الفصل السادس: واجهتان تحت مطر واحد
أيدي الطين وأسئلة البحر:
كانت ورشة فالاندر في سوق البلدة تشبه رحمًا ترابيًا دافئًا. ضوء الصباح الذهبي يتسلل من النافذة المفتوحة على مصراعيها، ليضيء سحابات غبار الطين الناعمة التي تسبح في الهواء كأرواحٍ راقصة. في وسط هذه الفوضى الجميلة، كان فالاندر الشاب ذو الستة وعشرين ربيعاً بعينين خضراوتين زمرديتين وشعرٍ أشقرٍ داكن وكثيف يصل إلى حافة عنقه. جالساً على مقعده أمام الدولاب الدوار، يداه تغوصان في كتلة طين رطبة بنية اللون، كأنهما تلدان شكلاً من العدم.
كانت أصابعه الطويلة النحيلة تعمل بثقة فنان عاشق، تدفع، تسحب، تلمس بحدسٍ يشبه تذكر شيء مفقود. بين يديه، بدأ جرة فخارية تأخذ شكلًا مموجًا كأمواج البحر المتلاطمة.
"أنت تعامل الطين كحبيب قديم، يا فالاندر." قال السيد مالار، تاجر التوابل العجوز الذي وقف بالباب يراقب بعينين حكيمتين.
رفع فالاندر عينيه الخضراوين، اللتين تشبهان مياه خليج عميق في يوم صاف. "الطين له ذكريات عميقة أيها العم مالار. كل لمسة تترك ذكرى في صمته."
"ذكرى أم نبوءة؟" سأل مالار وهو يشير إلى النقوش المعقدة التي كان فالاندر يبدأ بنحتها على الجرة الجانبية. "هذه الرموز... ليست من فنون منطقتنا."
توقف فالاندر للحظة، إصبعه المغموس بالطين معلق في الهواء. "تأتيني في الأحلام. أمواج وشعارات... لا أعرف معناها... لكن شكلها جميل."
كان صدى عجلة الفخار يدور في الورشة كهمسة قديمة. فالاندر نظر إلى يديه، إلى الطين الذي التصق بجلده كطبقة ثانية. أحياناً، في لحظات الصمت هذه، كان يشعر بأنه ليس أكثر من وعاء فخاري شكلته الحياة، لكن محتواه لا يزال لغزاً.
"فالاندر! أين أنت يا ولدي؟"
صوت ناعم كالحرير القديم قطع تأمله. في المدخل، وقفت مينورين، المرأة العجوز التي ربته. بشعرها الأبيض المصفف في ضفيرة سميكة، وعينيها العسليتين اللتين شهدتا سبعين شتاءً، كانت تحمل سلة خوص مغطاة بقطعة قماش مزركشة.
"جئت إليك بالطعام، قبل أن تنسى نفسك تماماً في عملك." قالت وهي تتقدم داخل الورشة، قدميها تخطوان بحذر بين الأعمال الفخارية المنتشرة.
قام فالاندر سريعاً ومسح يديه على مئزره الجلدي. "لم يكن عليكِ تحمل عناء ذلك، أمي."
"العناء؟" ضحكت ضحكة مجلجلة تتناقض مع رقتها. "أنت الذي يعاني، تعمل وكأنك تحاول ملء فراغٍ ما بداخلك بالجرار والأواني."
جلست على كرسي خشبي قديم، وبدأت تفرش محتويات السلة: خبز أسمر دافئ، وجبنة ماعز بيضاء، وثمار تين ناضجة. "كلما نظرت إليك تعمل، أتذكر اليوم الذي أحضرك فيه جيرالد من سوق العبيد."
توقف فالاندر عن المضغ. "بماذا شعرتِ في ذلك اليوم؟"
"شعرت بأن القدر أهداني هدية كبيرة. لقد أنرت حياتي بقدومك، يا بني." نظرة متأثرة مرت على وجهها المجعد. "كنت دائماً أتساءل... من هذا ذو القلب المتحجر الذي تركك بين يدي الباعة في سوق العبيد؟ ولماذا؟"
فالاندر نظر إلى النافذة، حيث كانت أشرعة السفن البعيدة تلمع في الشمس. "أحياناً أشعر وكأن حقيقتي أكبر من مجرد فتى تم بيعه في سوق العبيد... وأن حياتي بها سرٌ مخفي لا أعرفه بعد... لكن هناك شيء بداخلي يخيفني من معرفة هذا السر."
مينورين مدت يدها المرتجفة ولمست وجنته. "الدم لا يصنع العائلة يا بني. لكن الأسرار... الأسرار ثقيلة. وإذا كانت أسرارك تبحث عنك يوماً ما... فسأكون حزينة لفراقك، لكنني سأفرح لعودة جزء منك كان ضائعاً."
في تلك اللحظة، دخل عميل إلى الورشة، رجل يرتدي ملابس سفر فاخرة. "صباح الخير... أريدك أن تصنع ليّ إناء بمواصفات مختلفة عن الأواني المعتادة."
نظر فالاندر إلى الرجل، ثم إلى الجرة التي كان يعمل عليها، تلك التي تحمل رموز الأحلام البحرية. وشعر، كما شعر مرات عديدة، بأن العالم خارج ورشته الصغيرة يطرق بابه، حاملاً معه أسئلة قد لا يكون مستعداً لإجاباتها.
أفعى وضباعٍ ثلاث:
كانت قاعة الاجتماعات في القصر تعكس شخصية فاليريان: باردة، ومظلمة. على الطاولة الطويلة المصنوعة من خشب الأبنوس، انتشرت خرائط مملكة إيفرونيا محاطة بشموع سوداء تنضح دخاناً كثيف. فاليريان جالس على رأس الطاولة، يداه متشابكتان تحت ذقنه، عيناه الخضراوان تضيئان في الظلام كزمردتين مسمومتين.
إلى يمينه جلس فاروس، يلمس ندوب صدره القديمة بحركة عصبية متكررة. وإلى يساره، جلس هيليوس، الجروح الجديدة على وجهه ما زالت حمراء وغائرة، يلمع عليها مرهم أصفر.
"لقد جربنا القوة المباشرة." قال فاليريان بصوته الناعم الخطير. "وها قد فشلت. الصقر ليس مجرد مقاتل، إنه ثعلب."
دق الباب ثلاث دقات متقطعة، ثم دخل الرجل الثالث. كان يدعى كريكور، رجل في الأربعينات من عمره، جسمه متوسط الطول لكنه عريض كالجذع، وعيناه سوداوتان. على وجهه ندبة طويلة تمتد من حاجبه الأيسر إلى زاوية فمه، كأن شفرة حاولت أن تبتسم له ونسيت كيف.
"حضرة المستشار." قال كريكور بصوت أجش كحفيف ورق قديم. "لقد أتيت كما طلبت."
"كريكور. رجل الأعمال الحُرة." ابتسم فاليريان ابتسامة لا تصل إلى عينيه. "أحترم فيك أنك لا تسأل عن أصل العمل، بل عن ثمنه."
"الثمن يحدد القيمة." رد كريكور وهو يجلس دون أن ينتظر إذناً. "وقد سمعت أن لديك عملاً يتطلب... انعدام الضمير."
ضغط هيليوس على ذراعي كرسيه حتى ابيضت مفاصله. "نحن جنود، ولسنا مجرمين مثل..."
"مثل من؟" قطع عليه كريكور، عيناه تلتقطان هيليوس كفريسة سهلة. "مثل رجلٍ يكسب قوته بذكائه لا بدرعٍ ممول؟"
"كفى." قال فاليريان بهدوء، لكن الكلمة كانت كضربة سوط. "الوقت يمر. إليك المهمة: قرية أوكسفورد الصغيرة، على حدود غابة البلوط الشرقية. ستهاجمها مجموعة من قطاع الطرق." وضع إصبعيه على الخريطة عند نقطة محددة.
"قطاع طرق حقيقيين أم ممثلين؟" سأل كريكور وهو يدرس الخريطة بعينيه الضيقتين.
"ممثلين من رجالك. سيكون الهدف العائلات الفقيرة... عائلات تشبه كثيراً تلك التي أنقذها صقر العدالة."
فهم كريكور بسرعة. "فخ يستند إلى نمطه. يهاجم لإنقاذ الضعفاء."
"بالضبط." أومأ فاليريان. "ولكن هذه المرة، سيكون الضعفاء فخاً من الحديد. سيكون هناك رجالك مختفين بينهم، في المنازل المحيطة، و في الازقة. وعندما ينقض الصقر للإنقاذ..."
"ننقض نحن عليه." أكمل كريكور، ولسانه يمر على شفته السفلية. "والمكافأة؟"
"عشرة آلاف قطعة ذهبية في البداية." قال فاليريان. "وأضعاف المبلغ حين تنهي مهمتك."
"والرجال؟"
"ستحصل على عشرين رجلاً من حرس خاصٍ ليّ أنا شخصياً. ليسوا جنوداً رسميين، ولا يمكن تتبعهم."
نهض كريكور، وندبته تلمع تحت ضوء الشموع. "أتفقنا. ستحصل على رأس صقر العدالة في صندوق. وبالمقابل، سأحصل على الذهب."
بعد أن خرج كريكور، دارت عينا فاليريان بين فاروس وهيليوس. "هذا الرجل أداة قذرة، لكن الأدوات القذرة تصلح للأعمال الفريدة من نوعها."
خارج القاعة، في الممر المظلم خلف تمثال فارس من الرخام، كانت ليوريلا متكئة على الحائط، يداها ترتعشان فوق صينية الطعام والدواء التي كانت تحملها للأمير ليوس. لقد سمعت كل شيء: اسم القرية، الخطة، اسم كريكور.
"يا إلهي..." همست وهي تلتقط أنفاسها.
بخطوات سريعة وصامتة، انطلقت عبر الممرات الخلفية للمطبخ الملكي. قلبها كان يدق كطُبل الحرب. عند الباب الخلفي، حيث يقف الحارس ثيوبالد، رجل كبير في السن بعينين حزينتين، توقفت.
"سيد ثيوبالد..." همست.
"ليوريلا؟ ماذا بكِ؟ لما وجهك شاحب؟"
"هذه رسالة... لشقيقي. الأمر هام." دفعت له ورقة صغيرة ملفوفة بإحكام. "الأمر متعلق بحياة أناس أبرياء."
نظر ثيوبالد إلى الورقة، ثم إلى وجهها الشاحب. كان يعرف أن والدها خدم الملك ثيودور بإخلاص قبل أن يموت في الوباء هو وزوجته. "سأوصلها. لكن احذري يا ابنتي، الجدران هنا لها آذان."
أخذت الصينية واتجهت نحو جناح الأمير، لكن قدميها كانتا ترتجفان. كانت تعرف أنها لعبة خطيرة، لكنها رأت في عيني أخيها إسفين ذلك التحدي الذي قاله لها: "إذا سمعتِ شيئاً قد ينقذ أرواحاً بريئة أخبريني به، وتأكدي أنكِ بطلة مثل أي فارس."
والآن، كانت كلماتها الصغيرة قد أطلقت سباقاً ضد الزمن. سباق بين فخٍ مميت وبطولة قد تأتي متأخرة جداً.
نداء الصقر:
كان جبل الصدى الصامت يشهد تدريبات شبه انتحارية. ألفارد كان يتدرب تحت مراقبة الصقور العملاقة الثلاثة، جسده يتلوى كخيط مطاطي بين الصخور، ثم يهبط بخفة الريشة التي يحاكيها. عرقه كان يتدفق كأنهار صغيرة على عضلاته، وكل ضربة من قبضته على الصخور كانت تحمل غضباً متراكماً.
فجأة، هبط صقره آرس على كتفه فجأة، منقاره يلمس خده بلطف كأنه يقول:«كفى». توقف ألفارد، أنفاسه الثقيلة تملأ الهواء الرقيق. نظر إلى الصقر العملاق الأكبر، الذي حدق فيه بعينين صفراوين تحملان حكمة الجبال القديمة، وكأنه يوافق صقره الصغير:«فلترتاح أيها البطل.»
نزل من الجبل بخطوات ثقيلة، جسده منهك لكن عقله متقد. توجه إلى الكوخ الصغير حيث كانت إيديث تنتظره. عندما فتح الباب، كانت جالسة على الكرسي الخشبي، يداها تمسكان قطعة قماشية قديمة، وكأنها تستشعر قدومه قبل أن يخطو.
"عاد الوحش المتعب إلى عرينه." قالت وهي ترفع وجهها نحوه.
"كيف تعرفين أنني متعب؟" سأل وهو يخلع قميصه المبلل.
"تنفسك كالريح في الشتاء، ثقيل ومتقطع." أشارت نحو الموقد. "هناك طعام دافئ لك."
بينما كان يأكل، جلست قربه، يدها تلمس كتفه المتصلب. "لقد تحملت الكثير، يا بني. ومازلت تتحمل. كأنك تحاول أن تدفع الجبل عن مكانه."
قبل أن يجيب، فتح الباب بعنف. دخل إسفين وداريو، وجوههما شاحبة.
"هناك أنباء جديدة يا ألفارد." قال إسفين بصوت منخفض. "ليوريلا أرسلت رسالة. فاليريان استأجر مجرماً اسمه كريكور. لقد نصبوا فخاً لك في قرية أوكسفورد."
شرح إسفين الخطة بالتفصيل: القرية، العائلات الطُعم، الرجال المختبئين. ألفارد استمع بتركيز، عيناه العسليتان تضيقان مع كل كلمة.
"يعرفون نمطي إذن." قال ألفارد بعد أن انتهى إسفين. "يعرفون أنني لا أستطيع مقاومة إنقاذ المظلومين."
"لذا يجب ألا نذهب!" قال داريو. "إنه فخ واضح."
"بل يجب أن نذهب." رد ألفارد بهدوء خطير. "لكن ليس إلى الفخ الذي يريدونه."
نهض واتجه نحو النافذة، حيث كانت الصقور العملاقة تحلق في الأفق. "إذا كانوا يتوقعون صقراً واحداً، فليأتهم السرب بأكمله."
"ماذا تقصد؟" سألت إيديث، يداها تضغطان على بعضهما.
"سأذهب أنا إلى القرية، كما يتوقعون." قال ألفارد وهو يدير وجهه نحوهم. "ولكنكم أنتم، داريو وإسفين، ستكونان في مكان آخر."
"أين؟"
"مع الصقور." نظرة ذكاء خاطفة برقت في عيني ألفارد. "الصقور العملاقة يمكنها حمل الأشخاص. ستطيران مع اثنين منها من الخلف، بينما أقود أنا الهجوم من الأمام."
إسفين أدرك الخطة فوراً. "ننقسم! عندما ينقضون عليك، نأتي نحن من السماء!"
"بالضبط." أومأ ألفارد. "لكن عليكما الانتظار حتى أطلق الإشارة."
"وما هي الإشارة؟" سأل داريو.
"صيحة آرس." قال ألفارد وهو يلمس صقره الذي وقف على رف المدفأة. "عندما أعطيه الأشارة، سيطلق صيحته وستعلمون أن الوقت قد حان."
أمسكت إيديث بيد ألفارد، يداها ترتجفان. "هذا خطير جداً. إنهم ينتظرونك."
"وأنتظرهم أنا أيضاً، يا أمي." قالها دون أن يفكر، والكلمة خرجت من قلبه قبل لسانه. "لقد علمتني الحياة أن الظلم كالنار، إن لم تُطفأ تلتهم كل شيء."
ارتجفت إيديث، والدموع ملأت عينيها العمياوين. "يا ولدي... أرجوك كن حذراً..."
احتضنها للحظة، ثم التفت إلى أصدقائه. "جهزوا أنفسكم. نلتقي عند طرف الغابة في منتصف الليل."
بعد أن خرجوا، بقيت إيديث جالسة في بفردها، يداها تلمسان الهواء كما لو كانت تلمس وجه ألفارد. وهمست بكلمات لا يسمعها أحد: "عد سالماً يا بني... لأنك قد تكون كل ما تبقى لي في هذا العالم."
ظلان في ليلة واحدة:
كانت غرفة كاليب في منزل أوليفر تشبه ورشة فنان مهووس. نشارة الخشب الناعمة تغطي الأرض كثلج بني، ورائحة الصنوبر والبلوط تفوح في الهواء الرطب. تحت ضوء المصباح الزيتي المتمايل، جلس كاليب منحنياً فوق طاولة العمل، أصابعه النحيلة تتحرك بإتقان حول قطعة خشب بلوط صغيرة.
بين يديه، كانت منحوتتان تأخذان شكلهما النهائي. الأولى: تمثال صغير بحجم كف اليد لألفارد، يلتقط دقة ملامحه، انحناءة الحاجبين، عيونه العسلية بتلك الخطوط الزرقاء الخفيفة، حتى ابتسامته المشرقة. والثانية: صقر العدالة بقناعه الأسود وعباءته المرفرفة، وهيئة الانقضاض التي سمع عنها في قصص السوق.
"يا للجمال!" قالت أستريد وهي تدخل حاملة طبقاً من الحساء الساخن. "لقد أبدعت، يا ولدي."
"ألفارد قال إنه معجب بمنحوتاتي." قال كاليب دون أن يرفع عينيه عن العمل. "أريد أن أفرحه بهدية من صنعي."
"لقد جمعتكما الصداقة أخيراً." ابتسمت أستريد وهي تضع الطبق على الطاولة. "الفن يصنع جسوراً حيث تفشل الكلمات عن الوصول."
بعد ساعة، عندما اكتملت المنحوتتان بنعومة تلمع تحت الزيت، غسل كاليب يديه ولف التمثالين بقطعة قماش ناعمة. خرج إلى ليلة شتوية باردة، القمر المكتمل يلقي ضوءاً فضياً على القرية النائمة.
عند باب كوخ سيلاس، تردد قليلاً قبل أن يطرق بخفة.
"كاليب!" قال سيلاس وهو يفتح الباب، عيناه تتسعان بالدهشة. "ما الذي أتى بك في هذه الساعة المتأخرة؟"
"جئت بهدية لألفارد." قال كاليب وهو يقدم التمثال الملفوف. "لكنه ليس هنا، أليس كذلك؟"
مرت ظلمة سريعة على وجه سيلاس. "لا... هو في زيارة لأحد الأصدقاء."
"حسناً... هل يمكنك وضع هذه في غرفته؟ أريدها أن تكون مفاجأة له عندما يعود."
أخذ سيلاس التمثال بيديه المتخشنتين، وفك القماش ببطء. عندما رأى المنحوتة، لمعت دموع صامتة في عينيه.
"إنها... إنها تحمل روحه." همس بصوت خافت. "شكراً لك، يا بني. سأضعها على طاولة بجانب سريره."
بعد أن ودع سيلاس، سار كاليب عائداً إلى بيته. لكن عند منتصف الطريق توقف.
على التل البعيد، تحت ضوء القمر، رأى ظلاً أسود يتحرك كالحلم. كان صقر العدالة على حصانه الأسود، عباءته السوداء ترفرف خلفه كأجنحة الليل نفسه. الحصان كان يعدو باتجاه غابة البلوط الشرقية، وكأنه شبح يستجيب لنداء خفي.
قلب كاليب بدأ يدق بسرعة. دون تفكير، انطلق خلف الظل، قدماه تخطوان على الأرض المتجمدة بسرعة مفاجئة. ركض عبر الحقول، عبر بساتين الأشجار العارية، حتى وصل إلى أطراف الغابة الكثيفة.
من بين الأشجار، رأى صقر العدالة يتوقف لحظة، وكأنه يستشعر وجوده. ثم اندفع الحصان إلى داخل الغابة المظلمة، باتجاه الطريق المؤدي إلى قرية أوكسفورد.
كاليب وقف على حافة الغابة، أنفاسه تتسارع كفرنٍ منفوخ. في يده، كانت منحوتة صقر العدالة ما تزال مضغوطة بين أصابعه الباردة.
"إلى أين تذهب، أيها الفارس؟" همس للرياح.
ولم يكن يعلم أنه كان على وشك اكتشاف سر قد يغير كل شيء، أو أن الظل الذي يتبعه كان يقوده إلى قلب أعظم مؤامرة في تاريخ المملكة.
معركة الصقور في قرية الظلال:
كانت قرية أوكسفورد الصغيرة تئن تحت وطأة كابوس مُعدّ سلفاً. البيوت المحترقة تبعث أعمدة دخان سوداء تخنق القمر، وصراخ النساء كان مؤلماً. في وسط هذه الفوضى القاتلة، وقف كريكور خلف نافذة مكسورة، عيناه كانتا تتلألآن بشر الانتظار.
"أيها الصقر... أين أنت الآن؟"
كما لو كان أجابه على تساؤله، ظهر صقر العدالة على حافة القرية كشبح وُلد من الظلام نفسه. نزل عن حصانه الأسود بخطوات هادئة، سيفه المطمور في جليد الليل يلمع تحت القمر. لم يركض، بل مشى نحو مركز الصراخ، خطواته لا تصدر صوتاً على الأرض الترابية.
"هاجموه!" صرخ كريكور.
انقض عشرة رجال من مخابئهم، من تحت العربات، من داخل البيوت، حتى من تحت أكوام التبن. ولكن صقر العدالة كان مستعداً. استخدم الانقضاض الصامت فاختلط بالظلال، يظهر بسرعة خلف أحد المهاجمين ثم كأنه يختفي قبل أن يدركوا.
سيفه كان يرقص رقصاً قاتلاً، وخنجره امتداداً لذراعه. كل ضربة كانت دقيقة، تضع الرجال خارج المعركة دون قتلهم. لكن الأعداد كانت كبيرة.
"أخرجوا أيها الجبناء!" همس صقر العدالة لنفسه عندما رأى غالبية المرتزقة قد خرجوا من مخابئهم.
أطلق صفيراً خاصاً، ونظر إلى السماء. صقره آرس على فرع شجرة عالية أطلق صيحة قطعية تشق الليل كسكين.
فجأة، حجب ظل ضخم القمر. ثم ظل ثانٍ، وثالث. ثلاثة صقور عملاقة هبطت من السماء كأساطير حية. على ظهر اثنين منهم، كان داريو وإسفين يمسكانها بأحزمة خاصة.
"أحــذروا!" صرخ أحد المرتزقة مذعوراً.
نزل داريو كالصاعقة، فأسه الكبير يضرب رجلين ويلقي بهما كالكرة. إسفين انزلق من على ظهر الصقر الثاني كالثعبان، يسدد ضربات دقيقة بخنجريه ويعطل الحركات.
أما الصقر الثالث العملاق، فكانت مخالبه الحادة تمسك بالمرتزقة واحداً تلو الآخر، ترفعهم في الهواء وتهزهم كدمى قبل أن تلقي بهم بعيداً.
كريكور شاهد جيشه ينهار في دقائق. "ما الذي يحــدث!" صرخ محاولاً الهرب.
ولكن صقر العدالة كان أسرع. انقض عليه من الظلام وأمسك به من رقبته. "والآن الصياد قد أصبح فريسة."
ربط يديه بحبل خاص، ثم ربط الحبل بحصانه. "سيكون لديك الكثير لتقوله."
داريو وإسفين انتهيا من البقية، والصقور العملاقة رفعت آخر المقاومين في الهواء، حاملون إياهم بعيداً نحو الغابة العميقة.
صعد صقر العدالة على حصانه، وأشار إلى داريو وإسفين على ظهري الصقرين العملاقين. "الغابة كما خططنا!"
وانطلقوا جميعاً: الصقور العملاقة تحلق في السماء حاملين رجاله، وصقر العدالة يجر خلفه كريكور المربوط كـ كلبٍ مهزوم.
من خلف شجرة بلوط ضخمة على حافة الغابة، كان كاليب يراقب المشهد بفم مفتوح. يده تضغط على منحوتة صقر العدالة الصغيرة حتى كادت تتكسر.
"ما هذا؟ ما هذه المخلوقات؟" همس وهو يشاهد الصقور الأسطورية وهي تحمل الرجال كأوراق في مهب الريح.
رأى صقر العدالة يمر على بعد أمتار منه، عباءته السوداء ترفرف في ريح الليل. في تلك اللحظة، تحت ضوء القمر، لاحظ شيئاً: طريقة جلوس الفارس على الحصان... انحناءة ظهره... شيء مألوف لكنه لا يستطيع تحديده.
"من تكون أيها الفارس؟" سأل الرياح.
ولم تكن الرياح تجرؤ على الإجابة، لأن الحقيقة كانت أكبر من أن يحتملها قلب صديق قد يكتشف أنه كان يعيش في ظل أسطورة كان صديقه يخفيها عنه.
وصلوا إلى قلب الغابة، حيث كانت أشجار البلوط القديمة تُشكل قاعة طبيعية بأعمدتها المظلمة. هنا، ربط داريو وإسفين المرتزقة المذهولين بأعمدة الأشجار، بينما كانت الصقور العملاقة تحرس من الأعلى، عيونها الصفراء تلمع في الظلام كشموس صغيرة.
أما كريكور، فقام صقر العدالة بربطه بجذع شجرة بلوط ضخم، يداه مقيدتان من الأمام بحبل سميك. جثا صقر العدالة على ركبة واحدة أمامه، عيناه تتقدان من خلف القناع، تحدقان في عيني المجرم.
"الآن، لنبدأ حديثنا." قال صقر العدالة بصوته العميق. "ما هي خطط فاليريان القادمة؟ ومن هم رجالكم الآخرون في القرى؟"
ابتسم كريكور ابتسامة ملتوية. "أتعتقد أنني سأقول لك شيئاً؟ أنت مجرد فتى مقنع، أما هو فيملك المملكة بأسرها."
"وهو يخاف من ذاك الفتى مقنع." رد صقر العدالة ببرودة. "وأنت الآن ملكي أنا."
"أعطني سبباً واحداً لأتحدث." قال كريكور وهو يحرك يديه المقيدتين ببطء.
"الحياة سبب كافٍ."
ضحك كريكور ضحكة مبحوحة. "الحياة؟ أنا عشت في الظلام طوال عمري. الموت لا يخيفني أيها الفتى."
في تلك اللحظة، بينما كان صقر العدالة يركز على عيني كريكور، حرك المجرم يده المقيدة بحركة خبيثة. من كم قميصه، انزلق خنجر صغير كان مخبأً في بطانة ساعده. بسرعة ثعبان، يهم بطعن صقر العدالة في قلبه.
"احذر!" صرخ داريو من بعيد.
لكن التحذير جاء متأخراً. صقر العدالة تفادى الطعنة القاتلة نحو قلبه، لكن الخنجر انزلق ليخترق جنبه الأيسر بعمق. ألم حاد كالنار انتشر في جسده، لكن قوته الإرادية كانت أقوى. بيد واحدة، انتزع الخنجر من جسده، وباليد الأخرى، ضرب كريكور بقبضته على صدغه بقوة جعلت المجرم يفقد وعيه على الفور.
سقط صقر العدالة على ركبتيه، يده تضغط على الجرح الذي بدأ ينزف بغزارة. الألم كان شديداً لدرجة جعلت العالم يترنح من حوله. بغريزة طبيعية، مد يده إلى قناعه وانتزعه، محتاجاً إلى أن يتنفس، إلى أن يشعر بالهواء على وجهه.
وفي تلك اللحظة بالضبط، من بين الأشجار، خرج كاليب. كان قد تبعهم في صمت، منبهراً ومذعوراً في آن واحد. رأى كل شيء: الضربة، الجرح، و... نزع القناع.
وقف متجمداً في مكانه. ضوء القمر سقط على وجه ألفارد المتألم قبل اختفاءه خلف السحب التي بدأت تتجمع، بعدما رأى عينيه العسليتين اللتين يعرفها جيداً، و ملامح أسطورته الذي كان يحمل تمثاله في جيبه في هذه اللحظة.
"ألفارد...؟" خرجت الكلمة من فم كاليب كصوت ضائع في الريح.
أنزل ألفارد رأسه ببطء، عيناه التقتا بعيني كاليب. الصدمة كانت متبادلة. عالم ألفارد السري انكشف في أكثر لحظاته ضعفاً.
"كـ... كاليب..." حاول ألفارد النهوض، لكن الجرح جعله يتأرجح.
تقدم كاليب خطوات، عيناه لا تفارقان وجه صديقه الذي تحول فجأة إلى أسطورة حية. "كل هذا الوقت... كنت أنت؟"
لم يستطع ألفارد الإجابة. الدنيا بدأت تدور حوله، والألم والنزيف أخذاه إلى حافة الوعي. ثم، كما لو كانت السماء أرادت أن تشارك في هذا الموقف، بدأت قطرات المطر الأولى تتساقط، باردة ومنعشة على وجوههم الساخنة بالصدمة والألم.
ظلّ الرجلان تحت المطر، واحد جريح انكشف سره، وآخر مصدوم يكتشف أن الحقيقة كانت أمامه طوال الوقت. وكلمات كاليب الأخيرة قبل أن ينهمر المطر بغزارة كانت:
"لماذا لم تخبرني؟"