطورة صاحبها: سرير خشبي وحيد، رفوف مليئة بالكتب القديمة، منضدة عليها أدوات كتابة ومخطوطات. لا تذكارات، لا أسلحة، لا علامات البطولة.
لكن ما لفت انتباههم كان في الزاوية: قطعة من الأرضية الخشبية تبدو مختلفة قليلاً. انحنى ألفارد، ضغط على عقدة خشبية معينة، ورفع لوحاً صغيراً كشف عن صندوق مخفي.
"هذا هو سر الصقر." قال وهو يجلس على الأرض، محاطاً بأصدقائه.
فتح الصندوق. لم يكن فيه كنوز، بل ذكريات: أقنعة سوداء مطوية بعناية، سترات جلدية، خريطة قديمة للمملكة عليها علامات بالحبر الاحمر، وحتى قطعة القماش الباهت قال إنه وجده يرتديه عندما عثر عليه سيلاس.
"كل شيء بدأ من هذا القماش." قال ألفارد وهو يمرر أصابعه على النسيج البالي. "وكله قد ينتهي به أيضاً."
ثم نظر إلى كاليب وفالاندر. "لم أختَر أن أكون صقر العدالة. الظلم الذي وقع على الناس هو الذي صنعني. وأنتما... أنتما الآن جزء من هذه القصة، سواء أردتما أم لا."
"بل نريد بالطبع." قال كاليب بحزم.
أومأ فالاندر، عيناه الخضراوان تدرسان محتويات الصندوق. "كل إناءٍ فخاري يحمل قصة الطين الذي صنعه. وأنت تحمل قصة مملكة بأكملها."
قام ألفارد، وأخرج ثلاثة خناجر صغيرة من الصندوق. ليست للأسلحة، بل رموز. أعطى واحداً لكاليب، وواحداً لفالاندر، واحتفظ بالثالث.
"دمنا لم يختلط، لكن مصيرنا اختلط." قال ألفارد بصوته الجاد. "هذا عهد. ليس على الدم، بل على الثقة. أن نحمي بعضنا، أن نصون الأسرار، وأن نقف ضد الظلم معاً."
أخذ كاليب الخنجر، عيناه تلمعان بالدموع. "أقسم لك أنني سأكون جديراً بهذه الثقة."
فالاندر أمسك بخنجره، ثم فجأة، جرح إصبعه الصغير بسطح الخنجر الحاد. قطرة دم سقطت على الأرض الخشبية. "دمي يختلط بقسمي. هكذا يكون القسم."
فعل ألفارد وكاليب الشيء نفسه. ثلاث قطرات دم اختلطت على أرضية الغرفة.
من الباب، كان سيلاس واقفاً يحمل صينية الشاي، عيناه الدامعتان تشهدان على المشهد. رأى ابنه، اليتيم الذي رباه، وهو يبني عائلة جديدة من الأصدقاء والأخوة. وعرف أن الصقر الصغير الذي أحضره إلى كوخه ذات ليلة ماطرة، قد كبر ليحمل على كتفيه ليس فقط عباءة البطل، بل توقعات كل قلبٍ مكسور في إيفرونيا.
الملك والأمير والثعبان:
كانت قاعة اجتماعات الملك بالقصر تتنفس أخيراً هواءً مختلفاً. ضوء الشموع يتلاعب بظلال الأعمدة على الجدران، لكن الحرارة التي كانت دائماً باردة في حضرة فاليريان، كانت اليوم أقل وطأة. جلس الملك ثيودور والأمير إدموند وجهاً لوجه، إبريقاً من عصير التوت الأحمر بينهما كجسر من الثقة الناشئة.
"لقد قيدته ببراعة." قال ثيودور، عيناه العسليتان تلمعان بإعجاب نادر. "تلك المطالبة بتفاصيل كل إنفاق، وتلك الزيارات المفاجئة للمخازن... لقد جعلته يشعر بأنه مراقب."
إدموند أمال رأسه قليلاً، ابتسامة خفيفة تلمع في زاوية فمه. "الثعابين لا تُقتل بالضربات المباشرة فقط، بل بالضغط البطيء على رؤوسها أيضاً."
ثيودور نظر إلى النافذة حيث كانت سماء المساء تتحول إلى اللون البنفسجي. "لقد عشتُ سنوات وأنا أسير على حبلٍ مشدود. فاليريان من ناحية، وأمي من ناحيةٍ أخرى. وبينهما، سرّي الذي يحملونه كسيفٍ مُسلط على رقبتي."
"الخادمة وطفلها." قال إدموند بهدوء، كأنه يذكر حقيقة معروفة.
ارتعش ثيودور. "كيف...؟"
"السياسة مثل النسيج، يا ابن عمي. كل خيطٍ متصل بآخر." شرب إدموند رشفة من كأسه. "وهذا هو السبب في أنني أتيت. لأن الأسرة لا تُترك فريسة للذئاب، حتى لو كانت بعض هذه الذئاب تحمل أسماءنا."
قام ثيودور وبدأ يمشي في القاعة بخطوات متوترة. "لطالما أردت أن أكون ملكاً حقيقياً. لكن الخوف... الخوف جعلني تمثالاً من الشمع. حتى صقر العدالة ظهر، وأنا أنظر من النافذة كطفلٍ يحلم بالمغامرة."
توقف فجأة والتفت إلى إدموند. "أنا أسعى للتحالف معه."
رفع إدموند حاجبيه. "مع الفارس المجهول؟ هذا جريئ منك. كيف تضمن أنه ليس عدواً لك؟"
"إنه ليس عدواً ليّ، أنا متأكد من هذا." قال ثيودور بحماسة. "إنه يهاجم فاليريان، لا العرش. وفي كل مكانٍ يظهر فيه، يترك الأمل كالندى بعد جفافٍ طويل."
فكر إدموند للحظة، عيناه البنيتان تحملان تأملاً عميقاً. "رجل يخاطر بحياته من أجل لا شيء سوى العدالة... هذا نادر كالماس في الوحل، ثيودور. إذا استطعنا التحالف معه، فسيكون مكسباً لا يعوض، لكن... علينا أن نكون حذرين."
"لكن كيف نصل إليه؟" سأل ثيودور. "إنه شبح."
"الأشباح تظهر لمن يبحثون عنها بطريقة صحيحة." قال إدموند. "وبالنسبة ليّ، سأبدأ بإصلاح ما يمكن إصلاحه. تخفيض الضرائب على القرى الفقيرة، إعادة النظر في الأحكام الجائرة، فتح المخازن الملكية في أوقات المجاعة."
نظر إليه ثيودور بتقدير. "لكن لكي تفعل ذلك، تحتاج إلى سلطة رسمية. لا تكفي صلة قرابتك مني."
"أنا لا أبحث عن منصب..."
"لكنني أبحث عن رجل يستحقه." قطع عليه ثيودور. "سأعينك مستشاراً للعدالة والإصلاح. سيكون لديك صلاحية مراجعة أي قرار، وتعديل أي حكم، والإشراف على جميع شؤون القرى والبلدات بالمملكة."
في تلك اللحظة، دق الباب، ثم دخل فاليريان. وقف عند المدخل لثانية، عيناه الخضراوان تنتقلان بين الرجلين كأفعى تقيّس فريستين.
"جلالة الملك، سمو الأمير." انحنى فاليريان انحناءة خفيفة. "لدي تقارير عن نقص في محاصيل القرى الشرقية. أعتقد أن زيادة الضرائب المؤقتة ستساعد في..."
"لا زيادة في الضرائب." قطع عليه إدموند بهدوء. "بل سنفتح المخازن الملكية. وسنرسل مساعدات."
تصلب فاليريان. "المخازن مخصصة للجيش والقصر..."
"وهي مخصصة أيضاً للشعب عندما يجوع." قال ثيودور، صوته يحمل حزماً لم يسمعه فاليريان من قبل. "وبالمناسبة، لقد عينت الأمير إدموند مستشاراً للعدالة والإصلاح. ستكون جميع قراراتك المالية والإدارية تحت إشرافه المباشر."
لم يتحرك فاليريان، لكن شيئاً في عينيه انطفأ. "كما تأمر، جلالتك. سأعد كل الوثائق لنقلها إلى سمو الأمير في الحال."
بعد أن خرج فاليريان، ساد صمت في القاعة. ثم قال إدموند: "لقد رأيت عينيه. إنه لا يهدأ."
"ولن يهدأ." أضاف ثيودور. "الآن أنت على قائمته."
ابتسم إدموند ابتسامة تحمل شيئاً من التحدي. "دعني على القائمة. فالأيام طويلة، والثعابين، مهما كانت ذكية، يمكن إمساكها من رقابها إذا عرف المرء أين يضغط عليها."
وفي الممر خارج القاعة، وقف فاليريان متكئاً على الحائط، يداه مقبوضتان. صوت خطوات الخادم تيرون القادمة جعلته يعدل وقفته، ويرسم ابتسامته الباردة من جديد. لكن في داخله، كانت العاصفة قد بدأت، وكان يعرف أن المعركة الحقيقية قد انطلقت، وأنه يجب عليه الآن أن يقرر: إما أن يقبل بدور ثانوي، أو أن يلعب الورقة الأخيرة الخطيرة.
حمامة ووحش وحبوب متطايرة:
كان سوق البلدة يموج بحياة الظهيرة المشمسة، والدخان المتصاعد من أفران الخبز يختلط مع رائحة التوابل. في هذا المشهد اليومي، كان داريو يسحب إسفين كما يسحب الفهد فريسته العنيدة.
"فكرة حمقاء، ما هذه الحماقة التي تفعلها أيها الجاموس الهائج؟!" كان إسفين يهمس وهو يحاول تحرير ذراعه من قبضة داريو الحديدية. "أنت المعنيّ بالأمر، وهي حبيبتك، فلماذا تجرني إلى هذا العذاب؟"
"لأنك سبب نحسي!" قال داريو دون أن يلتفت، عيناه تحدقان في متجر الحبوب حيث كانت أستريا واقفة خلف المنضدة، شعرها الكستنائي يتلألأ تحت الشمس كحرير مبلل. "لو لم تشجعني على الحديث معها في المرة السابقة، لما كسرتُ الإناء ولما هَربت مني كالغزالة المرعوبة!"
"شجعتك؟! وهل أنا من كسر الإناء؟!"
"لا! لكن وجودك كافٍ! أنت كالقطة السوداء في طريق الحظ!"
اقتربا من المتجر. كانت أستريا توزع القمح في أكياس بحركات رشيقة، وعندما رفعت عينيها الخضراوين، توقفت لثانية.
"سيد داريو." قالت بصوت ناعم لكن فيه شيء من الترقب. "هل عدت لتكسير المتبقي من بضاعتنا بيديك القويتين؟"
ارتجف داريو كما لو تلقى صفعة. "لا... بل جئت لأشتري... بعض الحبوب."
"وأي نوعٍ تريد؟"
نظر داريو إلى إسفين نظرة استغاثة. إسفين التفت بعينين تملؤهما البراءة الزائفة.
"نوع... جيد." قال داريو. "لأن... أم إسفين قد أنجبت حديثاً، وتحتاج إلى طعام مغذٍ."
صمت مطبق. إسفين حدق في داريو بعينين واسعتين. "أمي؟! إنها توفيت منذ سنوات."
ضرب داريو إسفين بربكته في ساقه تحت المنضدة. أصدر إسفين صوتاً مكتوماً كأنه بالون يفرغ من الهواء بسرعة، لكنه تماسك، وجهه يشحب من الألم.
"أعني... أخته!" صحح داريو بسرعة. "أخت إسفين! نعم! أنجبت!"
رسمت أستريا ابتسامة صغيرة على شفتيها، كأنها تستمتع بالمشهد. "أوه، تهانينا. إذن تحتاج إلى حبوب القمح الكاملة، مع بعض الشعير لزيادة الحليب."
"بالضبط!" قال داريو مبتسماً ابتسامة متوترة. "وهل... هل يمكنك مساعدتي في اختيار أفضل الأنواع؟ ربما... خارج المتجر، نأخذ جولة تعريفية على أفضل الحبوب المغذية؟"
توقفت أستريا، ثم أومأت. "لدينا أكياس معدة خلف المتجر. يمكنني أن أريك العينات."
بينما كانا يتجهان إلى الخلف، التفت داريو إلى إسفين ونظر إليه نظرة انتصار. لكن إسفين كان يفرك ساقه ويتأوه بصمت.
بعد دقائق، عاد داريو يحمل كيساً من الحبوب، ووجهه يلمع بابتسامة غبية عريضة. أستريا وقفت على الباب، وقالت: "يمكنك العودة غداً، سيكون لدينا عينات جديدة."
"سأكون هنا!" قال داريو بسرعة، ثم انطلق وهو يسحب إسفين بعيداً.
عندما ابتعدا عن المتجر، بدأ إسفين: "إذاً كيف كانت محادثتكم..."
لم يكمل. داريو كان قد رفع كيس الحبوب وضرب به رأس إسفين بقوة. فجأة انفجر الكيس، وانهالت الحبوب على رأس إسفين وأرض السوق كشلال ذهبي.
"الآن!" قال داريو وهو يرمي الكيس الفارغ. "الآن أصبحت شريكاً في الجريمة! وأصبحت حبوبك أنت أيضاً!"
ومشى مبتعداً، تاركاً إسفين واقفاً تحت أمطار القمح والشعير، والحبوب تتساقط من شعره كتاج أحمق.
نفض إسفين الحبوب من على كتفيه، ونظر إلى داريو الذي يبتعد بخطوات منتصرة. ثم همس لنفسه وهو يلتقط حبة قمح من فوق رأسه:
"أيها الغبي... بل كلمة غبي لا تكفي لوصفك... من ستحب رجلاً يشبه البقرة في الحقول؟!"
لكن في داخله، كان يبتسم. لأنه رأى شيئاً لم يره داريو: ابتسامة أستريا الحقيقية عندما التفتت لتراقبه وهو يبتعد. وربما، فقط ربما، لم تكن الفتاة منزعجة كما يظنون. ربما كانت تضحك، وربما قد تكون وقعت في حب هذا الغبي.
دفء في كوخ الذكريات:
كانت إيديث جالسة في كوخها تلمس قطعة قماش قديمة عندما فتح الباب. لم ترَ الدخول، لكنها شمته أولاً: رائحة الجبل والصقور والأعشاب البرية الممزوجة بعرق التعب. ذاك المزيج الخاص الذي تعرفت عليه دون أن تراه.
"ألفارد!" قالت الكلمة ويداها تمتدان نحو الصوت.
انحنى على ركبتيه أمامها، فاحتضنته بقوة كأنها تخشى أن يتحول إلى دخان بين ذراعيها. دموعها سالت على خديها المجعدين وصدر قميصه. "لقد عدت... لقد عدت..."
"عدت، يا أمي." قال وهو يداعب خصلات شعرها. "وأنا بخير. انظري." أخذ يدها ووضعها على الجرح الملتئم تحت قميصه.
أصابعها المرتعشة تلمس الندبة المحروقة، ثم انسحبت فجأة كما لو لامست ناراً. "هذا... هذا ليس جرحاً عادياً."
"لكنه شُفي." قال بلطف. "وجلبت معي من ساعدوا في شفائي."
أشار للباب. دخل كاليب وفالاندر، الأول بخطوات واثقة، والثاني بتواضع رجل يدخل مكاناً مقدساً. قدمهم ألفارد: "كاليب، صديق طفولتي الذي أصبح أخاً. وفالاندر، صانع الفخار الذي أنقذ حياتي وأصبح صديقي."
مدت إيديث يديها، فاقتربا. لمس كاليب يدها بانحناءة، لكن فالاندر... فالاندر جثا أمامها كما فعل ألفارد، ووضع يدها بين يديه. صمت غريب ساد للحظة.
"يديك... باردة." قالت إيديث بصوت هامس.
"الطين يبرد الأيدي، سيدتي." قال فالاندر بلطف. "سأصنع لكِ إناءً فخارياً يحمل دفء الشمس حتى في أبرد الليالي."
بدأ ألفارد يعد الطعام، والمحادثات تنسج خيوطاً من الألفة. فالاندر يحكي لإيديث عن فن الفخار، وكيف أن كل قطعة تحمل قصة، وكيف أن الأواني المكسورة يمكن إصلاحها، فتصبح أجمل مما كانت. وكانت إيديث تسمع، ووجهها يشرق بابتسامة لم يرها ألفارد من قبل.
ثم، فجأة، انفتح الباب بعنف. إسفين دُفع إلى الداخل كما لو ألقى به إعصار، وتدحرج على الأرض الخشبية.
"إسفين!" قال ألفارد مذهولاً.
من خلف الباب، ظهر داريو مبتسماً ابتسامة عريضة. "وجدته يتجسس على الباب، فقررت أن أقدمه هدية لكم."
نهض إسفين ينفض الغبار من ملابسه. "أنا لا أتجسس، أنا أتحقق من الأمن! هل هذا جزائي؟"
ضحك الجميع. حتى إيديث ضحكت ضحكة مجلجلة تملأ الكوخ دفئاً. جلسوا جميعاً حول المائدة المتواضعة، الطعام البسيط بينهم كوليمة ملوك.
بدأ الحديث يدور حول أخبار المملكة. أخبرهم إسفين عن الأمير إدموند، عن تعيينه مستشاراً للإصلاح، عن قراراته الأولى: تخفيض الضرائب، فتح المخازن، مراجعة الأحكام.
"لقد رفض منصب ولي العهد." قال إسفين وهو يأكل. "وقال إن ليوس هو الوريث الشرعي."
"رجلٌ شريف." قال ألفارد وهو يفكر. "ولكن هذا سيجعله هدفاً واضحاً."
"وهو يعرف ذلك." أضاف إسفين. "لقد بدأ بتقليم أجنحة فاليريان. وبالفعل، فاليريان يغلي من الغيظ."
قالت إيديث فجأة، صوتها يحمل حكمة السنوات: "عندما يضغطون على الثعبان كثيراً، إما أن يموت، أو أن ينقض من حيث لا تتوقعون."
نظر ألفارد إلى فالاندر الذي كان صامتاً يسمع. "ما رأيك، يا صانع الفخار؟"
رفع فالاندر عينيه الخضراوين. "أرى أن المملكة كقطعة فخار عليها شقوق. يمكن كسرها بضربة واحدة، أو يمكن إصلاحها لتصير أقوى. والإصلاح يحتاج إلى حرارة، وضغط، ووقت."
ساد صمت مفعم بالمعاني. في ذلك الكوخ الصغير، كان يجلس فلاح، وبطل، وصانع فخار، ومقاتل، ومخبر، وامرأة عمياء. كل منهم يحمل قطعة من لغز إيفرونيا. وكانت القطع تبدأ في التلاقي، لترسم صورة لمستقبل قد يكون مجيداً... أو مدمراً.
سهم في وضح النهار:
كان موكب الأميرين يتحرك في شوارع العاصمة كأنهار من الأمل بين بحار اليأس. الأمير ليوس على حصانه الأبيض، والأمير إدموند على حصانه البني، وخلفهما فاليريان كظل غير مرحب به. الناس تجمعوا على الأرصفة، عيونهم تتبع الأميرين الجديدين الذين بدآ يزرعان البسمة في وجوههم.
توقف الموكب عند فُرن لبيع الخبز. نزل ليوس وإدموند، تاركين خيولهما مع الحراس. تقدم إدموند إلى خباز عجوز كانت يداه ترتجفان وهو يقدم الخبز.
"كم ثمن الخبز اليوم، أيها الرجل؟" سأل إدموند.
"ثلاث قطع نحاسية للرغيف، سمو الأمير." قال الخباز بصوت خافت.
وضع إدموند قطعة ذهبية في يد العجوز. "خذ هذه، وأعط كل من في طابورك اليوم الخبز مجانياً."
صرخة فرح انطلقت من الحشد الصغير خلفه. ثم التفت إدموند إلى ليوس. "هل ستشاركني؟"
ابتسم ليوس، ابتسامة حقيقية من قلبه. أخرج قطع الذهب ووزعها على بائعي الخضار المجاورين. "اليوم، لن يجوع أحد في هذا السوق، قوموا بتوزيع الخضراوات والفاكهة على الناس."
تحولت الوجوه المتعبة إلى لوحات من الذهول ثم الامتنان. امرأة عجوز انحنت لتقبل يد ليوس، لكنه منعها، وأمسك بيدها. "لا تنحني لأحد، يا جدتي. فنحن من يجب أن ننحني ونشكركم لصبركم علينا."
كان فاليريان يراقب من بعيد، ابتسامته الباردة لا تتحرك، لكن عينيه كانتا كجمرتين تحت الرماد. رأى كيف كان الناس ينظرون إلى الأميرين بنظرة لم ينظروا بها إليه قط: نظرة حب، لا خوف.
انتقل الموكب إلى حي الفقراء حيث الأطفال يلعبون معاً. نزل إدموند مرة أخرى، وهذه المرة تبعه ليوس. شاهدوا طفلاً صغيراً يحمل أخته الرضيعة، كلاهما بملابس رثة.
"أين والداكما؟" سأل ليوس بلطف.
"ماتت أمنا، ووالدنا في السجن بسبب الديون." قال الطفل بحزنٍ يفوق عمره.
نظر إدموند إلى ليوس، ثم إلى فاليريان. "بسبب الديون؟ كم الدين؟"
"عشرون قطعة ذهبية، سمو الأمير." قال فاليريان بسرعة. "لقد تخلف عن دفع الضرائب."
"ألغِ دينه." قال إدموند بصوت لا يقبل الجدل. "وكل ديون سجناء الفقر."
"لكن القوانين..." بدأ فاليريان.
"القوانين تُصنع لخدمة الناس، لا لتعذيبهم." قطع عليه ليوس، صوته يحمل حزماً جديداً.
كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما قرر الأميران العودة. وقفا يودعان الناس، والأيدي الصغيرة تتعلق بأطراف ملابسهما. في تلك اللحظة، بينما كان إدموند يلتفت ليصعد على حصانه، صفّر سهم في الهواء.
سهم طويل أسود اخترق كتف إدموند الأيسر، على بعد قصير من قلبه.
"لا!" صرخ ليوس.
سقط إدموند إلى الوراء، لكن ليوس كان أسرع. التقطه قبل أن يصطدم بالأرض، وأنزله بلطف على الحصى. الدم كان يلوث الرداء الأزرق الداكن لإدموند بسرعة مرعبة.
"أيها الحراس! أحموا الأمير!" صرخ فاليريان، صوته يحمل ذعراً مصطنعاً."حاصروا المنطقة! اقبضوا على الفاعل! هيا!"
احاط الحرس الشخصي لإدموند بهما، سيوفهم مشرعة. لكن ليوس لم يهتم. جلس على الأرض، حاملاً رأس إدموند في حضنه.
"لا تتحرك." همس وهو يحاول كسر السهم. لكن السهم كان غائزاً بعمق، ولم يستطع إزالته دون تمزيق الجرح أكثر.
"ليوس..." همس إدموند، وقد بدأت الدماء تخرج من فمه. عيناه البنيتان تحاولان التركيز على وجه ليوس.
"لا تتكلم. احتفظ بقوتك." قال ليوس بصوت مرتجف.
نظر ليوس إلى فاليريان الذي كان يصدر الأوامر للجنود، وجهه يظهر القلق، لكن عينيه... عينيه كانتا باردة كالثلج. نظرة مختلسة بينهما، فيها انتصار مكتوم.
"هو..." حاول إدموند أن يتكلم، لكن الدم غلب صوته.
"أعلم." قال ليوس بينما كان يضغط على الجرح بيديه المرتعشتين. "أعلم من فعل هذا. ولكن الآن... الآن يجب أن تنجو."
بدأ وعي إدموند يتلاشى. يداه تتراخيان، وعيناه تبدأان بالانغلاق.
"لا! إدموند، ابقَ معي!" صرخ ليوس، صوته يتحول إلى نحيب. "إدمونـــد!"
الصرخة قطعت الهواء كالسكين، وامتدت في الشوارع، حاملة معها كل الأمل الذي ولد في ذلك اليوم، وكل الخوف من أن يكون هذا الأمل قد دفع ثمنه أول من زرعه بحياته. وفي يد ليوس، كان دم إدموند يسيل، كأنه حبر يكتب نبوءة داكنة لمستقبل إيفرونيا.