الفصل الثاني
: ظلال المدينة
حين انطفأت الأنوار في البناية، لم يجرؤ جون تايلر على تحريك قدمه.
كل صوتٍ بدا متضخّمًا، كل ظلٍ يتحرك ككائن حي.
كان يعرف الآن أن المدينة ليست مجرد مبانٍ وجدران…
المدينة تراقب، وتختار من يبقى، ومن يختفي.
سمع خطوات خلفه، بطيئة، ثقيلة، متزامنة مع دقات قلبه. التفت بسرعة، لكنه لم يجد أحدًا.
الهمس عاد، أقوى هذه المرة، كما لو أنه صدى من آلاف الأصوات:
— أنت هنا… ولست وحدك.
ارتجف.
فتح درج الطاولة، أمسك بمسدس قديم يملكه منذ أيام الجامعة، لكنه شعر بأن هذا السلاح بلا جدوى، أمام كيان حي… يبتلع البشر بصمت.
ثم، ظهر ضوء خافت من الشرفة المقابلة.
شخصية امرأة، طويلة القامة، شعرها أسود كالليل، عينان خضراوان تلمعان بغموض.
اقتربت، وكأنها تحوم في الهواء.
— جون تايلر، مرحبًا بك في قلب المدينة، قالت بصوت حاد لكنه غامض.
— من… من أنت؟، تمتم جون متلعثمًا، يضغط على المسدس بلا تفكير.
— اسمي إليزابيث مورغان، وصدّقني… أنت بحاجة إليّ أكثر مما تحتاج لسلاحك.
جون شعر بغرابة…
كيف لامرأة أن تعرف اسمه؟
كيف تعرف كل شيء عن اختفاءات الجيران؟
إليزابيث لم تلتفت إلى الأسئلة، بل اقتربت منه ببطء، كل خطوة منها تبدو متزامنة مع دقات قلب المدينة نفسها.
وضعت يدها على كتفه، وقالت بهدوء:
— يجب أن تعرف… المدينة تأكل من لا يعرف سرها. وأنا سأريك الطريق.
قبل أن يسألها عن السر، سمعوا صوتًا آخر، منخفضًا، من أسفل البناية:
— جون… إليزابيث… لا يجب أن تكونوا هنا…
كانت الأصوات تتجمع، كأن كل سكان المبنى السابقين، أو كل من ابتلعته المدينة، يهمسون في آن واحد.
الأرض اهتزت قليلاً، والجدران تنفسوا كأنها كائن حي مستعد للانقضاض.
إليزابيث أمسكت بيد جون، سحبتها نحو المصعد القديم:
— لا تنتظر، كل ثانية هنا تعني موتك.
دخلوا المصعد، لكن الأبواب لم تُغلق، والمرآة بداخله أظهرت مئات الصور لهما، لكن بوجوه مشوهة، مبتسمة بطريقة شيطانية.
— هذه… المدينة… تتلاعب بعقلك… همست إليزابيث. — كل من يراقبك يرى أكثر منك… ويختار ما يستحق البقاء.
سأل جون وهو يحاول السيطرة على نفسه:
— ماذا تقصدين… «اختيار ما يستحق البقاء»؟
ابتسمت إليزابيث ابتسامة حزينة، ثم همست:
— أنت الآن جزء من اللعبة، جون… وإذا أردت النجاة، يجب أن تعرف قواعدها قبل أن تلتهمك.
وفي تلك اللحظة، اهتز المصعد بقوة، الأضواء بدأت تومض بشكل سريع… والمدينة ابتسمت، كأنها تنتظر الفصل القادم من صراعها مع جون وإليزابيث.
—