بيننا خيط لا ينقطع - الفصل الثامن بعد المئة - بقلم the writer linora | روايتك

اسم الرواية: بيننا خيط لا ينقطع
المؤلف / الكاتب: the writer linora
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثامن بعد المئة

الفصل الثامن بعد المئة

" the writer Aridj " . . . في لندن… كانت تعدّ كوب قهوتها بطمأنينة تشبه الصلوات الصامتة، فيما قلبها يفيض بسعادة لا تتسع لها الأضلاع، حتى إنها نسيت تمامًا ذلك الشاب وإزعاجه. أنهت إعداد كوبها، وأعادت النظر إليه بعين العادة والحنين، ثم أضافت ملعقتين من السكر، كما تفعل دومًا، وكأنها تُوازن بهما مرارة الغربة. خرجت من مطبخ شقتها الصغيرة، تتقدّم بخطوات خفيفة نحو نافذتها المفضّلة، وجلست على حافتها كما اعتادت، نصفها في الداخل ونصفها الآخر في المدينة. ارتشفت أول رشفة، فيما النسيم اللندني البارد يعبث بخصلات شعرها، يمرّ بها كعابر يعرفها جيّدًا. رنّ هاتفها، فابتسمت قبل أن تجيب، وقالت بنبرة دافئة /أهلين… بتروك، من ساعة وأنا أتصل، ما تسمع؟ ضحك من الطرف الآخر، وقال /هاه، هالنبرة ما تستعملينها إلا وإنتِ ناوية ترجعين للسعودية. ضحكت، وقالت بدلع مصطنع /زين إنك تفهمني، تروكي… راح أنتظرك بالسوبرماركت اللي أشتري منه كل يوم. استغرب تركي وقال /ليه؟ تحتاجين شي؟ ولا أحد مضايقك؟ ابتسمت نافية، وقالت بخفة /لا لا… راح تنزل معايا للسعودية، وإذا التقينا راح أشرح لك كل شي. قال بتردد واضح /لا يا شيخة، ما أقدر أنزل معك، عندي أشغالي هنا. قالت بمزاح مشاكس /تروك، لا تخليني أعصب… أصلًا من متى أرجع لحالي؟ ضحك بسخرية محببة /على أساس تبين تقنعيني إنك تخافين. لوت شفتها، ومثّلت الانزعاج /إذا شفتك يا تركي، راح أكسر لك راسك. قال وهو يمثل الغضب /ألفاظك يا العربجية! لسه بدري على هالألفاظ، خليها لين ننزل للسعودية. ضحكت شذى، وأغلقت الخط في وجهه، ثم وضعت الهاتف أمامها، ورفعت الكوب ليعانق شفتيها، ترتشف من قهوتها العربية كأنها تستعيد جزءًا من وطن بعيد. بعد مرور ساعة، عادت رفيقتها في السكن، لتدخل وهي تتحدث باللهجة العراقية /وش فيج يا شذى؟ ساعة وأنا أكلمج، من يوم دخلت! التفتت شذى إليها أخيرًا، وأخبرتها بهدوء ممزوج بالحماس أنها ستغادر لفترة الى السعودية بعد أن تُسلّم بحثها بشكلٍ مُقدّم . وبعد أن أنهت حديثها، ارتدت عباءتها، وتوشّحت بحجابها الذي غطّى شعرها بعناية، حملت حقيبتها وهاتفها، وخرجت لتلتقي تركي. توجّهت إلى السوبرماركت، فرأته يقف بجانب عمود الإنارة، بهندامه الأنيق المعتاد: سروال جينز أزرق، وهودي أبيض. ابتسمت وهي تقول في نفسها: وسيم كعادته. اقتربت منه، وكان يعيد هاتفه إلى جيبه، وما إن رآها حتى ركضت نحوه واحتضنته بقوة، فضحك وقال /هدي يا بنت! لا تقولين إنك اشتقتي لي… من أسبوع وأنا معك. رفعت رأسها إليه مبتسمة /أكيد اشتقت لك، تريكان. قبّل جبينها، ثم طبع قبلة على خدها، فابتعدت قليلًا ووقفت أمامه. رفع حاجبه وهو يرى تلك السعادة غير المبرّرة /احكي… وش عندك؟ قفزت قفزة خفيفة، وقالت بحماس طفولي /وعد راح تتزوج! قال غير مصدّق /لا لا… وعد؟ اللي أعرفها هذيك البزر؟ تزوجت؟ أفا يا تركي، كبرت وأنت ما تزوجت! ضحكت شذى /أنا كمان لسا ما صدقت، بس وش نسوي؟ الدنيا المهممم… يا تروكي حبيبي، أنا عندي بحث أقدّمه بكرا، وانت حاول تكمّل أشغالك بسرعة عشان نطلع بأول رحلة بكرا المساء. راح أحجز لنا تذاكر. قال معترضًا /يعني خلاص؟ حددتي كل شي لحالك؟ لا تأخذين شوري ولا شي؟ وضعت يدها على خصرها /وليش يا بابا؟ مو رايحين بنفس الطيارة؟ يلا لا تسوي لي فيها ولي أمر. خليني أكمل سالفتي ونرجع للسعودية… مشتاقة حيل للجميع، واشتقت لجدتي وخوالي وللرياض بكبرها. ابتسم وقال /مثل ما تبين يا شيخة. اقترب منها، قبّل جبينها، ثم سار معها حتى أوصلها إلى مكان إقامتها، وطوال الطريق كانا يتحدثان عن ذكرياتهما في السعودية، وعن الشوق الذي يربطهما بكل من هناك. : : وصل خالد بسيارته، ليجدهم ينتظرونه عند الباب كما طلب. ابتسم، وأشار بيده ليأتوا بسرعة. فتحت تالين الباب الأمامي لتصعد، لكن وعد أبعدتها وصعدت هي، وهي تغمز لها، فركبت أماني وتالين في المقعد الخلفي. أغلقت تالين الباب بقوة، فاستدار خالد إليها بابتسامة مستفزة /بشويش يا عمتي، ماني سواقك، والسيارة غالية. انزعجت تالين، وابتسمت ابتسامة تهكمية. التفت خالد إلى أماني وقال /صباح الخير، أماني. ابتسمت /صباح النور. قالت وعد بغضب مصطنع /هنت عليك يا خالد، تصبح على الخطيبة الحبيبة، وأنا ناسيني! ضحك /اعذريني جلالتك، وش تبين؟ ما جات عليك يعني. ثم سكت، قاصدًا تالين /في ناس راح يخلوني سواق عندهم، والله ناس مدري كيف تفكر. قالت تالين بهدوء مستفز /خلودي، أحسن تشغّل سيارتك وتروح لبيت أماني، وبعدين توصلنا لبيت وعد، وكلامك كله ماله داعي. تنهّد خالد بغضبٍ مكتوم، ذلك الغضب الذي يمرّ سريعًا ولا يعرف طريقه إلى اللسان. آثر الصمت، واكتفى بأن يأخذ نفسًا عميقًا، كأنه يلتقط به أعصابه المتناثرة، ثم حرّك السيارة من جديد، تاركًا خلفه جدلًا لا يستحق الوقوف عنده. راقبت وعد ملامحه بصمتٍ قصير، تعرفه جيدًا، وتدرك متى يجب أن تغيّر اتجاه الحديث. ابتسمت بخبثٍ محبّب، واستخرجت ورقتها الرابحة، الاسم الذي يبدّد ضيقه دومًا… شذى. قالت وهي تميل نحوه بابتسامة /أقول يا خالد… التفت إليها، وقد عاد الدفء إلى عينيه /قولي. قالت بحماسٍ لم تستطع إخفاءه /شذى وتركي جايين. استدار إليها بسرعة، والدهشة تسبق كلماته /من جدك؟ مدّت تالين جسدها إلى الأمام، وقالت باستفزازٍ اعتادت عليه /لا من عمك. تجاهلها خالد كليًا، فهو يعرفها جيدًا، يعرف أن تالين لا تفعل ذلك إلا لتثير الجو، وأن غضبها تمثيلٌ لطيف تخفي خلفه روحًا نقيّة. أعاد نظره إلى وعد، وقال بلهفةٍ صادقة /ومتى راح تجي؟ وليش ما خبرتني؟ ضحكت ضحكة دافئة، وقالت بنبرة مهدئة /بشويش… هي راح تجي هذا الأسبوع، وهي ما كانت مقررة تجي إلا لما قلت لها عن زواجي، عشان كذا ما حكت لك. ابتسم خالد، وعاد ببصره إلى الطريق أمامه. غمرته سعادة هادئة، سعادة قدوم تلك الأخت التي لطالما أحبها، الصغيرة بينهم، والفتاة الوحيدة… شذى. شذى ذات الطيبة الفطرية، والتصرفات العربجية أحيانًا، تلك التي لا تترك خلفها إلا الفوضى والمواقف، لكنها رغم ذلك – أو بسببه – تسكن قلبه بمكانٍ خاص. سكتت وعد قليلًا، وكأنها تنتظر اللحظة المناسبة، ثم قررت أن تُطلق خطتها. رفعت هاتفها، وشغّلت تلك الأغنية التي ستُزفّ عليها. كانت تعلم أن خالد، في هذه السعادة، لن يقاوم اللحن، وأنه سيدندن لا محالة… وحينها ستفتح معه الموضوع. انسابت النغمة في أرجاء السيارة، لحنٌ يعرفه خالد جيدًا، لحنٌ يطرق الذاكرة قبل السمع. انجذبت أذناه، وما لبث أن بدأ يغني بصوته الرجولي الجوهري العذب، صوتٍ بدا كأنه يلامس المشاعر لا الآذان/ بغير من عيني وانا شايفك وده لي وصلتي ليه لو اسمع اسمي بشفايفك بقولك كرريه وعمري ما هقدر اوصفلك بحبك قد ايه وما إن خفت صوته، حتى ساد صمتٌ قصير، ظلّ فيه اللحن يتجوّل كضيفٍ لا يريد الرحيل، لتأتي المفاجأة من الخلف… صوتها. دون سابق إنذار، أكملت هي، بصوتها الأنثوي العذب، بطبقةٍ مفخّمة تحمل دفئًا وعمقًا خاصين/ ارسمني في ليلك نجمة ضيها يلمع فالعين اكتبني في عمرك كلمة يحكوها الناس بعدين انا نفسي اعيش فوق عمري يا حبيبي معاك عمرين التفت خالد قليلًا، وابتسامةٌ تشقّ وجهه. تساءل في داخله: ماذا فعل في حياته ليُكافأ بامرأة مثلها؟ كم مرّ الحظ به عابسًا، قبل أن يبتسم له أخيرًا في هذه اللحظة؟ عاد يكمل، وصوته أكثر دفئًا/ لو تطلبي مني عنيا لو تطلبي عمري كمان هديكي سنين الجاية وهكون راضي فرحان انتي لي وجودك جنبي حسسني ان انا انسان ثم اكملا معًا، صوتان ينسجمان كما لو خُلقا لهذه اللحظة، فيما وعد وتالين تشاهدان المشهد بانبهار، وكأن السيارة تحوّلت إلى شاهدٍ صامت على سنفونية حب تعبث بالقلب وتبعثر المشاعر. تلألأت عينا وعد، وكادت تبكي. كيف لا؟ وهي ترى فرحة رفيقتها، وخالد الذي لطالما كان بمقام أخيها، وتتخيّل كيف سيكون غناؤهما في زفّتها. قال خالد وأماني بصوتٍ واحدٍ منسجم/ ده من أول دقيقة لحبك قلبي مال عرفت بمية طريقة اغير حال بحال بتوه بين الحقيقة يا عمري والخيال. انتهى المقطع، ولم تُكمل وعد تشغيل الأغنية. صفّقت تالين، والابتسامة تتراقص على وجنتيها، وتبعتها وعد وهي تقول /الله… راح أبكي يا جماعة! ضحك خالد دون رد، بينما كانت تالين في الخلف تنكز أماني بكوعها، وأماني تبتسم تلك الابتسامة المتباعدة، لتقترب تالين وتهمس لها/على أساس كان هالشي من سابع المستحيلات. أبعدتها أماني بخفة، وهي تبتسم، حتى هي استغربت تفاعلها، وكأن قلبها هو من قادها في تلك اللحظة، لا عقلها. جمعت وعد كفوفها، وقالت بنبرة طفولية /خااااالد! التفت إليها /عيونه. قالت دون تردد /أبيك تغني أنت وأماني بزفّتي. رفع خالد حاجبيه /احنا؟ أومأت وعد برأسها /ايوه، انتو. ضحك خالد، فلن يفوّت فرصة كهذه ليكون قريبًا منها، فالعمر لا يمنحنا اللحظات مرتين /إذا وافقت أماني. صرخت تالين بفرح /ما عليك منها، موافقة! ثم التفتت إلى أماني /موااافقة؟؟ ابتسمت أماني. لا بدّ من خطوةٍ كهذه من أجل وعد… وربما أيضًا من أجل قلبها، ذلك القلب الذي لا يزال يلفّه الجليد تجاه ما يسمّيه البعض بالعاطفة. أومأت برأسها /موافقة. صفّقت وعد، وصرخت بفرحٍ وحماس/ ويييييييييييي! وناسة! أحبكم مرةةةة! قال خالد بسخريةٍ واثقة /بس ما راح أكون مسؤول إذا داخت وحدة من البنات لما تسمع صوتي. ضحكن، لتركل أماني مقعده ،ليقول /اعذريني يا حبيبة خالد، يعشقك واحد تحبه كل البنات. قالت تالين باشمئزاز /اعقققق على ثقتك الزايدة. ضحكوا مرة أخرى، والطريق أمامهم يقصر، فالسعادة حين تجتمع، تُخفّف المسافات، وتجعل الطريق عابرًا… خفيفًا، كأنه لا يريد أن ينتهي.