صقر العدالة - الفصل السابع: الأسرار والأسوار - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: صقر العدالة
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل السابع: الأسرار والأسوار

الفصل السابع: الأسرار والأسوار

الانهيار تحت المطر: "لماذا لم تخبرني؟" كانت كلمات كاليب الأخيرة تتدلى في الهواء قبل هطول قطرات المطر الأولى، ثقيلة كالحجارة. ألفارد كان يجثو على ركبتيه، يده ما زالت تضغط على الجرح الغائر في جنبه، والدم يمتزج بماء المطر على أرض الغابة الرطبة. جثا كاليب أمامه حتى أصبحت وجوههما على مستوى واحد. "بعد كل ما قلته لك! بعد أن أخبرتك بشعوري بأنني أعيش في ظلك! بعد أن صارحتك بأعمق مخاوفي و الآمي!" "كنت أحميك." همس ألفارد بصوت متقطع، كل كلمة كانت تكلفه جهداً كبيراً. "كل من سيعرف حقيقتي... سيصبح هدفاً لهم." "أنا لا أريد حمايتك! بل أردت صداقتك وثقتك الحقيقية!" صرخ كاليب، يديه تقبض على تلابيب ألفارد. "في ذلك اليوم، شعرت أنك أخيراً تراني وتهتم بما يغضبني وكأنني شقيقك! وها أنت تثبت أن كل ذلك كان وهماً!" "لم يكن..." حاول ألفارد الكلام لكن الألم جعل كلماته تختنق. "كيف لم يكن؟!" هزّه كاليب بعنف، غافلاً تماماً عن الجرح النازف. "كل تلك الأوقات التي اختفيت فيها! كل تلك الجروح الغريبة التي ظهرت عليك! كل تلك الأسرار التي تخفيها عني! كنت تنظر إليّ وأنا أتحدث بإنبهار عن صقر العدالة وعن أمنيتي لرؤيته، وأنت تجلس أمامي وتسخر مني!" فجأة، انفجر ألفارد وهو يدفع يد كاليب بعيداً. "وهل تظن أن الأمر لعبة؟!" صرخ وعيناه العسليتان تتقدان. "ألا تسأل نفسك ولو لمرة واحدة عما أعانيه؟ كل ليلة كنت أخرج وأنا لا أعرف إذا كنت سأعود مرة أخرى أم لا! كل معركة قد تكون الأخيرة وأعود جثة هامدة! وأنت تتحدث وتلومني عن مجرد إخفائي لشخصية مشهورة تحبها؟!" توقف ليتنفس،كانت أنفاسه بدأت تثقل. "أتعلم؟ في ذلك اليوم... عندما أخبرتني أنك تشعر بأنك تعيش في ظلي، سألت نفسي... كيف كنت سأقول لك أنني أخفي ظلاً أكبر؟ كيف كنت سأجرحك أكثر بإخبارك أن البطل الذي تحبه وتفتخر به هو ذاته نفس الشخص الذي تشعر بالغيرة منه؟!" كاليب هزّه مرة أخرى، غضبه جعله أعمى. "كنت تضحك عليّ! كنت تشفق عليّ وتخدعني ألفارد!" "أتعرف ما معنى أن تحمل سراً يثقل كاهلك كل يوم؟" صرخ ألفارد، و دمه ينزف أكثر. "أن تعرف أن كل من يحبك قد يموت بسببك؟ كنت أخاف... أخاف إن أخبرتك... تشعر حينها بأن الظل الذي تقول بأنك تعيش فيه، أصبح أعمق من مجرد مقارنات والدك التي تؤلمك... و أن إعجابك بصقر العدالة سيجعلك تكره ألفارد الحقيقي أكثر إن كُشفت لك الحقيقة!" لكن غضبه الجارف استنفد ما تبقى من قوته. بدأ وجهه يشحب أكثر، وعيناه بدأتا تفقدان تركيزهما. "أردت... أن أنتظر... حتى أن تصبح ثقتك في نفسك أقوى... حتى لا تكرهني... حتى لا تكون صداقتنا مبنية على..." لم يكمل الجملة. عيناه تدوران في محاجرهما ثم تُغلَقان ببطء. جسده انهار إلى الأمام، ليسقط هذه المرة بين أحضان كاليب. "لا! ألفــارد!" صرخ كاليب بفزع، فجأة موجة الغضب تحولت إلى ذعر حقيقي عندما شعر بثقل جسد صديقه في أحضانه، ودفء الدم على يديه. من بين الأشجار، اندفع داريو وإسفين اللذان كانا يراقبان المشهد من بعيد، كانا مترددين في التدخل في اللحظة الشخصية بين الصديقين. "أيها الأحمق! ابتعد!" صرخ داريو وهو يركض نحوهم ويدفع كاليب بلطف جانباً لينحني على ألفارد. "ألم ترَ أنه ينزف بغزارة؟ ألم ترَ شحوب وجهه؟" إسفين كان أسرع في التصرف. نزع جزءاً من قميصه وبدأ يضغط بقوة على الجرح الغائر. "الخنجر يبدو أنه كان صدئاً، والجرح عميق. قد يكون ملوثاً." كاليب كان جالساً في الوحل، يحدق في صديقه الفاقد للوعي الذي استقر الآن على صدره، يده التي كانت تهز ألفارد قبل لحظات ترتعش الآن كما لو كانت تحترق. "لم أكن أعلم... لم أكن أعلم أنه بهذه الحالة السيئة... لم أرد..." داريو رفع ألفارد بلطف من بين أحضان كاليب، ولكن قبل أن يبتعد به، نظر إلى كاليب بعينين حادتين. "إن كنت حقاً صديقه، فأتخذ قرارك الآن. إما أن تبقى هنا في وحلك تذرف دموع الندم، أو تأتي معنا وتساعد في إنقاذه." كاليب نظر إلى وجه ألفارد الشاحب، ثم إلى داريو وإسفين. "سأذهب معكم." "إسفين، إستدعي الصقور! علينا إخلاء المكان!" أمر داريو. أشار إسفين إلى الصقور العملاقة التي كانت تحرس المكان من الأعلى وهبطوا عند أشارته. أحدهم انحنى، ووضع داريو ألفارد برفق على ظهره، بينما ساعد إسفين كاليب في الصعود على ظهر الآخر. "وماذا عنهم؟" سأل إسفين وهو يشير إلى المرتزقة المقيدين. "الصقر الثالث سيأخذهم معنا إلى الجبل." أجاب داريو وهو يربط ألفارد بحزامه الخاص على ظهر الصقر حتى لا يسقط. "سنستجوبهم لاحقاً. أما الآن، فلنذهب إلى المغارة، يجب أن نعالج ألفارد" في تلك اللحظة، بدأ كريكور يستعيد وعيه، تأوهات خفيفة تخرج من فمه. "أين أنا... ماذا حدث..." داريو مشى نحوه بخطوات ثقيلة، وهو يضم قبضته القوية. "سيكون لديك الكثير لتقوله، ولكن ليس الآن. في هذه اللحظة نحتاج إلى صمتك فقط." ضربة واحدة دقيقة على مؤخرة رأس كريكور، وعاد المجرم إلى غيبوبته. صعد داريو على ظهر الصقر العملاق الذي يحمل ألفارد، وانطلقوا نحو السماء الماطرة، يتبعهم إسفين وكاليب على الصقر الثاني، بينما حمل الصقر الثالث المرتزقة المقيدين بمخالبه الحادة. في الجو، كان كاليب يتمسك بقوة بريش الصقر، عيناه لا تفارقان وجه ألفارد الشاحب على ظهر الصقر الآخر. كان يعرف الآن الحقيقة، لكن السؤال الأكبر كان: هل يستطيع تحمل ثقل هذه المعرفة؟ وهل ستنجو صداقتهم من هذا الكشف العنيف؟ اجتماع في زاوية مظللة: كان مقهى "المرسى القديم" على ضفاف البحر مكاناً للصيادين الفقراء والتجار المتواضعين. روائح المشروبات الرخيصة والأسماك المملحة تملأ الهواء الرطب. في زاوية بعيدة عن النوافذ، خلف ستارة سميكة من القماش الخشن، جلس رجلان على طاولة خشبية مهترئة. الأول كان يرتدي ملابس تاجر متواضع، قبعة واسعة الحواف تخفي معظم وجهه. لكن لمن ينظر عن قرب، يرى العينين العسليتين والحاجبين الكثيفين للملك ثيودور. الثاني، براين، قائد حرسه السابق، كان بمظهر بحار عجوز، يده اليمنى مبتورة الأصابع الثلاثة، إصابة قديمة من معركة دافع فيها عن الملك. "هل سمعت الأخبار..." همس ثيودور، كلماته مختلطة بضجيج المقهى. "قرية أوكسفورد... و الفخ الذي نصبه فاليريان؟" براين أومأ وهو يلتقط كأساً خشبياً بيده السليمة. "نعم، جلالتك... لكنه فشل. صقر العدالة لم يُقتَل. بل هو الذي أسر المجرمين." أغمض ثيودور عينيه للحظة، وابتسمة خفيفة ظهرت على شفتيه. "إذاً فاليريان فشل مرة أخرى. وهذا الفارس... يثبت أنه أكثر من مجرد متمرد." "يبدو ذلك، جلالتك." قال براين منحنياً للأمام. "بالإضافة إلى أن الشائعات تقول أنه لم يكن وحده. كان معه رجلان آخران، و... شيء آخر." "شيء آخر؟" "شهادات متناقضة. بعض الناس يتحدثون عن طيور عملاقة، تشبه الصقور لكن بحجم التنانين." هز براين رأسه. "الخوف يشوه الذاكرة... ويجعل الكلمات غير مفهومة." قال ثيودور بدهشة. "صقور بحجم التنانين؟! ما هذه التخاريف، براين؟" رد براين بقلة حيلة. "هذا ما يتداوله الناس." تناول ثيودور رشفة من مشروبه، ثم أضاف. "لايهم... ما يهم الآن هو أن هذا الرجل... ليس عدواً ليّ. هو عدو لفاليريان. وعدو عدوي..." "يمكن أن يكون حليفاً." أكمل براين الجملة بنظرة حادة. "بالضبط." أومأ ثيودور. "لكن الحلفاء الحقيقيين يعرفون بعضهم. لا أستطيع التحالف مع شبح مجهول." وضع كأسه على الطاولة بحزم، ثم أضاف. "أريد معرفة هويته. من هو؟ من أين جاء؟ لماذا يخاطر بحياته بهذا الشكل؟" براين تنهد قائلاً. "المهمة صعبة، مولاي. فاليريان نفسه يحاول معرفة ذلك منذ زمن. وذلك الصقر حريص جداً." "ولهذا السبب أنت تحتاج إلى أن تكون أذكى من فاليريان." قال ثيودور وهو يخرج حقيبة صغيرة من تحت عباءته. "هذا الذهب... استخدمه لشراء المعلومات، لدفع الناس للتكلم، لتوفير ما يحتاجون." أخذ براين الحقيبة بيده السليمة، شعر بثقلها. "سأبدأ من حيث فشل فاليريان. من القرية. من الشهود. من أولئك الذين ساعدهم الصقر." "وهناك شيء آخر." أضاف ثيودور بنظرة عميقة. "في كل تقرير عن ظهوره... يذكر أنه يساعد الضعفاء، والمظلومين، أولئك الذين فقدوا كل شيء. هذا ليس تصرف ثائر عادي. هذا تصرف رجل... يعرف الألم." "أتعتقد أنه فقد شيئاً؟" "كلنا فقدنا أشياء، براين." قال ثيودور بصوت منخفض مليء بالحزن. "لكن بعض الخسائر تدفعنا لأن نكون أفضل، وبعضها يجعلنا أسوأ. هو اختار أن يكون أفضل." وقف براين، وانحنى انحناءة خفيفة. "سأجد لك صقرك، سيدي. وسأجعلك تتواصل معه." "بحذر." حذره ثيودور. "إذا اكتشف فاليريان ما تفعله..." "لن يكتشف." قطع عليه براين. "لقد خدمتك منذ كنت أميراً صغيراً. وخسرت هذه الأصابع دفاعاً عن شرفك. وسأخسر ما تبقى من حياتي قبل أن أخذلك." بعد أن غادر براين، بقي ثيودور جالساً في الزاوية المظلمة، يشرب باقي مشروبه البارد، وقد شعر بشيء يشبه الأمل. أمل هش، خطير، لكنه أمل. كان يعلم أن تحالفه مع شخصٍ مجهول قد يكون خطوته الأخيرة، سواء نحو الخلاص أو الهلاك. لكن أي خيار كان أفضل من العيش كدمية في قصرٍ من ذهب؟ حنين أعمى في كوخ العاصفة: كانت إيديث تجلس على كرسيها الخشبي بجانب المدفأة، يداها متشابكتان على حجرها كعصفورين مرتجفين. المطر يقرع على سقف الكوخ بإيقاعٍ ثقيل ومتواصل، كأنما السماء تطرق باباً وتطلب الدخول. كل رعدة كانت تجعل قلبها يقفز في صدرها، لا من الخوف، بل من الانتظار. "أين أنت يا بني؟" همست للظلام، وعيناها العُمياوان تحدقان في الفراغ حيث تتخيل وجهه. كان ذلك الشعور الغريب الذي استقر في قلبها منذ أن عرفته يقلقها. كيف لامرأةٍ عجوز عمياء أن تتعلق بهذه السرعة بشاب غريب؟ هل لأنها عاشت وحيدة طوال هذه السنوات، فجاء ليملأ فراغها؟ أم لأن...؟ "لا." هزت رأسها بقوة. "لا يمكن." لكن الذاكرة، تلك الخائنة، بدأت تتدفق كالمطر خارج كوخها. عادت إلى تلك الليلة، اللعينة. استطاعت أن تشعر من جديد بثقل ابنها الرضيع على ذراعها، دفئه الصغير الملتصق بصدرها، رائحة رأسه الناعم. كانت تتشبث بحافة المنحدر الصخري، أصابعها تنزلق على الصخور المبتلة، دماؤها تختلط بماء البحر. "تمسكي به يا إيديث!" كان صوتها الداخلي. "لا تتركيه!" ثم الضربة. ليست مجرد ضربة، بل اهتزاز كوني في جمجمتها. صوت مقبض سيف يصطدم برأسها. الألم كان سريعاً وحاداً كالصاعقة، ثم... الفراغ. "رايدن..." خرجت الكلمة من فمها الآن كما خرجت في تلك الليلة، عندما شعرت بذراعها ترتخي ضد إرادتها. الشعور الرهيب بذلك الجسد الصغير ينزلق من على ذراعها، يسقط في الظلام تحتها. ثم هي نفسها تسقط، وتدور في فراغ بلا نهاية. "آهٍ يابني!" انحنت إيديث للأمام، تمسكت بصدرها كما لو أن القلب سينفجر. دموع حارة سالت على وجنتيها المجعدتين. "اغفر لي يا عزيزي... اغفر لي... تركتك تسقط مني..." رعد قوي هز الكوخ، فاستيقظت من ذاكرتها المؤلمة. عادت إلى الحاضر، إلى الظلام الذي لا ينتهي، إلى المطر الذي لا يتوقف، وإلى الغياب الذي يقتلها. "لكن ألفارد... لماذا أشعر أنك...؟" لم تكمل السؤال. كان سؤالاً خطيراً، سؤالاً قد يكسرها إذا كانت الإجابة خاطئة. قامت تتلمس طريقها في الكوخ الصغير. يداها تعرف كل شيء: الطاولة التي صنعها بنفسه، الكرسي الذي أصلحه، الإبريق الذي أحضره لها من السوق. كل شيء هنا يحمل بصمته، ليس بصمات الأصابع، بل بصمات اللطف. جلست على حافة السرير، سريره، ومدت يدها لتلمس الوسادة. تذكرت ذلك اليوم الذي نام فيه ورأسه في حجرها، تنفسه المنتظم، وشعره الناعم تحت أصابعها. في تلك اللحظة، شعرت بأمومة كانت تعتقد أنها ماتت منذ أكثر من عشرين عاماً. "إذا كنت أنت... يا إلهي إذا كان هو..." رفعت وجهها نحو السقف، تتوسل إلى القدر. "فلا تأخذه مني مرة أخرى. لقد دفعت الثمن. لقد دفعته بعينيّ، بسنوات عمري، بكل شيء... حتى وإن لم يكن هو... فلا أريد أن أشعر بألم الفقد مرة أخرى." المطر بدأ يخف، لكن الصمت الذي حل كان أثقل. إيديث بقيت جالسة على السرير، تنتظر. تنتظر صوت الباب يفتح، تنتظر خطواته الواثقة، تنتظر كلمته المطمئنة: "أنا هنا، أمي." ولكن الباب ظل مغلقاً، والليل ازداد ظلمة، وقلب الأم العجوز العمياء بدأ يفقد الأمل قطرةً قطرة، مع كل دقة من دقات الساعة الوهمية في رأسها. المغارة و الإستغاثة: هبطت الصقور العملاقة الثلاثة عند فم المغارة في جبل الصدى الصامت، كطيور أسطورية تعود إلى وكرها. صقر ألفارد الصغير، آرس، كان قد سحب حصانه الأسود بمهارة وأدخله في كهف بالجبل قبل أن يحلق ليسطّح مع حراسه العمالقة على قمة الجبل. كان المشهد مهيباً ومرعباً في آنٍ واحد: مخلوقات ضخمة تلامس الأرض برفقٍ لا يتناسب مع حجمها. نزل داريو أولاً، حاملاً جسد ألفارد الفاقد للوعي على كتفيه كما لو كان يحمل شيئاً نفيساً. تبعه إسفين، ثم كاليب الذي نزل بعينين واسعتين ما زالتا تلمعان بالصدمة. الصقور حملت المرتزقة المقيدين، بما فيهم كريكور الذي كان لا يزال غائباً عن الوعي، ووضعتهم كأحمالٍ ثقيلة عند صخرة ضخمة عند مدخل المغارة. ربطهم إسفين وكاليب بسرعة، مؤقتاً، قبل أن يدخلوا جميعاً إلى قلب المغارة. كانت المغارة مفاجأة لكاليب. لم تكن مجرد كهف، بل كانت ملاذاً منظماً: سرير مغطى بجلود نظيفة، رفوف خشبية مليئة بقوارير زجاجية تحتوي على مساحيق وأعشاب مجففة، كتب قديمة مكدسة في الزاوية، حتى موقد صغير من الحجارة. كل شيء كان يحمل بصمات ألفارد: النظام، العناية، المعرفة. وضع داريو ألفارد بلطف على السرير، ثم بدأوا بخلع عباءته السوداء وسترته الجلدية. الجرح في جنبه كان أسوأ مما توقعوا: غائراً، محمراً ومتورماً، مع خطوط سوداء صغيرة تشع من حوافه. "الخنجر كان مسمومًا." همس إسفين وهو يفحص الجرح بعينيه الحادتين. "النزيف بطيء لكن السم... السم ينتشر." حاول داريو الضغط على الجرح بقطعة قماش نظيفة، لكن الدم كان يرشح بين أصابعه. "نحتاج إلى معرفة أيٍ من هذه الأعشاب يجب أن تستخدم. لكن ألفارد هو الوحيد الذي يعرف." كاليب نظر إلى الرفوف المليئة بالقوارير الغامضة. "لا أحدٍ منكم يعرف شيئاً عن هذه، أليس كذلك؟" "أجل... لأننا كنا نعتمد عليه دائمًا." قال إسفين بقلة حيلة. "هو الذي درّب نفسه على إستخدامها، هو الذي قرأ الكتب، و تعلم كل شيء." "لا يمكننا تركه يموت!" صرخ كاليب، و صوته يرتفع في المغارة. "يجب أن يكون هناك شخصاً يعالجه... أو نحضر حكيم القرية..." "لا يمكننا المخاطرة بكشف هويته!" رد داريو. "إذا أحضرنا الحكيم، فالسر سينكشف. وفاليريان سيعرف." ساد صمت ثقيل، لا يقطعه إلا أنين ألفارد الخافت في غيبوبته. كان يتعرق بغزارة، ووجهه يتقلص من الألم حتى وهو فاقد الوعي. ثم، فجأة، تذكر كاليب. "لديّ... صديق. ليس حكيماً، لكنه يعرف أشياء بعلم الأعشاب. إنه صانع فخار، اسمه فالاندر." نظر إليه داريو وإسفين بتشكك، ثم قال داريو. "صانع فخار؟ أتريد إحضار غريبٍ إلى هنا؟" "إنه ليس مجرد صانع فخار!" أصر كاليب. "إنه يدرس النباتات، يعرف خصائصها، يصنع مراهم من الأعشاب البرية. وهو رجل لا يتكلم في أمورٍ لا تعنيه، وأمين. لقد عرفته منذ سنوات وهو لا يتحدث عن أسرار الآخرين." "وكيف سنضمن أنه سيصون سرنا؟" سأل إسفين بحدة. "لأنه يشبه ألفارد!" انفجر كاليب. "يعرف كيف يحمل الأسرار. هو يعيش بمفرده منذ سنوات مع المرأة التي قامت بتربيته. و... وهو تألم بما يكفي. فلا أظن شخصاً كهذا يكون خائناً." تشاركت نظرات داريو وإسفين. كان الخيار رهيباً: إما المخاطرة بكشف السر، أو مشاهدة ألفارد يموت ببطء. "إذن أحضره..." قال داريو أخيراً. "اذهب وعد به. ولا تخبره إلا بالحد الأدنى." "سآخذ حصان ألفارد. إنه سريع." أومأ إسفين. "اذهب. وسنحاول إبطاء النزيف والسم بأي طريقة نعرفها." انطلق كاليب خارج المغارة، قلبه ينبض كطُبل الحرب. صعد على الحصان الأسود الذي بدا وكأنه يفهم خطورة الموقف، وانطلق نحو الوديان المظللة بالمطر. في المغارة، جلس داريو وإسفين بجانب ألفارد، يحاولان تنظيف الجرح بالماء الدافئ. وكانا يعرفان أنهم في سباق مع الزمن، وأن حياة صديقهما، وأمل المملكة، قد أصبحا الآن بين يدي صانع فخار غامض لم يقابلاه من قبل. التاج والعقرب: كان جناح الملكة أورسولا يبدو في ذلك المساء كضريح مضاء بشكل خافت. النيران في المدفأة كانت تلهث آخر أنفاسها، تاركة الضوء الفضي للقمر يتسلل عبر النوافذ العالية. كانت جالسة على كرسيها، ظهرها مستقيم كالسيف، وعيناها الرماديتان تحدقان في الباب كما لو كانت تنتظر فريسة. دق الباب ثلاث دقات متزنة، ثم دخل فاليريان. كانت خطواته الصامتة على السجادة الحمراء تشبه خطوات قطة كبيرة. انحنى انحناءة خفيفة، لكن عيناه لم تنخفضا. "جلالة الملكة. طلبتِ حضوري." "اجلس." قالتها بنبرة جافة. جلس فاليريان على الكرسي المقابل، يداه متشابكتان على حجره، وابتسامته المهذبة مرسومة على وجهه كما هي دائماً. "حالة حفيدي تزداد سوءاً." بدأت أورسولا، كلماتها تخرج بطيئة كسير الساعات القديمة. "قلبه الضعيف لن يتحمل عبء العرش. والملك..." توقفت، ثم استمرت. "الملك ليس شاباً والأعمار ليست مضمونة." "هذه حقائق مؤكدة." قال فاليريان بصوتٍ الناعم. "ولأنك أثارت هذه القضية من قبل..." رفعت عينيها نحوه. "قررت أن يكون ولي العهد التالي هو ابن عم الملك، الأمير إدموند." ثمة شيء ما انكسر في جو الغرفة. لم تكن مجرد كلمة، بل كانت زلزالاً صغيراً تحت قدمي فاليريان. إدموند... ذلك الأمير الشاب العنيد الذي رفض أفعال فاليريان، الذي تحدث علناً عن فساد المستشارين وبما فيهم فاليريان نفسه، الذي سيصبح الكابوس الحقيقي لفاليريان إذا جلس على هذا العرش. "إدموند..." كرر فاليريان الاسم كما لو كان يتذوق سماً. "خيار... حكيم." "أعلم أنك لا توافق." قالت أورسولا بصراحة غير معهودة. "ولكنني لم أعد أسأل، فاليريان. أنا أقرر، وأنت عليك الطاعة." فاليريان جعل وجهه قناعاً من الطاعة المطلقة. "بالطبع. إنه من العائلة المالكة، وسيكون جسراً بين إيفرونيا وحلفائنا في الجنوب." "بالضبط." أومأت أورسولا، لكن عينيها كانتا تدرسان وجهه كخريطة حرب. "سيصل غداً للقصر. وسيبدأ الإعداد ليكون ولي العهد." "كما تأمرين، جلالتك." نهض فاليريان من على كرسيه. "سأعد كل شيء لاستقباله." لكن تحت قناع الطاعة، كان عقله يعمل كآلة محكمة. إدموند كان أصغر من أن يكون حكيماً في وجهة نظره، وأقوى من أن يتم التحكم فيه. كان سيحطم كل ما بناه فاليريان على مر السنين. وكانت أورسولا... تلك العجوز الحمقاء، قد وضعته في مأزقٍ مع هذا الأمير الذي يُمثل له حبل مشنقةٍ حول رقبته. "يمكنك الانصراف." قالت الملكة وهي ترفع يدها بإشارة ملكية. "ليلة سعيدة." قال وهو يغادر. عندما أغلق الباب خلفه، وقف للحظة في الممر المظلم. ابتسامته المصطنعة اختفت، وحلت محلها نظرة باردة كالجليد في أعماق الشتاء. أصابعه داعبت مقبض خنجر صغير مخبأ في ثنايا عباءته. "تلك العجوز الحمقاء تحاول أن تلعب اللعبة الأخيرة." همس لنفسه. "لكن الألعاب الأخيرة للأبطال... لا للعرائس القدامى." ثم مشى مبتعداً، خطواته الصامتة تختفي في ظلمة القصر. كان يعرف الآن أنه أمام خيارين: إما أن يخسر كل شيء، أو أن يتخلص من كل العقبات في طريقه. والملكة أورسولا كانت قد ارتقت إلى رأس قائمة تلك العقبات خلف الأمير إدموند. أما في الغرفة، بقيت أورسولا جالسة في الظلام، يداها تضغطان على ذراعي الكرسي بإرتجاف. كانت تعرف أنها لعبت بورقتها الأخيرة، وأن فاليريان لن يمرر تلك الخطوة مرور الكرام. ولكنها أيضاً كانت تعرف أن الأمير إدموند، مع كل عناده، كان آخر أملٍ حقيقي لإنقاذ سلالتها من براثن ذلك الثعبان الذي أجلسته بنفسها على العرش.