حين بدأ صوته يقترب
لم يتغيّر ينيس فجأة، ولم يقل شيئًا واضحًا يمكن أن يُسمّى اعترافًا، لكن وصال بدأت تشعر أن نبرته لم تعد كما كانت.
كأن بين كلماته مسافة تقلّ، وكأن حضوره صار أثقل… وأقرب.
في البداية، كان يكتب حين يتذكّر فقط، أمّا الآن فقد صار يسأل إن غابت، ويتأخر قلقه إن تأخرت.
ذات مساء، لم تفتح وصال الرسائل كعادتها، مرّت ساعات دون رد، وحين فتحت أخيرًا وجدت رسالة مختلفة:
كيف حالك ؟ بخير ؟؟
توقّفت قليلًا عند الجملة.
لم تكن سؤالًا عاديًا، بل كان فيها شيء من الاهتمام الصادق، شيء جعل قلبها يخفق أسرع من المعتاد.
أجابت بهدوء، تحاول أن تخفي فرحتها:
كنت ازاول دراستي
فجاء رده سريعًا، أسرع من كل المرات السابقة:
قلت يمكن صرالتك حاجة… تقلقت عليك
توقّفت أصابعها فوق الشاشة.
"قلقت."
كلمة صغيرة، لكنها ثقيلة المعنى.
منذ تلك الليلة، تغيّر إيقاع حديثه.
صار يسأل أكثر، يطيل البقاء، يرسل رسائل بلا سبب واضح، فقط ليطمئن أنها موجودة.
أحيانًا يرسل لها شيئًا بسيطًا من يومه، وكأنه يريد إشراكها فيه، ولو بجملة عابرة.
وكان صوته ـ حين يكتب ـ يبدو أقرب، أدفأ، أقل حيادًا.
ذات مرة قالت له مازحة إنها ستغيب قليلًا، فردّ دون تردد:
لا تتأخري تنرتاح كي نهدر معاك.
ارتجف قلبها عند تلك الجملة.
لم تقل شيئًا، لكنها أعادت قراءتها مرارًا، تخاف أن تكون فهمتها أكثر مما يجب، وتخاف في الوقت نفسه أن تكون فهمتها كما هي فعلًا.
بدأت تشعر أن تعلّقها لم يعد وحده في هذا الطريق.
لم يكن حبًا معلنًا، ولا وعدًا، ولا حتى اعترافًا، لكنه كان اقترابًا واضحًا، بطيئًا، حذرًا… كمن يخشى أن يخطو خطوة فيكسر شيئًا جميلًا.
وفي كل مرة يحاول فيها أن يبدو عاديًا، كانت نبرته تفضحه.
وفي كل مرة تحاول وصال أن تقنع نفسها أن الأمر مجرد اهتمام، كان قلبها يرد عليها بصمت:
"لا… هذا أكثر من ذلك."
لكنها، رغم دفء هذا القرب الجديد، شعرت بخوف خفي يتسلل إليها.
خوف من أن تتعلّق أكثر،
وخوف أكبر… من أن يتوقّف هذا الدفء فجأة.
فبعض البدايات، مهما كانت جميلة، تحمل في عمقها ظلّ حزن لا يظهر إلا لاحقًا.