على حافة الصبر - االطفولة التي كبرت باكرًا - بقلم درسوني - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: على حافة الصبر
المؤلف / الكاتب: درسوني
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: االطفولة التي كبرت باكرًا

االطفولة التي كبرت باكرًا

وُلدت مريم في بيتٍ صغير، لكنه كان ممتلئًا بالأصوات الثقيلة: تنهدات طويلة، صمت مفاجئ، وكلمات تُقال بنصف صوت. لم تكن تفهم كل شيء، لكنها كانت تشعر بكل شيء. منذ صغرها، كانت تعرف متى تضحك ومتى تصمت، متى تختفي في زاوية الغرفة حتى لا تزيد الحمل على أحد. لم يكن أحد قد طلب منها ذلك، لكنها تعلّمته وحدها، لأن القلب الصغير أحيانًا يفهم قبل العقل. كبرت وهي ترى أمها تقيس الفرح بحذر، كأنه شيء قد ينكسر إن استُعمل كثيرًا. كانت الأم تحبها، نعم، لكن التعب كان يسبق الحب دائمًا. أما الأب، فكان رجلاً أنهكه السعي، يعود كل مساء بجسد حاضر وروح غائبة. مريم كانت ترى ذلك، وتحاول أن تكون خفيفة، كأنها تقول دون كلام: لا تقلقوا، أنا بخير. في المدرسة، كانت مريم مختلفة دون أن تعرف لماذا. لم تكن مشاغبة، ولا متفوقة بشكل لافت، لكنها كانت عميقة أكثر مما يناسب عمرها. كانت تراقب زميلاتها وهنّ يضحكن بلا خوف، يتشاجرن ثم يتصالحْن بسرعة، بينما هي كانت تحتفظ بكل شيء في داخلها. كانت تخاف أن تفرح كثيرًا، لأن الفرح عندها كان مؤقتًا دائمًا. كانت تحب الجلوس قرب النافذة، سواء في البيت أو في القسم. النافذة كانت عالمها السري، المكان الذي تشعر فيه أن هناك حياة أخرى ممكنة، حياة لا تحتاج فيها إلى أن تكون قوية طوال الوقت. كانت تتخيل نفسها امرأة مختلفة، حرة، مطمئنة، لا تحمل همّ أحد غير نفسها. لكن الواقع كان يعود دائمًا ليوقظها. نظرات الشفقة، الكلمات العابرة عن فقرهم، عن بساطة ملابسها، كانت تترك خدوشًا صغيرة في قلبها. لم تكن تبكي، لكنها كانت تحفظ كل شيء، كأنها تجمع حجارة ستثقلها لاحقًا. في تلك المرحلة، لم تكن مريم تعرف أن هذه الطفولة ستصنع منها امرأة مختلفة. لم تكن تعرف أن الصمت سيصبح لغتها، وأن القوة ستصبح قناعها. كانت فقط طفلة تحاول أن تمرّ بسلام في عالم أكبر من قدرتها، دون أن تدري أن هذا السلام سيكلّفها الكثير.