على حافة النور
بعد كل الألم، اختارت مريم العزلة، لكنها لم تكن هروبًا، بل مساحة لتعيد ترتيب نفسها. كانت تمشي لساعات في الشوارع الهادئة، تنظر إلى وجوه الناس وتفكر: لماذا بعض القلوب صعبة، وبعضها لين؟ كانت تتأمل السماء، الأشجار، ضوء الشمس وهو ينكسر على الأرصفة، وكل التفاصيل الصغيرة التي كانت تهملها في الماضي.
في هذه العزلة، فهمت شيئًا عميقًا: القوة لا تعني كتمان الألم، بل مواجهته. وأن الصبر ليس مجرد انتظار، بل اختيار أن تنهض بعد كل سقوط. عادت إلى الكتابة، لم تعد تكتب للهروب، بل لتفهم نفسها ولتضع الكلمات في مكانها الصحيح، لتصنع من جراحها دروسًا، ومن صمتها حكمة.
وبينما كانت تجلس قرب نافذتها، شعرت لأول مرة بالسلام. لم يعد قلبها يصرخ، ولم تعد تنتظر أحدًا ليملأ فراغها. فهمت أن السعادة ليست أن يكون كل شيء مثاليًا، بل أن تجد قوتك وسط كل الصعوبات. أن تحب بدون خوف، أن تعطي بدون أن تهلك، وأن تعيش حتى لو كان العالم قاسيًا.
وفي تلك اللحظة، أدركت مريم أنها لم تعد الطفلة الضعيفة، ولم تعد الشابة التي تنهار. أصبحت امرأة ناضجة، تعرف قيمتها، تعرف حدودها، تعرف أن الحياة تستمر، وأنها قوية بما يكفي لتصنع طريقها بنفسها.
ابتسمت مريم لنفسها، أغلقت دفترها، ونظرت إلى الغروب. شعرت بأن كل الصبر الذي تحمله طوال حياتها لم يذهب هباءً، وأن كل جرح وكل دمعة كانت جزءًا من رحلتها نحو نفسها. ومن رحم الألم، وُلدت امرأة جديدة، قادرة على الحب، على الحلم، وعلى الحياة بسلام، مهما كانت الأيام القادمة صعبة.