الفصل الثامن: أسرار تحترق
النار والسر:
كانت الليلة قد بلغت ذروة ظلامها حين وصل كاليب وفالاندر إلى سفح جبل الصدى الصامت. نزلا من على الحصان الأسود الذي بدا وكأنه يعرف الطريق عن ظهر قلب. وقف كاليب أمام صديقه، عيناه الزرقاوان تحملان جاذبية من التوسل والتحذير معاً.
"ما ستراه في هذا المكان... ما ستسمعه... يظل بيننا. هذا السر ليس سراً عادياً، إنه سر حياة أو موت."
نظر فالاندر بعينيه الخضراوين الهادئتين، ثم أومأ ببطء. "أسرار الغرباء لا تهمني. لكن الحياة التي سأحاول إنقاذها هي ما تهمني."
صعدا الجبل بسرعة، وخطوات فالاندر كانت خفيفة ومنسقة كأنه اعتاد المشي على الصخور. وعندما وصلا إلى فم المغارة، توقف فالاندر فجأة.
الصقور العملاقة الثلاثة كانت جاثمة عند المدخل، عيونها الصفراء الكبيرة تحدق فيهما. فالاندر لم يصرخ، لم يتراجع. وقف جامداً، أنفاسه تتسارع قليلاً، لكن عينيه كانتا تتأملان المخلوقات الأسطورية كما يتأمل فنان تحفة نادرة.
"يا إلهي..." همس. "إنهم حقيقيون."
دخلوا المغارة، وأول ما وقعت عينا فالاندر على المرتزقة المقيدين عند الصخرة الضخمة، ثم على داريو وإسفين داخل المغارة، وأخيراً على الشاب النائم على السرير. ثم رأى ما كان ملقى على الأرض بجانب السرير: العباءة السوداء، السترة الجلدية، والقناع على شكل جناحي الصقر.
توقف فالاندر لحظة، ثم نظر إلى كاليب. "صقر العدالة."
"نعم." قال كاليب بصوت خافت. "وهو صديقي."
تقدم فالاندر نحو السرير، خطواته ثابتة الآن. جلس على حافته، ونظر إلى وجه ألفارد الشاحب. لم ينظر إلى البطل الأسطوري، بل إلى الشاب المصاب. بدأ يفحص الجرح بيدين خبيرتين، أصابعه النحيلة تلمس حواف الجرح الغائر برقة.
"الخنجر كان مسموماً، والنزيف كان غزيراً. لقد عملتم جيداً بإبطائه." قال دون أن يرفع عينيه عن الجرح. "لكن الجرح يحتاج إلى الكَيّ. النار ستطهره، لكن الألم سيكون شديداً."
نظر داريو وإسفين إلى بعضهما، ثم إلى كاليب الذي أومأ برأسه.
"افعل ما يجب فعله." قال داريو بصوت أجش.
طلب فالاندر أدوات بسيطة: قطعة من معدن نظيف، نار، ومواد من الرفوف التي أشار إليها لكاليب. كان يعمل بهدوء وتركيز، وكأنه في ورشته يصنع إناءً فخارياً وليس يعالج جرحاً.
"سأحتاج منكم أن تمسكوه جيداً." قال وهو يسخن المعدن في النار حتى احمر طرفه. "حتى لو كان فاقداً للوعي، فإنه سيتحرك."
أمسك داريو بكتفي ألفارد، وإسفين بساقيه، بينما وقف كاليب في الخلف، يعض على يده من التوتر.
لم يتردد فالاندر. وضع المعدن المحمي على الجرح. صوت احتراق الجلد كان مخيفاً، ورائحة اللحم المحروق ملأت المغارة. جسد ألفارد تقوس رغم غيبوبته، وأصدر أنيناً خافتاً من أعماق حلقه.
بعد لحظات، رفع فالاندر المعدن. الجرح كان الآن مغلقاً. بدأ يضمد الجرح بإستخدام ضمادات مبللة بمحلول عشبي من إحدى القوارير.
"السم توقف، والنزيف أيضاً." قال وهو يربط الضمادة بإحكام. "لكن الحمى ستهاجمه. الكَيّ يسبب ذلك دائماً."
رفع عينيه نحو داريو وإسفين لأول مرة. "سأحتاج إلى البقاء هنا. الحمى ستكون قوية، وقد يهذي بكلماتٍ من أعماقه. لكن لا تقلقوا... ما قد يقوله سيكون سراً."
فهم الرجلان ما يعنيه. نظرة شكر مختلطة بالقلق عبرت بينهم.
"يمكنك البقاء." قال إسفين أخيراً. "ونشكرك على فعلك هذا."
أومأ فالاندر، ثم جلس على الأرض بجانب السرير، يده تضع منشفة مبللة على جبين ألفارد الذي بدأ يتحرك باضطراب. وبينما كان يحاول تهدئة المريض، كانت عيناه تدرس ملامح وجه صقر العدالة لأول مرة. شيء ما في هذه الملامح... يدعو للفخر والدهشة في آنٍ واحد.
وفي الخارج، كانت الصقور العملاقة تحرس المغارة، والصقر الصغير آرس قد هبط بجانب سيده، كأنه يشارك في الحراسة. كانت الليلة لا تزال طويلة، وكانت الحمى على وشك أن تبدأ رحلتها.
تفاحة العهد الجديد:
كانت شمس الصباح المبكرة تنسج خيوطاً ذهبية فوق أسواق عاصمة مملكة إيفرونيا، لكن الضوء لم يكن كافياً لإخفاء البؤس الذي ينضح من زوايا السوق. في موكب صغير، يحيط به ستة جنود بدروع لامعة، ركب الأمير ليوس على حصانه الأبيض. كان يشعر بأن دروع الجنود لم تكن لحمايته، بل كانت قفصاً متحركاً، وأن عيونهم لم تكن تراقب الأخطار، بل كانت تراقبه هو.
"دعونا نستريح هنا للحظة." قال ليوس بصوته الهادئ.
نزل من على حصانه بخطوات متثاقلة، مشياً نحو كشك بائع الفواكه. البائع، رجل عجوز بعينين متعبتين، انحنى فوراً كأنه يلتقي بقوة غير مرئية تضغط على كتفيه.
"سمو الأمير... كيف أخدمك؟" قالها بصوت مرتجف.
"أريد تفاحة فقط أيها الرجل الطيب." ابتسم ليوس، محاولاً أن يذيب جليد الخوف بينهما.
اختار البائع بعناية فائقة أجمل تفاحة أمامه، تلك الحمراء اللامعة التي تشبه قلوب الحب في الأساطير. ناولها للأمير بيدين ترتعشان.
أخذ ليوس التفاحة، ثم وضع في يد العجوز قطعاً ذهبية تكفي لشراء كشكه كله.
"لا... لا أستطيع..." تراجع البائع مذعوراً.
"بل تستطيع." قال ليوس بحزم لطيف. "هذا ثمن التفاحة، أما ثمن كرامتك... فلا ثمن يضهاهيها، لا تنحني لأحدٍ مرة أخرى."
قبل أن يبتعد، لفت نظره مشهد في زاوية مظلمة. طفلان، صبي في السابعة وأخته الصغيرة التي لا تتجاوز الرابعة، يقفان متشبثين ببعضهما، عيونهم الجائعة تحدق في الفواكه كما لو كانت كنوزاً أسطورية.
توقفت قدم ليوس. التفت إلى البائع. "جهز ليّ حقيبة، واملأها بكل ما هو طيب من عندك."
لم يتردد البائع هذه المرة. ملأ حقيبة من الخيش بأجود ما لديه: عناقيد العنب الزاهية، التفاح الأحمر، الإجاص الذهبي، حتى بعض الحمضيات.
دفع ليوس ثمنها مضاعفاً، ثم حمل الحقيبة واتجه نحو الطفلين. عند رؤيته يقترب، تشبثت الطفلة الصغيرة بأخيها، وهي خائفة.
جثا ليوس على ركبتيه حتى أصبح على مستوى أعينهم. "هل تسمحان لي بمشاركتكما غذائي؟"
لم ينتظر إجابة. فتح الحقيبة وبدأ يوزع الفواكه بين أيديهم الصغيرة. ثم جلس على الأرض الترابية بجانبهما، وأخذ تفاحة لنفسه.
"ما اسمكما؟" سأل وهو يقضم قضمة من التفاحة.
"أنا كارل، وهذه أختي ميلا." قال الصبي بصوت خجول.
"ميلا... اسم جميل كالزهور." قال ليوس مبتسماً للطفلة التي بدأت تبتسم بدورها.
في دقائق، تحول الرعب إلى ضحك. شارك ليوس الأطفال لعبتهم البسيطة بقذف حبات العنب في الهواء والتقاطها بالفم. ضحكته، النادرة والصادقة، انطلقت في السوق كجرسْ رنان.
فجأة، اقترب قائد الحرس. "سمو الأمير، هذا غير لائق... أنت أمير، وهؤلاء عامة الشعب."
رفع ليوس رأسه ببطء، وعيناه العسليتان تحملان برودة لم يعرفها الحرس من قبل. "أتعلم ما هو اللائق حقاً؟" صوته كان هادئاً لكنه قطع الهواء كسيف. "اللائق أن يكون الحكام خداماً للشعب، لا سادته. اللائق أن ننحني نحن لهم، لا العكس."
توقف، ثم نظر إلى الناس الذين بدأوا يتجمعون، عيونهم تفيض بالدهشة والأمل. "انظر حولك. هؤلاء ليسوا عامة الشعب كما تطلقون عليهم. هؤلاء هم إيفرونيا. وإيفرونيا لا تحتاج إلى أمراء في أبراجٍ عالية، بل تحتاج إلى قلوب تسمع نبضها."
عاد إلى الأطفال، وأعطى ميلا آخر عنقود عنب. "وإذا كان عليّ أن أكون أميراً، فسأكون أمير هؤلاء. أمير لمن يبتسم عندما أشاركه تفاحته، لا أمير لمن ينحني خوفاً من تاجي."
وبينما كان الحارس يتراجع خجلاً، استمر ليوس في اللعب مع الأطفال. وفي تلك اللحظة، تحت شمس الصباح الدافئة، ولدت قصة أخرى في إيفرونيا: قصة الأمير الذي جلس على الأرض مع الفقراء، والتفاحة التي أصبحت رمزاً لعهدٍ جديد. والناس الذين شاهدوا المشهد، حملوه في قلوبهم كشمعة أمل في ظلامٍ طويل.
صحوة الصقر:
بدأ الوعي يعود إلى ألفارد كمدّ البحر البطيء. أول ما شعر به كان الألم الحارق في جنبه، ثم برودة منشفة تلامس جبينه. فتح عينيه العسليتين ذات الخطوط الزرقاء ببطء، ليجد نفسه مستلقياً في مغارته، لكن وجوهاً غير مألوفة تحيط به.
فالاندر كان جالساً بجانب السرير، يمسح عرق الحمى عن جبين ألفارد بيد خفيفة. "لا تتحرك. الجرح لا يزال حديثاً."
حدّق ألفارد في وجه الغريب، ثم نظر بسرعة حوله. رأى داريو وإسفين واقفين في الخلف، وكاليب منحني الرأس عند مدخل المغارة. ثم رأى صقره آرس يهبط على حافة السرير، ينقر بلطف على يده كما لو كان يقول: "أنا هنا."
"لا تخف." قال فالاندر بهدوء، عيناه الخضراوان تلتقيان بعيني ألفارد. "سرك بأمان معي. وما يقال في هذا الكهف سيبقى بين جدرانه."
حاول ألفارد الجلوس، لكن الألم جعله يتأوه. "يجب أن..."
"يجب أن ترتاح." قال داريو وهو يتقدم. "لقد كاد الجرح أن يقتلك."
التفت ألفارد نحو كاليب الذي ظل واقفاً بعيداً، عيناه تنظران إلى الأرض كطفل أخطأ خطأً كبيراً. "كاليب..."
دفعه داريو للأمام بلطف. "هو الذي أحضر هذا المنقذ إلى هنا."
تقدم كاليب بخطوات ثقيلة، صوته يرتجف عندما حاول الكلام. "ألفارد... أنا آسف... الكلمات التي قُلتها... لم أكن أعرف..."
"لا تقل شيئاً." قطع عليه ألفارد بصوت ضعيف لكنه دافئ. "لقد كنت محقاً في غضبك. لو كنت مكانك، لكنت غضبتُ أيضاً."
"لكنني تعاملت معك بعنف وأنت جريح..." همس كاليب والدموع تملأ عينيه.
رفع ألفارد يده المرتعشة، ووضعها على كتف صديقه. "لقد كنت السبب في إنقاذي. لقد أحضرت لي من أنقذ حياتي." ثم نظر إلى فالاندر. "أشكرك، أيها الشاب."
"أسمي فالاندر... وهذا كان شرفٌ ليّ." قال فالاندر بانحناءة خفيفة. "أن أعالج فارس إيفرونيا الأول، الذي يُدافع عن الذين لا يملكون دفاعاً."
سأل إسفين: "كيف تشعر الآن؟"
"كأن حصاناً رفس جنبي." حاول ألفارد الابتسام لكن الألم حول الابتسامة إلى تشنج. ثم تذكر فجأة. "إيديث... لابد أنها قلقة."
"سأذهب إليها الآن." قال إسفين فوراً. "سأطمئنها وأحضر لها ما تحتاجه."
"خذ لها المؤن من السوق. وخذ لها الجبن الذي تحبه، والزيتون." قال ألفارد بتفاصيل تدل على حبه لها.
بعد أن غادر إسفين، التفت ألفارد إلى داريو. "والأسرى؟"
"مقيدون عند المدخل. وكريكور استعاد وعيه."
حدّق ألفارد في سقف المغارة للحظة، عقله يعمل بسرعة رغم ضعفه. "كريكور سيتكلم. سأجعله يتكلم بطريقتي. أما البقية..." توقف، ثم استمر. "سنرسلهم هدية لفاليريان."
"هدية؟" سأل داريو مذهولاً.
"نعم. بعد أن نضمن أنهم لن يتكلموا." عينا ألفارد تلتمعان بذكاء تخطيطي. "فاليريان يحب اللعب. إذن فلنلعب معه."
نظر كاليب إلى صديقه الذي عرفه منذ الطفولة، ورأى الآن شخصاً آخر: قائداً، تكتيكياً، بطلاً. "ماذا ستفعل؟"
"سأصنع من هزيمتهم نصراً آخر." قال ألفارد وهو يحاول الجلوس مرة أخرى، وهذه المرة سمح له فالاندر بذلك. "ليس بقوة السيف هذه المرة، بل بقوة العقل."
في تلك اللحظة، تحت ضوء أشعة الشمس في المغارة، بدأت خطة جديدة تتشكل. وخطة أخرى، غير منظورة، كانت تبدأ أيضاً: فالاندر الذي كان يراقب ألفارد بتأمل عميق، شعر بأن هذا الشاب يحمل له شيئاً أكثر من مجرد فضول. شيء يشبه نداءً من قلبٍ إلى قلب.
الأمير الذي رفض التاج:
كانت قاعة الضيوف في قصر إيفرونيا تغمرها أشعة الشمس الدافئة التي تتسلل من النوافذ الزجاجية العالية، فترسم أشكالاً ماسية على الأرضية الرخامية البيضاء. في وسط القاعة، وقف الوفد الملكي ينتظر وصول الأمير إدموند: الملك ثيودور بملامحه المتعبة، الأمير ليوس بشحوبه الواضح، الملكة أورسولا بوقفتها الحازمة، وفاليريان بقناعه المهذب الذي لا ينكسر.
دخل إدموند بقوة هادئة. رجل في منتصف الثلاثينيات من عمره، بطول فارع وكتفين عريضين، شعره الأسود الكثيف يلمع تحت الشمس، وعيناه البنيتان الفاتحتان تتفحصان القاعة بسرعة كصقر يدرس أرض الصيد قبل النزول. مشيته كانت واثقة لكن غير متعالية، كجندي عائد من معركة طواها الزمن ولكنه لم ينساها.
"ابن عمي العزيز." قال ثيودور وهو يتقدم لتحيته. "أهلاً بك في بيتك."
"جلالة الملكة أورسولا." انحنى إدموند أمام الملكة، ثم التفت إلى ليوس. "ليوس. سمعت عن وعكتك الصحية. أتمنى لك الشفاء العاجل."
كانت التحيات أولية، مجاملة لكنها تحمل دفئاً حقيقياً من إدموند. جلس الجميع على الكراسي المذهبة، وبدأ الحديث عن مملكة الجنوب، عن المحاصيل، عن السلام مع الممالك المجاورة.
ثم، بعد أن انتهت المجاملات، رفعت أورسولا يدها. "لقد دعوتك، يا إدموند، لسببٍ أهم. نظراً لظروف ليوس الصحية... قررنا أن تُعلن ولياً للعهد بالنيابة حتى يتحسن."
ساد صوت ثقيل في القاعة. نظر ثيودور إلى ابنه ليوس، ورأى فيه نظرة ألم ليست جسدية فقط. لكن قبل أن يتكلم أيٍ منهما، قطع إدموند الحديث.
"أرفض."
الكلمة سقطت كحجر في بحيرة ساكنة. حتى أورسولا لم تتوقعها بهذه الصراحة.
"مع كامل إحترامي وتقديري لكم، لكنني أرفض أن أكون ولياً للعهد، حتى بالنيابة." واصل إدموند، صوته واضح وحازم. "ثيودور هو الملك الشرعي لهذه المملكة، وليوس هو ولي العهد الشرعي. مرضه لا يسلبه حقه، كما أن تقدم عمر الملك لا يسلبه شرعيته."
نظر إلى ليوس بعينين تحملان احتراماً حقيقياً. "إذا كان ابن عمي يحتاج إلى مساعدتي، فسأكون هنا. سأتابع بعض الأعمال، وسأشارك في بعض المهام... لكن كمساعد، لا كبديل."
لفظة "بعض الأعمال" جعلت عيني فاليريان تضيقان قليلاً. فهم أن إدموند سيضع يده على كل شيء: الشؤون العسكرية، المالية، حتى الأمن الداخلي.
"لكن الأمور تحتاج إلى من يقود..." حاولت أورسولا.
"والقائد موجود." قطع عليها إدموند بلطف لكن بحزم. "وأنا هنا لأدعمه، لا لأحل محله."
ثم التفت إلى فاليريان لأول مرة. "حضرة المستشار. سمعت عن مجهوداتك الجبارة في إدارة شؤون المملكة. سأكون ممتناً لو تشرح لي نظامك في تحصيل الضرائب... بالتفصيل."
كانت الضربة غير المباشرة الأولى: فاليريان يعرف أن نظام الضرائب هو أكثر ما يكرهه الشعب، وأكثر ما يملأ خزائنه.
"بالطبع، سمو الأمير." قال فاليريان بابتسامة لا تصل إلى عينيه. "سنضع كل السجلات تحت تصرفك."
"ليس السجلات فقط." قال إدموند وهو ينهض. "بل الواقع. سأزور القرى بنفسي، لأسمع من الناس، لا من الأوراق."
أمر ثيودور الخدم بإرشاد الأمير إلى جناحه. عندما غادر إدموند القاعة، بقي الآخرون في صمت مطبق.
تنهد ثيودور تنهيدة عميقة فيها راحة مختلطة بالقلق. "لقد رفض التاج... لم أتوقع ذلك."
"لكنه سيحكم من الظل." قالت أورسولا وهي تشيح بوجهها.
"بل سيحمي العرش من الظلال." رد ليوس بصوت خافت لكن واضح.
أما فاليريان، فبقي صامتاً، يبتسم تلك الابتسامة الباردة، كان بركان من الغضب يبدأ في الثوران بداخله. إدموند لم يأتِ ليحكم، بل جاء ليمنعه هو من الحكم. وكان هذا أخطر أنواع الأعداء.
كذبة الطمأنينة وهدية الصقر:
كانت الشمس تصبغ كوخ ألفارد بضوءٍ خجول يتسلل من النافذة الصغيرة، حيث جلست إيديث على كرسيها الخشبي، يداها متشابكتان على حجرها، وكأنها تحاول أن تمسك بثبات ما لا يمكن رؤيته. الرائحة الدافئة لشوربة الخضار الطازجة تملأ المكان، حيث وقف إسفين عند الموقد الخافت، يقلب الطعام بمعلقة خشبية بتركيز غريب في رجل عادة لا يطبخ.
"لقد أحضرت كل ما طلبه ألفارد." قال إسفين بصوته الهادئ. "الجبن الأبيض، والزيتون الأسود، والدقيق الناعم لأيام البرد القادمة."
"أين هو؟" سألت إيديث مباشرة، صوتها يحمل رنة قلق لا تخفى. "لم يغب عني بهذا الصمت من قبل."
توقف إسفين للحظة، معلقته تتجمد في الهواء. "ذهب في مهمة... مع داريو. إلى القرى الحدودية. يحتاجون إليه هناك."
"مهمة." كررت الكلمة كما لو كانت تختبر ثقلها على لسانها. "وهل المهمة خطيرة؟ وماذا فعل في معركة الأمس؟"
"لا أكثر من المعتاد." كان صوت إسفين طبيعياً أكثر من اللازم. "مجرد مطاردة بعض المشاغبين، وطمأنة الناس أن العدالة لم تنسهم."
قامت إيديث ببطء، يداها تلمسان الهواء حتى وجدت الطاولة. "عندما يكون الرجل صادقاً، يكون صوته كالنهر، يجري بسلاسة. وعندما يكذب... يصبح صوته كالحجارة في ذلك النهر، متقطعاً، وثقيلاً."
اقترب إسفين منها، حاول أن يجعل صوته ناعماً. "إنه بخير. أقسم لكِ."
"لا تحتاج أن تقسم." همست إيديث، يداها ترتعدان قليلاً. "قلب الأم... يعرف. حتى في الظلام، حتى عبر المسافات. هناك شيء... شيء ليس على ما يرام."
"هو فقط متعب." أصر إسفين، لكنه شعر بأن الكلمات تخرج من فمه كأحجار باردة. "سيعود بعد أيامٍ قليلة."
جلست إيديث مرة أخرى، وجهها يتجه نحو النافذة حيث تشعر بدفء الشمس. "أتعلم، عندما فقدت ابني رايدن... لم أشعر بألم الجسد أولاً. بل شعرت بأن شيئاً في قلبي انقطع. كوترٍ مضروب انقطع فجأة. والآن... أشعر بذلك الوتر يرتجف مرة أخرى."
لم يجد إسفين كلمات. رأى الدموع تتراكم في عينيها العمياوتين لكنها لا تسقط، كأنها تخزن الألم في مكان أعمق من الدموع.
"قل له..." توقفت إيديث، ثم استمرت بصوت أكثر حزناً. "قل له أن هذه العجوز العمياء تنتظره... وتدعي من أجل أن يعود كل صقرٍ إلى عشه سالماً."
أكمل إسفين تحضير الطعام بصمت، لكن قلبه كان ثقيلاً. لقد كذب لإنقاذها من القلق، لكنه شعر وكأنه خان ثقتها. وفي الزاوية المظلمة من الكوخ، بدا وكأن الظلال نفسها تعرف الحقيقة التي يحاول إخفاءها: أن البطل الذي تناديه بألف حنان، كاد أن يفارق الحياة في مغارة بعيدة ليلة امس، وأن خيوط القدر بدأت تتشابك بطرق لا يستطيع أحد فهمها.
على جانب آخر...
كانت بوابات القصر الخارجية تتألق تحت شمس الظهيرة الحادة، حيث وقف الحرس بدروعهم اللامعة كتماثيل من حديد. دخل حارس شاب، وجهه شاحب، إلى غرفة فاليريان حيث كان يدرس وثائق مالية.
"سيدي... هناك شيء عند البوابة... يجب أن تراه."
صوت الحارس كان مرتجفاً، مما جعل فاليريان يرفع عينيه ببطء. "ما هو؟ تكلم."
"رجال... مقيدون... وهناك علامات على وجوههم."
نهض فاليريان، حركته كانت دليل على اهتمامه. سار نحو البوابة بخطوات هادئة، لكن قلبه كان يدق بإيقاع سريع. وعندما وصل، توقف.
عشرون رجلاً كانوا ممددين على الأرض كحزم القش، أيديهم وأرجلهم مقيدة بحبالٍ متينة. لكن ما جعل المشهد غريباً هو وجوههم: على كل خدٍ منهم، ثلاث جروح متوازية غائرة، كأن مخالب حيوان ضخم قد تركت علامتها. الأكثر إزعاجاً أنهم كانوا صامتين تماماً، عيونهم مفتوحة على اتساعها لكن لا صوت يخرج من أفواههم، كأن ألسنتهم قد شُلت.
على صدر الرجل الأول، كانت هناك ورقة رق مُثبتة. نزعها فاليريان بيد باردة. الخط كان واضحاً وحازماً:
"إلى الثعبان الذي يزحف تحت العرش،
ها هم رجالك يعودون إليك. لقد أخبروني بكل شيء، لكنني تركتهم أحياء ليكونوا رسالتي لك.
كل مخلبٍ يترك أثراً، وكل ظلمٍ يلد مقاومة.
أنت تحاول اصطياد الصقر، لكنك تنسى أن الصقور تطير أعلى من الفخاخ.
اللعبة تغيرت. والآن أنا أعرف قواعد لعبتك.
صقر العدالة."
يد فاليريان ارتجفت قليلاً، الورقة تلامس أصابعه كقطعة جليد. نظر إلى الرجال الصامتين، ثم إلى العلامات على وجوههم. هذه لم تكن مجرد ضربة، بل كانت بياناً. لإهانةٍ أكيدة، و تحدٍ صارخ.
"احملوهم إلى الزنازين." قال بصوته الخبيث. "ولا أحد يقترب منهم."
لكن وهو يدير ظهره ليعود إلى القصر، لم يلحظ العينين التي كانت تراقبه من شرفة في الطابق الثاني. كان تيرون، خادم الأمير إدموند الشخصي، واقفاً خلف ستارة خفيفة، يراقب المشهد بعينين حادتين. رأى فاليريان يقرأ الرسالة، رأى ارتعاشة يده الخفيفة، رأى الكراهية الصامتة في عينيه.
ابتسم تيرون ابتسامة خفيفة. كان يعرف أن سيده، الأمير إدموند، سيكون مهتماً جداً بهذا المشهد. ربما أكثر من اهتمامه بتقارير الضرائب. وبينما كان فاليريان يختفي داخل القصر، كان تيرون ينسحب بهدوء، حاملاً معه معلومة قد تكون سلاحاً في المعركة الخفية التي بدأت تتشكل داخل جدران القصر. معركة بين ثعبان اختبأ طويلاً، وصقر حلّق عالياً، وأمير جديد قد يغير قواعد اللعبة كلها.