ضلال على جدار الوجود( فلسفية) - صمت الوجود - بقلم بتول الجوهري - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ضلال على جدار الوجود( فلسفية)
المؤلف / الكاتب: بتول الجوهري
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: صمت الوجود

صمت الوجود

: صمت الوجود هناك لحظات في الحياة، حيث يسود صمتٌ ثقيل، صمتٌ يبدو أعمق من أي صوت يمكن أن يصدره الإنسان أو الطبيعة. صمت يضغط على القلب، يشد العقل إلى حافة الوعي، ويجعلك تدرك فجأة كم أن العالم خاوٍ، كم أن الوجود بلا إجابات، وكم أن كل شيء من حولك مؤقت وزائل. في هذا الصمت، يصبح الواقع أقرب إلى المرآة: كل ما كنت تخفيه عن نفسك يظهر بلا رتوش، بلا خداع. الخوف، الوحدة، الأسئلة التي تتردد بلا جواب، كل شيء يظهر كما هو، بلا تبريرات. الإنسان هنا يتأمل الفراغ، يحاول ملأه بالأفكار، بالأحلام، بالأوهام، لكنه يدرك سريعًا أن أي ملء هو مجرد وهم، وأن الفراغ أعمق من أي محاولة فهم. الوقت في صمت الوجود يمر بطريقة مختلفة، كأنه يتجمد، كأن كل ثانية تتسع لتصبح ساعة، وساعة لتصبح يومًا، ويومًا ليصبح عمرًا. في هذا الانسداد الزمني، يواجه الإنسان حقيقة مروعة: أننا نسير بلا خريطة، بلا دليل، وأن كل محاولاتنا السيطرة على الحياة هي مجرد محاولات هشة تتلاشى أمام جبروت الواقع. والألم هنا ليس بالضرورة نتيجة حدث مأساوي، بل هو شعور وجودي، إحساس بأن الحياة تفلت منك كما يفلت الماء من بين الأصابع، وأن كل لحظة تمضي، كل شخص يرحل، وكل حلم ينكسر، يترك وراءه فراغًا لا يُملأ. هذا الصمت، رغم قسوته، يصبح معلمًا، يعلمنا الصبر، يعلمنا مراقبة أنفسنا بلا أمل في التغيير، يعلمنا أننا لسنا سوى توازي بين الظل والنور، بين الفراغ والوجود. لكن في هذا الصمت، هناك جمال غامض. هناك فرصة للنظر إلى الداخل، للغوص في أعماق النفس، لمواجهة كل ما نخفيه عن العالم والآخرين. هنا، في هدوء الفراغ، يبدأ الإنسان بفهم أبعاد وجوده: أن السعادة ليست ثابتة، أن الألم ليس عدوًا دائمًا، وأن كل شعور، كل تجربة، كل لحظة، هي جزء من النسيج العميق للوجود. إنها لحظات تكشف الحقيقة بلا رتوش، اللحظات التي تجعلك تدرك أن الكون لا يمنحك إجابات، بل يترك لك مساحة للتساؤل، للتأمل، للتعايش مع الغموض. وربما هذا هو جوهر الحياة: أن نعيش مع الأسئلة بلا إجابات، أن نسير وسط الظلال بلا خوف، أن نقبل بأن كل شيء زائل، وأننا، رغم كل شيء، موجودون، نفكر، نشعر، نتأمل، ونبحث عن معنى في صمت لا ينتهي. وفي نهاية المطاف، يدرك الإنسان أن صمت الوجود ليس عدوًا، بل مرشد، أن الألم ليس عقوبة، بل طريقة لفهم ما وراء الأحداث، وأن الحقيقة التي نبحث عنها ليست في الخارج، بل في أعماقنا، في القدرة على مواجهة الفراغ، على العيش مع الظلال، على التأمل في كل شيء، بلا انتظار لتفسير كامل، بلا أمل في نهاية واضحة، وبلا هروب من صدى أنفسنا العميق.