حين بدا القلب يميل
لم تنتبه وصال إلى اللحظة التي تغيّر فيها كل شيء.
لم يكن هناك اعتراف، ولا حدث كبير، ولا كلمة واضحة تقول: ها أنتِ وقعتِ في الحب.
كان الأمر أهدأ من ذلك… وأخطر.
صارت تنتظر إشعار ينيس دون أن تعترف لنفسها.
تفتح الهاتف بلا سبب، تغلقه، ثم تعود إليه بعد دقائق، وكأن اسمَه قد يظهر فجأة من تلقاء نفسه.
وحين يكتب، تشعر بشيء دافئ يسري في صدرها، شيء يشبه الطمأنينة الممزوجة بالخوف.
كان حديثه بسيطًا، عاديًا جدًا، لكن طريقته في السؤال عنها كانت مختلفة.
يسألها كيف كان يومها، إن كانت متعبة، إن كانت بخير فعلًا لا مجاملة.
وكانت تجيب دائمًا بأنها بخير… حتى حين لا تكون كذلك.
بدأت تحفظ أوقاته، تعرف متى يختفي ومتى يعود، متى يكون مزاجه هادئًا، ومتى يرد بكلمات قصيرة.
صارت تبتسم دون سبب وهي تقرأ رسائله، وتعيد قراءتها أكثر من مرة، كأنها تخشى أن تضيع منها.
وفي كل مرة تقول لنفسها:
"لا تتعلّقي… هو مجرد شخص على شاشة."
لكن القلب لم يكن يسمع.
كانت تشعر أن حديثه يملأ فراغًا قديمًا لم تعرف اسمه من قبل.
فراغ الوحدة، أو ربما الحاجة لأن يهتم أحد بصمتها الطويل.
أما ينيس، فكان طبيعيًا… ثابتًا، لا يظهر أكثر مما يجب.
لطيف، محترم، لكنه لا يفتح قلبه، ولا يلمّح، ولا يقترب خطوة زائدة.
وكان هذا بالضبط ما جعل تعلقها يكبر بصمت؛ لأنها وحدها من كانت تشعر، وحدها من تنتظر، وحدها من تخاف.
في إحدى الليالي، تأخر في الرد.
مرت ساعة… ثم ساعتان.
كانت تنظر للهاتف كل دقيقة، ثم تضعه جانبًا محاولة التظاهر باللامبالاة، لكن قلبها كان يخذلها.
وحين عاد أخيرًا وكتب:
سمحيلي، كنت مشغول شوية.
شعرت براحة غريبة، أكبر من حجم الجملة نفسها.
ابتسمت، ثم غضبت من نفسها لأنها ابتسمت.
في تلك الليلة، أدركت شيئًا لم تكن تريد الاعتراف به:
أنها لم تعد تنتظر الحديث…
بل تنتظر هو.
وهكذا، دون وعد، دون اعتراف، ودون أي حق،
بدأ تعلّق وصال بين السطور، يكبر بصمت…
كزهرة تنمو في الظل، جميلة، لكن مصيرها مجهول.