صقر العدالة - الفصل الرابع:قلب رخام و ريش فولاذ - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: صقر العدالة
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الرابع:قلب رخام و ريش فولاذ

الفصل الرابع:قلب رخام و ريش فولاذ

صحوة أميرٍ حزين: كان الفجر ينسج خيوطاً ذهبية على أطراف قلعة إيفرونيا عندما دخل الملك ثيودور جناح ابنه بحذر، خطواته ثقيلة كحمال يحمل هموم المملكة على كتفيه. أراد الاطمئنان على ليوس بعد هذا اليوم الحزين، لكن ما لم يتوقعه كان هذا المشهد المروع الذي وجده. "ليوس!" انطلق صوت ثيودور مبحوحاً بالرعب. كان الأمير الشاب ممدداً على الأرض الباردة كزهرة ذابلة، وجهه شاحب كالرخام وعيناه مغلقتان. ركض ثيودور إليه وأمسكه بين ذراعيه، يحاول أن يهزّه بلطف. "استيقظ يا ولدي، ماذا حدث لك يا ليوس؟!" لم يكن هناك استجابة سوى تنفس ضحل متقطع. صرخ ثيودور للحرس: "أحضروا الحكيم! اسرعوا!" لم تمر دقائق حتى دخل فاليريان، يليه الملكة أورسولا، ثم الحرس الذين حملوا ليوس بلطف ووضعوه على سريره. كانت أورسولا تقف كتمثال من جليد، بينما كانت عينا فاليريان تلمعان بفضول مريب. دخل الحكيم إلدريد، رجل عجوز تجعد وجهه كورقة شجر قديمة، لكن عينيه كانتا حادتين كالصقر. فتح حقيبته وبدأ بفحص ليوس، وضع أذنه على صدره ثم فحص نبضه. "القلب... إنه يتخبط كطائر جريح." همس الحكيم. أمر الخادمة بإحضار الماء الدافئ وأوراق النعناع، ثم بدأ بتحضير دواء معقد من أعشاب جبلية. مزج مسحوقاً ذهبياً مع عصارة نادرة من نبات آخر وعسل جبلي، ثم سقى ليوس ببطء. بعد دقائق من الانتظار المتوتر، فتح ليوس عينيه ببطء. "أبي..." همس بصوت ضعيف. التفت الحكيم إلى ثيودور: "جلالتك، إن الأمير يعاني من ضعفٍ خطير في عضلة القلب. الحزن والأرق زادا حالته سوءاً." "هل يمكن علاجه؟" سأل ثيودور بصوت مرتجف. "المرض لا شفاء منه، لكن يمكن السيطرة عليه." أجاب الحكيم وهو يكتب وصفة. "عليه تجنب الانفعالات، وأخذ هذه الأعشاب ثلاث مرات يومياً، والراحة التامة." بعد أن غادر الحكيم، تقدمت أورسولا نحو السرير. "يبدو أن الضعف وراثي في ذريتك، ثيودور." قالتها بنبرة حادة كالسيف. أما فاليريان فأضاف: "معذرة جلالتك... لكن المملكة تحتاج لقائد قوي، لا لأميرٍ مريض." غادر الاثنان الغرفة، تاركين ثيودور وحيداً مع ابنه. بقي الملك جالساً بجانب السرير لساعات، يمسك بيد ليوس، ويذكر الخدم بأن لا يتركوه وحيداً للحظة. عندما نام ليوس أخيراً، انحنى ثيودور وقبل جبينه. "سأحميك يا ولدي، أقسم أنني سأحميك." لكن بينما كان يغادر الغرفة، شعر ثيودور بأن قلبه ينقسم إلى نصفين: نصف يحب ابنه، ونصف يخاف على مملكته من مستقبل مجهول. تحليق فوق الهموم: كان جبل الصدى الصامت يشهد تدريبات قاسية في ذلك الصباح. ألفارد كان يهاجم كتلة صخور ضخمة بقبضتيه العاريتين، كل ضربة تترك أثراً دامياً على يديه من ملامسة جسده للحجر. عرقه كان يتصبب بغزارة على جبينه، وعيناه العسليتان ذات الخطوط الزرقاء تشعان بتعاسة غاضبة. "كفى يا صديقي!" قال داريو وهو يحاول إمساك ذراع ألفارد. "لن تحل المشاكل بتحطيم يديك!" إسفين وقف على بعد خطوات، عيناه تراقبان المشهد بقلق. "إنك تعذب نفسك منذ ساعات. هذا ليس تدريباً، هذه عقوبة ذاتية." لكن ألفارد لم يستمع. استمر في ضرب الصخر حتى تورمت يداه وتشققت مفاصله. كان يحاول أن يشغل جسده عن ذلك الحلم الذي لم يغب عن ذهنه، عن صورة الأمير الشاب الذي يسقط في الظلام. فجأة، توقف ألفارد واتجه نحو أحد الصقور العملاقة التي كانت تراقبه من على قمة صخرية. الطائر الضخم، الذي كان يجلس بهدوء كتمثال حجري، انحنى برأسه عندما اقترب منه ألفارد. "ماذا تفعل؟" صاح داريو مذعوراً. بدون أن يلتفت، قفز ألفارد على ظهر الصقر العملاق. "أحتاج إلى أن أرى الأمور من الأعلى! لعل رأسي تكف عن هذا الضجيج!" بإشارة واحدة، نشر الصقر جناحيه الضخمين اللذين يحجبان ضوء الشمس، وارتفع في الهواء بضربة قوية أحدثت دوامة هواء جعلت داريو وإسفين يتراجعان إلى الوراء. صقر ألفارد الصغير، آرس، حلّق بجانبهما كظلاً وفياً. في الأعلى، حيث الهواء بارد ونقي، أغلق ألفارد عينيه. شعر بريح الجبال تنظف روحه من الغضب والألم. من علٍ، بدأت مشاكله تظهر صغيرة، وبدأت صورة الأمير ليوس في حلمه تتضح أكثر. "ما خطب هذا الفتى؟! لماذا رأيته في منامي؟!" همس ألفارد للرياح. حلّق فوق قمم الجبال، ورأى القرى الصغيرة المنتشرة كحبات اللؤلؤ على الأرض، ورأى القصر البعيد يلمع تحت أشعة الشمس. لأول مرة منذ أيام، شعر بالسلام يدخل قلبه. بعد ساعة من التحليق، هبط الصقر العملاق مرة أخرى في الجبل. نزل ألفارد بوجه جديد، عيناه لم تعودا تعكسان الغضب بل التصميم. "لقد عرفت ما يجب علينا فعله." قال لأصدقائه. "وأي جنون جديد خطر على بالك هذه المرة؟" سأل إسفين بحذر. "علينا مراقبة الأمير ليوس." أجاب ألفارد بثقة. "ماذا؟!" صرخ داريو. "هل حرارتك مرتفعة لتهذي بهذه الكلمات أم أنك فقدت عقلك وأنت تطير؟" "اسمعاني." قال ألفارد وهو يجلس على صخرة. "ليوس ليس عدونا. هو ضحية مثلنا. وإذا كان فاليريان وأورسولا يكرهانه، فهذا يعني أنه قد يكون حليفنا." إسفين هز رأسه مبتسماً. "أحياناً أعتقد أنك مجنون. لكن في أغلب الأحيان، يكون جنونك رائعاً." "إذاً ما الخطة؟" سأل داريو بتوجس. "سنراقب القصر عن قرب. وربما... ربما إن سنحت لنا الفرصة، سنرسل له رسالة." قال ألفارد بينما كان آرس يهبط على كتفه، وكأنه يوافق على الفكرة. نسيج العنكبوت: في جناح الملكة أورسولا... كانت جالسة على كرسيها العالي، ظهرها مستقيم كالحربة، وعيناها الرماديتان تحدقان في النار المشتعلة في المدفأة. دق الباب بصمت، ثم انزلق فاليريان إلى الداخل كظل. وقف بانتظار الإذن بالكلام. "تحدث، فاليريان، أنت لا تحتاج لإذن." قالتها أورسولا دون أن تلتفت إليه. "وضع الأمير ليوس مقلق للغاية." بدأ فاليريان بصوتٍ ناعم كالحرير. "ضعف القلب... مرض خبيث وغادر." "الضعف وراثة من أبيه." قالتها ببرودة. "بالفعل." وافق بحكمة مزيفة. "لكن المملكة لا تستطيع تحمل فراغ العرش. الملك ثيودور لم يعد شاباً، وليوس... حسناً، من يعرف كم من الوقت قد منحه له القدر؟" رفعت أورسولا عينيها إليه ببطء. "ما الذي تقترحه؟" "المملكة كالسفينة في عاصفة هوجاء. تحتاج إلى قائد قوي." توقف قليلاً، ثم تابع بحذر. "لو حدث الأسوأ... من سيتولى العرش؟ لا وريث واضح." "هناك أبناء العمومة من عائلتنا." قالتها بلا اقتناع. "أبناء العمومة!" ضحك فاليريان ضحكة خافتة. "سيكونون دُمى في أيدي زوجاتهم النبلاء الطامعين بالعرش. ستدخل إيفرونيا في حرب أهلية تضعف من قوتها." شكلت أورسولا يدها على شكل قبضة. "ثيودور يجب ألا يسرف الوقت بالتفكير في ليوس، يجب أن يتزوج مرة أخرى." "ولكن هل سيفعل؟ حبه للصبي أعماه. وحتى لو تزوج، فسيستغرق الأمر سنوات لضمان وريث للعرش." ساد صمت ثقيل في الغرفة. كان فاليريان ينسج خيوط شبكته بحرفية. "هناك دائماً... خيار التعيين." قالها أخيراً. "مجلس النبلاء يمكنه اختيار ولي العهد إذا لم يكن هناك وريث مباشر." نظرت أورسولا إليه بشك. "ومن سيكون المرشح المناسب برأيك؟" "أنا لا أجرؤ على ترشيح أحد." قال بإحترام مزيف. "لكن يجب أن يكون شخصاً قوياً، حكيماً، ويضع مصلحة المملكة في المقام الأول. شخص يثق به الملك وجلالتك." "شخص مثلك؟" سألته بنبرة حادة. "لا! لم أقصد هذا!" رفع يديه متظاهراً بالصدمة. "أنا مجرد خادم لكم. لكن... ربما أحد النبلاء الموثوقين بهم الذين يدينون بالولاء للتاج." كانت عينا أورسولا تدرسان وجهه كما تدرس خريطة معركة. كانت تعرف لعبة القوة هذه جيداً، وكانت تلعبها منذ فترة أطول منه. "اتركني الآن، فاليريان." قالت وأدارت وجهها نحو النار. "كما تأمرين، جلالة الملكة." قالها وانسحب. بعد أن أغلق الباب، بقيت أورسولا تحدق في اللهب. كانت تعرف أن فاليريان كان يلعب لعبة خطيرة، لكن كلماته كانت تحمل حقائق مزعجة. مستقبل العائلة المالكة كان على المحك، وكان عليها أن تختار بين دماء ابنها الضعيفة، وقوة غريب قد يسرق العرش. في الممر، ابتسم فاليريان لنفسه. لقد زرع البذرة. الآن عليه الانتظار حتى تنمو. جسر من الصدق: كان منزل أوليفر ينبض بالدفء والبساطة. رائحة الخبز الطازج تمتزج مع عبق الزهور البرية في المزهرية على الطاولة. جلس ألفارد وكاليب مقابل بعضهما على كراسي خشبية، بينما وضعت أستريد أمامهما كوبين من شاي الأعشاب الساخن. "استمتعوا بالحديث معاً، يا أعزائي." قالت أستريد بابتسامة أمومية ثم تركت الغرفة. ساد صمت محرج. ألفارد يشرب رشفة من شايه، بينما كاليب يدير الكوب بين يديه متجنباً النظر المباشر. "كاليب..." بدأ ألفارد بصوت هادئ. "نحن نعرف بعضنا منذ كنا أطفالاً، و تربينا وكبرنا معاً. لماذا أشعر أن هناك جداراً بيننا؟" رفع كاليب عينيه الزرقاوين للحظة، ثم عاد لينظر إلى كوبه. "لا يوجد جدار." "بل هناك جدار." أصر ألفارد. "عندما كنا صغاراً، كنا نلعب معاً في الحقول، نساند بعضنا بعضاً، نأكل معاً ونتعلم سوياً. لكن الآن أنت تتجنب حتى مصافحتي، ونادراً ما تتحدث معي." "لقد كبرنا، وتغيرت الأمور." قال كاليب بصوت منخفض. "لكن الصداقة لا يجب أن تتغير." قال ألفارد بحرارة. "أنت كأخٍ ليّ، كاليب. وأريد أن أعرف ما يزعجك." لمدة دقيقة، لم يتحدث أي منهما. ثم بدأ كاليب يتحدث ببطء، كأن الكلمات ثقيلة على لسانه. "أتريد الحقيقة؟! حسناً... أنت دائماً الأفضل، ألفارد. الأقوى، الأذكى، الأكثر شجاعة. حتى والدي... أحياناً أسمعه يذكرك بإعجاب... دائماً يقارنني بك'انظر ألفارد ماذا يفعل' ' ياليتك مثل ألفارد' 'أنظر الى مواهب ألفارد' " توقف قليلاً. "أشعر كأنني أعيش في ظلك... وليس ليّ شخصيّ المستقل... وكأنني شيء لا قيمة له، مجرد مرآة تعكس خيبة الأمل فقط." اندهش ألفارد. "لكن أنت فنان موهوب يا كاليب! أنت من يصنع أجمل المنحوتات الخشبية في القرية. أنا الذي يجب أن يشعر أنه في ظلك، أنت تملك معرفة لأشياء لا أفقه فيها شيئاً." لم يكن كاليب يعلم أن الرجل الذي يحسده هو نفسه البطل الذي يعشقه في السر. هذه المفارقة جعلت الحوار أكثر عمقاً. "حقاً؟" قال كاليب مبتسماً لأول مرة. "لم أعتقد أنك لاحظت منحوتاتي." "بالطبع لاحظتها." قال ألفارد بحماس. "أنت ترى الجمال حيث لا يراه الآخرون. هذه هبة لا يمتلكها الكثيرون... أنت فقط تحتاج إلى الثقة، يا صديقي." بدأ الجليد بينهما يذوب. تحدثا عن ذكريات الطفولة، عن أحلامهما، عن مخاوفهما. لأول مرة منذ سنوات، كانا صريحين تماماً مع بعضهما. وفجأة، دق الباب. فتحت أستريد لترى إسفين واقفاً بالخارج. "معذرة على الإزعاج." قال إسفين بأدب. "هناك مشكلة في سوق الفخار. بعض البضائع تضررت أثناء النقل، وأحتاج إلى مساعدة، ألفارد." فهم ألفارد الرسالة الخفية. "بالطبع، سأساعدك." ثم التفت إلى كاليب. "أعتذر منك، يجب أن أذهب." "لا عليك." قال كاليب بابتسامة حقيقية. "شكراً... على هذا الحديث، يا ألفارد." بعد أن غادرا المنزل، سار إسفين وألفارد بسرعة. "ما الخطب؟" سأل ألفارد. "جنود الملك يهاجمون سوق الحرفيين." همس إسفين. "يطلبون ضرائب باهظة، ويهددون بتدمير متجر من لا يدفع." "أين داريو؟" "سأذهب لأجده. قابلنا عند مدخل السوق." انفصل الاثنان، كل منهما يتجه في طريق مختلف. ألفارد شعر بثقل المسؤولية، لكن أيضاً بشيء من الراحة. لقد بدأ في إصلاح شيء خاطئ في حياته، وهذا أعطاه قوة للمواجهة القادمة. ندبات على وجه الظلم: كان سوق الحرفيين يشبه خلية نحل تعرضت للدمار. أنقاض الأواني الفخارية المزخرفة تحت أقدام الخيول، والمنتجات الجلدية المدبوغة بعناية ممزقة بأطراف السيوف، وصراخ الصُناع يمتزج مع صهيل الخيول ونشيج الأطفال. في قلب هذه الفوضى، نزل القائد هيليوس من على صهوة حصانه، وجهه المُحاط بندوب قديمة يحمر غضباً، وعيناه تشعان بوحشية مفرطة. "الضرائب المستحقة يجب أن تُدفع فوراً! ومن يعترض سيدفع ثمن عصيانه بدمه!" كان هيليوس أضخم جسداً من فاروس، وأكثر شراهة للدماء. يداه العاريتان تمسكان بسوطه الجلدي كما تمسك الأفعى بفريستها. في ركن من أركان السوق، كانت هناك امرأة عمياء بشعر أسود تنتشر فيه خصلات بيضاء، تحاول أن تجد الطريق ف سمعت صوت المعاناة. "هذه أقوات الناس... لا يملكون شيئاً سوى هذا المصدر للرزق... أين الرحمة." دفعها أحد الجنود لتسقط بقوة على الأرض. "ابتعدي عن طريقنا أيتها العجوز!" لكن المرأة العمياء لم تتراجع. نهضت بثبات مذهل، وجهها المُحفور بالتجاعيد موجهاً نحو مصدر الصوت. "عارٌ عليكم! تُروعون أناساً لا يملكون قوت يومهم، وتختبئون وراء دروعكم الفاخرة! يا لكم من جبناء!" التفت هيليوس نحوها، عيناه تضيقان كشقين في جذع شجرة. "هل تعلمين مع من تتحدثين، أيتها العجوز النكرة؟" "أتحدث إلى رجل إستبدل قلبه بحجرٍ لا يلين!" ردت بصوت جهوري مفعم بقوة لا تتوقعها من امرأة في حالتها. أمسك هيليوس سوطه بشدة حتى ابيضت مفاصله. "سأعلمك كيف تتحدثين مع سادتك أيتها العجوز الحمقاء!" رفع سوطه في الهواء، ولكن قبل أن يهوي، انقضت عليه قبضة من فولاذ أمسكت بمعصمه. كان صقر العدالة ومعه صقره آرس على كتفه يصرخ بصيحة تشق عنان السماء. "الشرفاء لا يرفعون أيديهم على الضعفاء، بل يكونون درعاً لهم." قال صقر العدالة بصوته العميق الذي يشبه دوي الرعد. بلمحة عين، انتقل من حالة السكون إلى بركان من الحركة. استخدم قدرته على الانقضاض الصامت. سيفه انطلق من غمده كالبرق، وخنجره اللامع رسم دوامات في الهواء. "أيها الجبناء! اهجموا!" صاح هيليوس بجنوده. لكن صقر العدالة كان أسرع من البرق. بضربات سيفه المحكمة، كان يعطل حركة الجنود دون قتلهم، بينما خنجره كان يجرح أيديهم ويسقط سيوفهم ويسلبهم توازنهم. داريو دخل المعركة كالثور الهائج، يرفع الجنود ويقذفهم بعيداً وفأسه يضربهم دون أن يقتلهم، بينما إسفين كان يسحب الحرفيين وأسرهم إلى بر الأمان. بعد معركة شرسة، كان كل الجنود قد سقطوا ما عدا هيليوس. أمسك به صقر العدالة وضغط على رقبته حتى أزرق وجهه. "الآن سأريك معنى العدالة الحقيقية." همس في أذنه بنبرة قاتلة. لكن المرأة العمياء تقدمت، يداها تلمسان الهواء حتى وجدت ذراع صقر العدالة. "كفى يا بني. لا تدع غضبك يهوي بك إلى حافة الهاوية." لمست يده بلطف، وكانت لمستها ناعمة كالحرير. شعر بموجة من الهدوء تغمره، كأنها نسمة باردة في يوم قائظ. أطلق سراح هيليوس، لكن قبل أن يتراجع، أشار إلى صقره. انقض آرس ومخالبه الحادة تترك ثلاثة جروح غائرة على خد هيليوس الأيمن. "لتتذكر كلما نظرت إلى مرآتك أن عدالة الشعب أقسى من سيف الملك." قال صقر العدالة. بعد انتهاء المعركة، التفت إلى المرأة العمياء. "أين مسكنك؟ سأوصلك إلى بيتك." هزت رأسها بحزن. "ليس ليّ مأوى منذ زمن." نظر إليها ملياً، ورأى في عينيها الغائبتين حكمة تثير الدهشة. "إذاً ستأتين معي. لدي مكان آمن." أخذ بيدها وقادها بعيداً عن الأنقاض. بينما كانا يبتعدان، كانت تهمس بكلمات تثير الفضول: "القلوب الشريكة تجد بعضها حتى في أحلك الليالي." صقر العدالة لم يجب، لكنه شعر بأن هذه المرأة ستغير شيئاً في حياته. ولم يكن يعلم أنها كانت إيديث، التي فقدت كل شيء، لكنها وجدت في قلبه بطلاً لا مثيل له.