صقر العدالة - الفصل الخامس: عقدة اللقاء الأولى - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: صقر العدالة
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الخامس: عقدة اللقاء الأولى

الفصل الخامس: عقدة اللقاء الأولى

كوخ الاعترافات: أدخلها إلى كوخه الصغير المُخبَّأ بين الصخور عند سفح الجبل. كان المكان متواضعاً لكنه نظيفٌ، مُنظَّماً بعناية فائقة. موقدٌ حجريٌّ في الزاوية، وسريرٌ من القش مُغطّى بجلودٍ نظيفة، ورفٌّ خشبيٌّ يحمل كتباً قديمةً وأدواتاً بسيطة، ومدفأة بها رماد حطب قديم. كان قد بنى هذا المأوى بيديه ليكون ملجأً له حين يضيق به العالم، أو حين تثقل عليه الهموم. "اجلسي، سأعدّ لكِ شيئاً دافئاً." قال وهو يُحرِّك الجمر تحت إبريق الشاي. جلست المرأة على كرسيٍّ خشبيٍّ، يدها تلمس حافته المنحوتة بعناية. "مكانٌ يبعث على الطمأنينة. طوبى لأبيك وأمّك بتربية مثلك." تجمدت يده لحظة وهو يملأ الكوب. "ليس ليّ أمّ. لم أعرفها قط." صمتت إيديث ، وجهها ينحني قليلاً، ثم قالت. "كلُّ طفلٍ له أمّ في هذه الدنيا." "ربما." قال وهو يسكب المشروب بالاكواب. "لكن بعض الأمهات تختار الرحيل، أو يختار القدر أن يُفرق بينهن وبين أطفالهن." رفعت وجهها نحو صوته، وكأن عينيها العمياوين تحاولان رؤيته. "لهجتك تدل على أن بداخلك ألم عميق." أخذ نفساً عميقاً. كلماتٌ خبّأها في صدره سنوات بدأت تتدفق كالنهر الجارف. "منذ كنتُ طفلاً وأنا أرى الأطفال بين أحضان أمهاتهم. كنتُ أقف من بعيد كشجرةٍ وحيدةٍ في صحراء جرداء. أبي... سيلاس... ربَّاني بكل ما يستطيع رجلٌ أعزب أن يفعل. لكنْ كان هناك فراغاً كبيراً لم يستطع ملؤه، حتى خالتي أستريد... عندما كانت تحضنني، لم تملأ هذا الفراغ الذي أشعر به." انزلقت دموعٌ ساخنة على قناعه الأسود. "في الليالي الباردة، كنتُ أتساءل: هل أمي فكرت بي يوماً؟ هل تساءلت كيف أصبحت؟ هل... هل أحبَّتني من البداية؟ هل احتضنتني ولو لمرةً واحدة قبل أن تتركني؟ أم أنها كانت مجبرة على هذا الفراق؟" ارتجف صوته. "أن تكون بلا أمّ يعني أن يكون لديك أسئلة بلا إجابة في قلبك طوال العمر... كل سؤال منهم يترك أثرٍ عميق و مؤلم." جثا على ركبتيه أمامها فجأة، كطفلٍ ضائع. "أحياناً أتمنى لو أنني لم أُولَد قط، بدلاً من أن أكون جرحاً في ذاكرة امرأةٍ لا أعرف اسمها... ولا أعرف إن كان سبب تركها ليّ بإرادتها أمّ لا." مدَّت إيديث يدها المرتعشة، ووجدت وجهه المقنع. بدأت تلمس ملامحه برقَّةٍ تفوق الوصف. "يا ولدي... يا حبيبي..." أزال القناع ببطء، ووضع رأسه على فخذها. بدأت تداعب شعره البني الداكن بأصابعها النحيلة. "كان لي ابناً... في زمنٍ مضى." همست بصوتٍ مكسور. "طفلٌ رضيعٌ وجميل... حملته بين ذراعيَّ أياماً قليلةً فقط. كانت عيناه جميلتين... لونهما يلامس الروح والقلب." رفع ألفارد رأسه. "أين هو الآن؟" "ضاع في البحر... أو ربما مازال على قيد الحياة في مكانٍ ما." دموعها سالت على خدَّيها المجعدين. "كل يومٍ أتساءل: كيف حاله إن كان على قيد الحياة؟ هل هو سعيد؟ هل لديه من يحتضنه عندما يخاف؟" "وأنا أتساءل كل يوم: إن كانت أمي على قيد الحياة هل تذكرني؟ هل تندم على فراقي؟" احتضنته بقوةٍ مفاجئة. "أتمنى لو أراك... وأعرفك... لكنني فاقدة للبصر، و فقداني للبصر هذا عقابي لأنني تركتُ يدي ترتخي عنه للحظة." "وربما عمري كُلُّهُ كان عقابٌ لأنني وُلِدتُ منذ البداية." قال وهو يضمها. "لا، لا تقل هذا." دفعت كتفيه بلطف. "أنت شرفٌ لأيّ امرأةٍ أن تدعوك ابناً لها. أنت قلبٌ نابضٌ بالعدل في زمنٍ اختنق بالظلم." جلسا ساعاتٍ يتحدثان، يعوض كلٌّ منهما فراغ الآخر. كانا بحرين من الألم التقيا أخيراً بعد سنواتٍ من العزلة. وعندما غلبته عيناه، نام ألفارد ورأسه في حجرها، كطفلٍ وجد أخيراً ما حُرِمَ منه طوال حياته. ندوب الوجه وجراح الكبرياء: كان الجناح الطبي في القصر مكاناً بارداً ينضح برائحة الأعشاب الجافة والمراهم. ضوء الشموع المتذبذب يلقي ظلالاً متعرجة على الجدران الحجرية، كأشباح تراقب المشهد. على سرير من الجلود، جلس هيليوس، وجهه مشوهاً بثلاثة جروحٍ غائرة تسيل منها الدماء. الحكيمة الشابة، بيدين مرتعشتين، كانت تحاول تطهير الجروح بمحلول ملحي. "تحركي بلطف، أيتها الحقيرة!" زأر هيليوس بينما كانت يدها تلامس الجرح. عند المدخل، وقف فاروس متكئاً على عامود، صدره ما زال يحمل ندوب مخالب الصقر القديمة، كتذكار دائم بالإهانة. "الجراح تلتئم، لكن العار يبقى." قالها بصوت خفيض ممتلئ بالمرارة. "اصمت!" انفجر هيليوس. "لو كنتَ أقوى لما تركتَ هذا الوغد يفلت من يديك أول مرة!" "وأنت أين كنت عندما مزق وجهك، هــا؟! كنت تهرب كالفأر." كانت حدة الصوت تجعل الحكيمة ترتجف، أصابعها تزداد رعشة مع كل كلمة حادة تتبادل بين الرجلين. فجأة، انفتح الباب بصمت. دخل فاليريان، ملابسه السوداء تبتلع الضوء من حوله. وقف وسط الغرفة، عيناه الخضراوان تنتقلان بين الوجوه الجريحة والمهانة. "مشهدٌ مؤلم." قال بصوته الناعم الذي يحمل تحت سطحه برودة الحديد. "قادة جيش إيفرونيا العظماء، يجمعهم عارٌ مشترك." "إنه شيطان، ليس رجلاً عادياً!" قال هيليوس وهو يلمس وجهه المدمى. "يظهر من العدم كالضباب، ويختفي كالشبح!" "وهو ليس وحيداً." أضاف فاروس. "معه رجلان: واحدٌ قوي كالدب، وآخر ماكرٌ كالثعلب." سار فاليريان ببطء نحو النافذة، ظهره للرجلين. "لقد تحول هذا الصقر من مجرد عائق إلى تهديد حقيقي. الشعب بدأ يتخذه بطلاً، والجنود يخافون منه، والضرائب لا تصل إلينا." "ما خطتك سيدي؟" سأل هيليوس وهو يدفع يد الحكيمة بعيداً عن وجهه. التفت فاليريان فجأة، عيناه تتقدان بشرارة مريبة. "الصياد الحقيقي لا يطارد الفريسة، بل يجعل الفريسة تأتي إليه." "وكيف ذلك؟" ابتسم فاليريان تلك الابتسامة التي لا تصل إلى عينيه. "كل بطل لديه نقطة ضعف. وهذا الصقر... لديه قلب. والقلوب سهلة الكسر." "أنت تقصد..." رد فاروس. "أقصد أننا سنخلق طُعماً لا يستطيع مقاومته." قطع عليه فاليريان. "قرية صغيرة... عائلة مسكينة... شيء يثير عدالته النبيلة." "فخ." همس هيليوس وعيناه تضيئان بالشر. "ليس فخاً عادياً." قال فاليريان وهو يخرج مخطوطاً جلدياً من جيبه. "سنستخدم شيئاً أقوى من الفخاخ. سنستخدم الذكاء والمكر للإيقاع به." "وماذا عن الرجلين الآخرين؟" "سيتبعانه إلى مصيرهما." قال فاليريان ببرود. "الطيور التي تطير معاً... تسقط معاً." أومأ الرجلان، وأخيراً بدأ الأمل يعود إلى عينيهما. لكن الحكيمة الشابة التي كانت لا تزال تقف في الزاوية، يداها ترتعشان أكثر من ذي قبل. لقد سمعت كل شيء. وعندما التقت عيناها بعيني فاليريان للحظة، شعرت كأن ثلجاً ينساب في عروقها. "أما أنتِ يا عزيزتي..." قال فاليريان وهو يقترب منها. "ما سمعتيه هنا... يبقى هنا. وإلا... فـ قرية والديكِ البعيدة قد تتعرض لحادث مؤسف." هزت رأسها بسرعة، الدموع تملأ عينيها. بعد أن غادر فاليريان، التقت نظرات هيليوس وفاروس. لأول مرة، كانا متفقين على شيء: يجب أن يموت صقر العدالة. والمستشار لديه الخطة التي ستجعل هذا الحلم كابوساً حقيقياً. لقاء تحت أشجار السرو: كانت حديقة القصر الداخلية تتوشح بصبغة المساء الذهبية، حيث أشجار السرو الطويلة تقف كحراس صامتين، وأزهار الياسمين المتسلقة تفوح بعطرها الخفيف الذي يمتزج برائحة التراب الرطب بعد سقاية الحدائق. جلس الأمير ليوس على مقعد حجري منحوت، ظهره المنحني يعكس ثقل العالم الذي يحمله على كتفيه النحيلين. عيناه العسليتان تحدقان في البركة الصغيرة حيث تسبح أسماك ذات ألوان متعددة، لكنهما لا ترَيان سوى انعكاسات أشباح ماضيه. "الأمير المريض..." همس لنفسه، كلمات فاليريان لا تزال تخترق قلبه كسكين بارد. "هل هذه أصبحت هي هويتي الجديدة؟" قدمت خطوات خفيفة على الأعشاب الناعمة. كانت الخادمة ليوريلا تحمل صينية فضية صغيرة عليها كوب الدواء الداكن وقنينة زجاجية. شعرها الأسود المجدول بعناية ينسدل على كتفيها، وعيناها البنيتان الواسعتان تحملان براءة لم تفسدها قسوة القصر بعد. "دواء المساء، سمو الأمير." قالت بصوت ناعم كحفيف أوراق الشجر. لم يلتفت إليها، بل أشار بإصبعه نحو الطاولة الحجرية بجانبه. "ضَعيه هناك." وضعت الصينية، لكنها لم تبتعد. لاحظت كيف كانت يداه ترتجفان، وكيف أن عينيه تحملان ذلك العمق الحزين الذي رأته مرات عديدة لكنها لم تجرؤ على التعليق عليه. "سمو الأمير... الجو بارد هنا. ربما من الأفضل أن تعود إلى الداخل؟" هز رأسه ببطء. "البرد الخارجي أفضل من دفء القصور." تجرأت خطوة صغيرة للأمام. "على الأقل دَعْني أحضر لك غطاءً." "أو... يمكنكِ الجلوس معي." قالها فجأة، مما جعل الصدمة بادية على وجه ليوريلا. أمير يدعو خادمة للجلوس معه؟! صمتت ليوريلا للحظة، عيناها تتسعان. "سموك... هذا غير لائق." "في هذه الحديقة، اللائق هو ما أختاره أنا." رفع عينيه إليها للمرة الأولى. "إجلسي." بتردد، جلست على حافة المقعد، جسدها متجهز للوقوف عند أول إشارة. "ما اسمك؟" سأل وهو يشرب الدواء المرّ بجرعة واحدة. "ليوريلا، سمو الأمير." "ليوريلا... اسمٌ لطيف." ابتسم ابتسامة خفيفة. "هل لكِ عائلة في القصر؟" هزت رأسها، عيناها تنخفضان. "لا... والدايّ ماتا في وباءٍ منذ سنوات. ولم يبقَ ليّ سوى أخي..." "أين هو؟" "لا أدري." صوتها ارتجف قليلاً. "اسمه إسفين. كان يعمل في التجارة، لكنني لم أره منذ أشهر. يرسل ليّ أحياناً رسائل عبر المسافرين، يقول إنه مشغول بتجارته." تجمد ليوس في مكانه: إسفين... الاسم نفسه الذي سمعه يتناقل بين الشائعات عن رجلَي صقر العدالة. لكن لا، هذا مستحيل. "إسفين... اسمّ نادر." قال محاولاً إخفاء اهتزاز صوته. "نعم، وكان دائماً يقول ليّ إنه سيكون معي." ابتسمت بمرارة. "والآن حتى رسائله توقفت." ساد صمت بينهما، لكنه لم يكن صمتاً محرجاً. كان صمتاً مشتركاً بين روحين تحملان فراقاً وألماً. "أنا أيضاً..." بدأ ليوس ثم توقف قليلاً. "أشعر بالوحدة رغم أن القصر مليء بالناس. الجميع يخافونني، أو يتطلعون لمنصبي، لا لشخصي." "أنا أفهم." قالت ليوريلا بصوت خافت. "في الليالي الطويلة، أتخيل أن أخي هنا، نتبادل الاحاديث كما كنا في بيتنا. هذه الأحلام هي ما تُبقيني صامدة." نظر إليها ليوس بعينين تفيضان بتعاطف حقيقي. لأول مرة منذ موت أمه، وجد شخصاً يتحدث معه بصدق، شخصاً يشاركه الألم لا ينتهزه فرصة للاستغلال. "شكراً لكِ، ليوريلا." قالها بصراحة غير معهودة منه. "لقد جعلتِ هذا المساء... أقل ظلمة عليّ." ارتفعت وجنتاها بلون وردي خفيف. "الشكر لك، سمو الأمير. لقد منحتني شرفاً لم أحلم به." عندما غادرت ليوريلا الحديقة، بقي ليوس جالساً في مكانه، لكن شيئاً ما كان قد تغير. كان هناك بصيص أملٍ جديد، ورابط غير مرئي بين مصيره ومصير تلك الخادمة اليتيمة... ومصير أخيها إسفين. القلب الحجري والإناء المكسور: كان سوق البلدة الصغيرة يموج بحياة متواضعة، حيث رائحة الخبز الطازج تتصارع مع عبق التوابل المُعلقة بأكياس قماشية. وقف ألفارد وإسفين أمام بائع الحبوب، يملآن كيسين من القمح والشعير بينما كان داريو واقفاً قليلاً بمعزل عنهما، جسده الضخم وعضلاته المفتولة تتناقض مع رقته الداخلية التي كانت تتجلى الآن. "انظر!" همس إسفين بذكاء المُراقب الحاد. "الدب الكبير قد وقع في الحب." تبادل ألفارد وإسفين نظرة معبرة. كان داريو يتابع بتركيزٍ مُذهل أستريا، ابنة تاجر الحبوب. كانت أستريا بشعرها الكستنائي المُضفّر بعناية وعينيها الخضراوين اللتين تشبهان بحيرتين في الغابة، تختار بتركيز إناءً فخارياً كبيراً يصلح لتخزين الزيتون. "هذا المشهد يدعو للسخرية." قال ألفارد مبتسماً. "جسد يُوقف الثور بلكمة واحدة، وقلبه يرتجف كعصفور صغير أمام فتاة!" "علينا مساعدته." قال إسفين وهو يدفع ألفارد بلطف نحو داريو. تقدم ألفارد إلى صديقه ووضع يده على كتفه العريض. "يا صديقي، ألا ترى أن الآنية ثقيلة على تلك الأيادي الناعمة؟" ارتجف داريو كمن أُصيب بصعقة. "ماذا... ماذا تقصد؟" "يقصد أن البطولة الحقيقية ليست فقط في ساحة القتال." قال إسفين وهو يشير إلى أستريا. "أحياناً تكون في حمل وعاءٍ فخاري." تحول وجه داريو إلى لون الطين الأحمر الذي تصنع منه الأواني. "لا أستطيع... ماذا سأقول لها؟" "لا تقل شيئاً." قال ألفارد. "بل أفعل شيئاً." بتردد يشبه جبل يتحرك ببطء، تقدم داريو نحو أستريا. ظله الضخم سقط عليها فالتفتت نحوه، عيناها الخضراوان تتسعان قليلاً. "هل... هل تحتاجين مساعدة في حمل هذا؟" خرجت الكلمات من فمه كصخور متدحرجة. نظرت إليه أستريا ثم إلى الإناء الكبير. "إنه ثقيل بالفعل. لكنك..." "دعيني أساعدك." قطع عليها كلامها، وانحنى ليرفع الإناء بين ذراعيه القويتين كما لو كان يحمل ريشة. لحظة من الصمت، ثم قالت أستريا بكلمات جعلت قلبه يدق كطبول الحرب: "يبدو أن الأواني الثقيلة تجد أخيراً من يحملها بقوة وحنان، شكراً لك على مساعدتك." ابتسم داريو ابتسامة عريضة ملأت وجهه. لكن في ذروة فرحته، تناسى ثقل الإناء في يده و انزلق من بين ذراعيه فسقط على الأرض الحجرية، محطماً إلى ألف قطعة. تحولت ابتسامته إلى ذهول. أستريا نظرت إلى الأنقاض الفخارية ثم إليه وقالت: "ربما الأواني تحتاج إلى الرقة أكثر من القوة، لكن ما فائدة هذا الكلام أمام جدارٍ صلب." ومشت مبتعدة، تاركة داريو واقفاً فوق الحطام كتمثال من العار. من بعيد، كان ألفارد وإسفين يحاولان كتمان ضحكاتهما، لكن اهتزاز أكتافهما كان يدل على المعركة الداخلية لتلك المحاولة. داريو التفت نحوهما بنظرة تخلط بين الحزن والاحتجاج الصامت، وفي عينيه سؤال واحد: ماذا أفعل الآن؟ اقترب ألفارد وإسفين من داريو الذي كان لا يزال واقفاً بين شظايا الفخار كشجرة ضخمة في وسط الدمار، وعيناه تحدقان في المكان الذي غادرت منه أستريا وكأنه يحاول استحضارها بقوة النظر. "لم تعد البضاعة موجودة لتُرد، لكن يمكن رد كرامتك." قال ألفارد لداريو وهو يدفع ببعض القطع النقدية لصاحب الدكان الذي كان يراقب المشهد بعينين متوسعتين. قال إسفين وهو يصفع كتف داريو بلطف: "في المرة القادمة، دع الفخار على الأرض وارفع الروح الرومانسيه بدلاً منه." خرج الثلاثة من السوق، يحملون مؤنهم، بينما كان داريو لا يزال يلتفت إلى الوراء بين الحين والآخر. "لطالما كانت معادلة الحب غامضة." قال ألفارد مبتسماً. "لديك قوة تحطم الجدران بقبضتك... لكن من مجرد نظرة عين تتحول إلى عصفور صغير." "أغرب من ذلك أن يكون لديك قلب من حجر يذوب كالشمع من كلمة واحدة." أضاف إسفين. بينما كانوا يسيرون على الطريق الترابي المؤدي إلى الجبل، حول ألفارد الحديث إلى موضوع أكثر خطورة. "بالمناسبة... ماذا عن مراقبة القصر؟ هل تمكنت من معرفة أي شيء جديد؟" تنهد إسفين، ونظرة من القلق العائلي مرت على وجهه. "في الحقيقة، لدي مصدر داخل القصر لا يحتاج إلى مراقبة من بعيد." "مصدر؟" "أختي، ليوريلا." قال إسفين بصوت منخفض. "هي تعمل خادمة في جناح الأمير ليوس." توقف ألفارد في منتصف الطريق. "أختك؟! ولماذا لم تخبرنا من قبل؟" "لأنني أحاول إبعادها عن هذا كله." رد إسفين بصراحة. "لكن الوضع أصبح ضروري. لقد أرسلت إليها رسالة أخيرة أطمئن فيها عليها، وطلبت منها أن تراقب الأجواء، لكن بحذر شديد. هي فتاة ذكية، ولديها عيون واعية." داريو الذي كان يصغي بهدوء، قال: "وهل يمكن الأعتماد عليها؟" "بالطبع." قال إسفين بحزم. "لكنني لا أعتمد عليها وحدها. لدي طريقتي الخاصة أيضاً. بعض الخدم الذين يكرهون فاليريان، وحارس البوابة الشمالية." "وماذا علمت؟" سأل ألفارد باهتمام متزايد. "الوضع معقد... الملك ثيودور..." قال إسفين وهو يخفض صوته. "يبدو أنه ليس راضياً عن كل ما يحدث، لكنه مقيد. الملكة أورسولا وفاليريان يتحكمان فعلياً في دفة الأمور. والأمير ليوس... يبدو وكأنه سجين في قصره." "سجين؟!" توقف ألفارد مرة أخرى، تذكّر حلمه. "نعم. مرضه يُستخدم كذريعة لعزله. ولا أحد يُسمح له بالاقتراب منه إلا الخدم المختارين بعناية، ومن بينهم ليوريلا." داريو هز رأسه. "يبدو أن القصر أشبه بخلية نحلٍ مسمومة." "وأكثر من ذلك." أضاف إسفين. "هناك شائعات عن خطة ما. فاليريان يجمع قواتٍ خاصة موالية له فقط، وليس للملك." ألفارد حدق في الأفق حيث كان القصر يلوح في البعد كحلم شاحب. "إذا كان ثيودور ليس العدو الحقيقي، فربما نكون نحن من يحتاج إلى تغيير استراتيجيتنا." "ماذا تقصد؟" "أعني أننا نحتاج إلى حليفٍ داخل القصر نفسه وهذا ضروري." قال ألفارد ببطء. "وإذا كان الأمير ليوس فعلاً سجيناً وضحية مثلنا... فقد يكون هو ذلك الحليف كما تحدثتُ سابقاً، أو ربما... والده يكون كذلك، وهذا سيكون تحالف قوي لنا." نظر إسفين وداريو إلى بعضهما، ثم إلى ألفارد. الفكرة كانت خطيرة، بل ومجنونة. لكن في عالمٍ أصبحت فيه الخطوط بين الأبطال والأعداء غير واضحة، ربما كان الجنون هو الحكمة الوحيدة المتبقية. حوار الملك مع أشباحه: كان جناح الملك ثيودور يغرق في صمت ثقيل يقطعه فقط صوت الشموع المشتعلة. جلس على كرسيه العالي بجانب المدفأة، لكن دفء النار لم يستطع اختراق البرودة التي تسكن عظامه منذ سنوات. بين يديه، تقارير عن انتهاكات جديدة بإسمه: قرى أُحرقت، ضرائب مُجحفة، عائلات أُبعدت عن أراضيها. كل ورقة كانت تشعله بالعار. "بإسم الملك..." همس لنفسه بصوت أجش. "لكن أي ملكٍ أنا؟ ملك من ورق يتحكم فيه خيطان: أمي الخائفة على سلطتها، ومستشارها الطامع في عرشي." فجأة، ارتفعت صورة في ذهنه: صقر العدالة. ذلك الفارس المجهول الذي يثير الرعب في قلب فاليريان، والأمل في قلب الشعب. الذي يواجه الظلم بقوة لم يعد يملكها هو. "العدالة..." كرر الكلمة كما لو كان يتذوقها لأول مرة. "شيء تخليت عنه منذ أن تخليت عن إيديث و... رايدن." اسم ابنه الرضيع المر على لسانه. رايدن الذي لم يحمله بين ذراعيه ولو مرة واحدة، الذي دفعه بعيداً خوفاً على عرشه، ودفع به إلى الموت بيد فاليريان. ثم، كالبرق، ارتفعت صورة أخرى: الطفل في حفل زفافه. تلك العيون العسلية ذات الخطوط الزرقاء، ذلك الوجه الذي شعر تجاهه بحنان غريب، كأنما يعرفه من مكان بعيد في روحه. "الطفل... وصقر العدالة..." راح عقل الملك ينسج خيوطاً وهمية. صوت في رأسه: "ماذا لو كان الطفل الذي حملته هو نفسه الفارس الذي يواجه ظلمك الآن؟" صوت آخر: "هذا جنون! كيف لطفلٍ فلاح أن يصبح مقاتلاً بهذه المهارة؟" الصوت الأول: "ولكن العيون... تلك العيون النادرة..." الصوت الثاني: "آلاف الناس قد يكون لديهم عيون مماثلة!" أمسك ثيودور رأسه بين يديه. "أنا أصبحت مجنوناً! أخلق أحلاماً لتعويض فشلي!" وقف فجأة ومشى بخطوات مضطربة نحو النافذة. سماء الليل كانت مليئة بالنجوم، كعيون تراقبه. "حتى لو كان هذا خيال... حتى لو كان صقر العدالة مجرد فتى بسيط... فهو ليس عدوي." قال بصوت أعلى هذه المرة، متحدياً الأشباح في رأسه. "فاليريان عدوي. والضعف الذي سمحت له بالنمو في داخلي عدوي أيضاً." التفت نحو مكتبه القديم، حيث كانت خريطة المملكة منتشرة. نظر إلى الأماكن التي ظهر فيها الصقر: القرى الحدودية، أسواق الحرفيين، الطرق النائية. "إنه يحمي الضعفاء... الذين فشلت أنا في حمايتهم." شعور بالذنب الممزوج بالأمل غمره. بدأت خطة تتشكل في ذهنه. خطة خطيرة قد تكلفه عرشه، أو حتى حياته. "إذا كان صقر العدالة هو الحل... إذا كان هو الأمل الذي فقدته إيفرونيا... فأنا بحاجة إليه. لا كعدو، بل كحليف." فتح درجاً سرياً في مكتبه وأخرج رقعة جلدية وأقلام ريشٍ خاصة. بدأ يكتب رسالة إلى قائد حرسه السابق، لكنه توقف. لا، المراسلة المباشرة خطيرة جداً. فاليريان يراقب كل شيء، بالأضافة ماذا سيقول؟ عن شخصٍ مجهول الهوية لا يعرف حتى إسمه الحقيقي؟ "هذا صحيح، البحث عن هويته أولاً قبل الإعلان عن نية التحالف." همس وهو يطوي الرقعة. "إذا عرفت من يكون... يمكنني الوصول إليه. يمكنني... التحالف معه لإنقاذ المملكة." "سأبحث عنك، أيها الصقر." قال وهو يحدق في النافذة. "سأجدك قبل أن يجدك فاليريان. وقبل أن تُدمر مملكتي على يده..." وفي تلك اللحظة، شعر الملك ثيودور بشيء لم يشعر به منذ سنوات: هدف. ربما كان متأخراً جداً، وربما كانت محاولة يائسة لملك فاشل. لكنها كانت محاولة. كما أن في زاوية بعيدة من قلبه، بقي سؤال يطن كالنحل: ماذا لو كان صقر العدالة حقاً هو رايدن؟ ماذا لو كان ابنه المفقود قد عاد لينقذه من نفسه؟