النداء
كان الغروب يسكب لونه الأحمر القاتم على سفوح الجبال، كأن السماء تنزف ببطء. وقفتُ عند حافة البحيرة، أراقب انعكاس الشمس وهي تغرق في الماء الأسود. الريح الباردة كانت تهزّ أشجار الصنوبر، تصدر أنينًا يشبه الهمس، همسًا يقول: ارجعي.
قلت في نفسي باللهجة الجزائرية: «وش جابني لهنا؟» لكنني كنت أعرف الجواب، حتى وإن تظاهرت بالجهل. هذا المكان يناديني منذ سنين، منذ تلك الليلة التي تغيّر فيها كل شيء.
عدتُ إلى القرية بعد غياب طويل. قرية “تازروت”، المنسية بين الجبال، حيث لا يصل الهاتف إلا صدفة، ولا يصل الأمان أبدًا. البيوت الحجرية ما زالت كما هي، والعيون التي تراقب من خلف النوافذ لم تتغير.
أول ما وطأت قدماي الطريق الترابي، شعرتُ بشيء يضغط على صدري. كأن الهواء نفسه ثقيل، مشبع بأسرار لا تريد أن تُقال.
— «راك رجعتي يا كوثر؟»
كان صوت عمّي مسعود، خشنًا ومتعبًا. — «إيه… رجعت.»
نظر إليّ طويلًا، ثم قال بنبرة منخفضة: — «المكان هذا ما يحبّش اللي يهرب ويرجع.»
ارتجفتُ. لم أعلّق. بعض الكلمات في تازروت أخطر من الصمت.