الفصل الاول
حين بدأت المدينة تراقب
لم يكن الليل مختلفًا عن غيره في تلك المدينة،
إلا أن الصمت كان أعمق من المعتاد، كأنه يتنفس ببطءٍ ثقيل، ينتظر شيئًا ما.
وقف جون تايلر عند شرفته الضيقة في الطابق الخامس، يراقب الشارع الخالي أسفل منه. المصابيح الصفراء ترمش بتعب، والريح تدفع أوراقًا ميتة تتدحرج كأسرار لا تريد أن تُكشف. لم يكن جون تايلر يخاف الظلام، لكنه في تلك الليلة شعر أن الظلام يحدق به، لا العكس.
منذ أسبوع، اختفى جارُه في الشقة المقابلة.
لم يسمع صراخًا، لم تُكسر الأبواب، لم تتصل الشرطة بأحد.
في الصباح، كانت الشقة فارغة… كأن أحدًا لم يسكنها يومًا.
قالوا: سافر.
قالوا: ربما هرب من ديونه.
لكن جون تايلر كان متأكدًا أن المدينة كذبت.
عاد إلى الداخل، أغلق النافذة بإحكام، وتقدّم نحو المرآة. بدا وجهه شاحبًا أكثر مما اعتاد، عيناه غائرتان، وفيهما قلقٌ لم يعرف له اسمًا. منذ أيام، صار يشعر بشيءٍ غريب… كأن الجدران تصغي، وكأن الأرض تحت قدميه تحفظ خطواته وتحصي أنفاسه.
رنّ هاتفه فجأة، فانتفض قلبه.
رقمٌ مجهول.
تردّد لحظة، ثم أجاب.
— ألو؟
لم يأتِه صوتٌ بشري، بل همسٌ متقطّع، كأنه صادر من ممرٍ طويلٍ بلا نهاية.
— لا تنظر خلفك… المدينة لا تحب الفضوليين.
انقطع الاتصال.
حدّق جون تايلر في الهاتف، ثم رفع رأسه ببطء. المرآة خلفه لم تعكسه كما يجب. كانت صورته متأخرة… رمشت بعده، وابتسمت ابتسامةً لم يرسمها هو.
تراجع خطوةً إلى الوراء، اصطدم بالجدار.
قال بصوتٍ خافت: — هذا مستحيل…
طرقٌ خفيف على الباب.
ليس طرقًا بشريًا، بل إيقاعٌ منتظم، كأن أحدهم يعرف عدد دقات قلبه.
تقدّم بحذر، نظر من العين السحرية.
الممر كان فارغًا… لكن الضوء كان مطفأً، رغم أنه متأكد أنه كان مضاءً قبل دقائق.
عاد الطرق، أقرب هذه المرة.
— جون تايلر…
جاء الصوت من خلف الباب، صوته هو، بنبرته نفسها.
ارتجفت يداه.
لم يسأل من هناك…
لأنه أدرك الحقيقة التي حاول تجاهلها طويلًا:
المدينة لا تخطف الناس.
المدينة تستبدلهم.
وفي تلك اللحظة، انطفأت الأنوار في البناية كلها،
وسمع جون تايلر همسًا جماعيًا يتصاعد من الجدران، من الأرض، من الهواء نفسه:
— حان دورك…
وتحت الصمت الثقيل، بدأت المدينة تبتسم.