على حافة الصبر - جراح المراهقة - بقلم درسوني - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: على حافة الصبر
المؤلف / الكاتب: درسوني
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: جراح المراهقة

جراح المراهقة

دخلت مريم سن المراهقة وهي تحمل بداخلها صمت الطفولة، لكنه أصبح أثقل هذه المرة. لم تعد الأمور بسيطة كما كانت قبل بضع سنوات؛ كل كلمة، كل نظرة، كل ضحكة من حولها، كانت تحمل معنى أعمق وأحيانًا مؤلم. شعرت فجأة أنها ليست مثل الآخرين، وأن العالم لا يُقدّر الهدوء أو الحساسية. كل شيء حولها كان صاخبًا، من زملائها في المدرسة إلى الأخبار في البيت، وحتى ضجيج الشارع. ولم يكن لديها إلا صمتها وشعورها الداخلي العميق الذي بدأ ينمو بلا هوادة. في المدرسة، بدأت التجارب الأولى للقسوة. كانت هناك صديقات يتحدثن بصوت عالٍ، يضحكن بلا حدود، وكأن العالم ملكهن وحده. حاولت مريم الانخراط أحيانًا، لكن سرعان ما شعرت بالاختلاف. لم تكن تملك الجرأة للضحك بشكل مبالغ فيه، ولا تملك القدرة على تكوين صداقات سطحية، فكانت غالبًا تجلس وحيدة، تتأمل تفاصيل الآخرين وتخزن كل لحظة. شعرت بالوحدة، لكنها لم تكن مجرد وحدة الجسد، بل وحدة الروح، الوحدة التي تجعل الإنسان يسمع نفسه ولا يسمع العالم في نفس الوقت. وفي هذا الوقت، ظهرت أول خيباتها. وثقت بصديقة ظنّت أنها ستكون سندها، لكنها اكتشفت الخيانة الأولى على شكل إشاعة صغيرة، لكن ثقيلة على قلبها. شعرت بالخيانة كأنها رصاصة صامتة اخترقت قلبها، ودفعتها للتفكير في معنى الصداقة والثقة. كانت المرة الأولى التي تتساءل فيها: هل كل الناس مثل هذا؟ هل كل الطيبة بلا قيمة؟ ومع ذلك، بدأت مريم تكتشف ملاذها الخاص: الكتابة. الكتابة كانت المكان الوحيد الذي يمكنها فيه أن تبوح بكل ما يكتمه قلبها، أن تفرغ الحزن والهم دون خوف من الحكم أو السخرية. كانت تمسك قلمها وتكتب لساعات، تصنع عالماً بداخل الدفاتر يختلف عن العالم الخارجي، عالم فيه الحب والأمان والعدل، عالم يمكنها فيه أن تكون نفسها بلا قيود. لكن المراهقة لم تكن كلها ألمًا. كانت هناك لحظات من الجمال: ضحكة صادقة، شعور بالانتماء للحظة قصيرة، أو رؤية شروق الشمس وهي تتسلل عبر النافذة، كأنها تقول لها: الكون لا يزال بخير. هذه اللحظات كانت كافية لتذكيرها بأن الحياة ليست كلها قسوة، وأن قلبها، رغم كل شيء، ما زال قادرًا على الشعور. وفي النهاية، حملت مريم درسًا مهمًا في هذه المرحلة: أن الألم جزء من النضج، وأن القوة لا تعني صمتًا دائمًا أو تجاهل المشاعر، بل تعلم كيف تواجه العالم رغم كل الصدمات، وكيف تجد لنفسها مساحة صغيرة للسلام وسط فوضى الحياة.