القصر الملعون :ارث المحظية الذي اودى بالامبراطور وكل من معه - الفصل الخامس - بقلم بتول الجوهري - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: القصر الملعون :ارث المحظية الذي اودى بالامبراطور وكل من معه
المؤلف / الكاتب: بتول الجوهري
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الخامس

الفصل الخامس

(قصة حقيقية) الفصل الخامس لم يحمل الليل الجديد معه الظلام فقط، بل جلب شعورًا بأن القصر فقد آخر ما تبقى له من رحمة. لم تعد المشاعل تُشعل لتمنح الضوء، بل لتؤكد أن العتمة أقوى. ألسنة النار كانت ترتجف وكأنها تخاف مما يحيط بها، والدخان يصعد ببطء ثم يختفي قبل أن يصل إلى السقف، كأن القصر يبتلعه. من بقي من الخدم تجمعوا في إحدى القاعات الصغيرة، لا لأنهم شعروا بالأمان فيها، بل لأن الخوف في أي مكان آخر كان أشد. الإمبراطور شاومان سار في الممرات بلا هدف واضح، خطواته ثقيلة، وظهره منحنٍ رغم محاولته الحفاظ على وقار لم يعد يقنع أحدًا، حتى نفسه. كان يسمع صدى صوته متأخرًا، كأن الأرض تتردد قبل أن تعترف بوجوده. في إحدى الزوايا، لمح انعكاس امرأة على سطح برونزي مصقول، وعندما التفت لم يجد شيئًا، لكن قلبه انقبض بقوة، لأنه أدرك أن القصر لم يعد يحتاج إلى الظهور الواضح ليزرع الرعب. في تلك الليلة، بدأ الموت يختار ببطء، وكأنه يتذوق. أحد الحراس سقط أرضًا فجأة، يتلوى، وهو يشير إلى صدره صارخًا بأن شيئًا يتحرك داخله. لم يجرؤ أحد على الاقتراب منه، فقط وقفوا يشاهدون جسده يرتجف حتى سكن. عندما هدأ كل شيء، لاحظوا أن صدره لم يعد يرتفع، لكن عينيه بقيتا تتحركان، تتبعان شيئًا غير مرئي يدور في القاعة. في جناح آخر، استيقظت إحدى قريبات الإمبراطور على صوت تنفس قريب من أذنها، تنفس بطيء، منتظم، لا يشبه تنفس إنسان. حاولت النهوض، لكن جسدها لم يستجب، وكأن النوم قد تحول إلى شلل. رأت ظل امرأة ينحني فوقها، شعرها يتدلى كستار أسود، ووجهها غير واضح، لكن نظرتها كانت ثابتة. في الصباح، وُجدت ميتة، ووجهها يحمل نفس الهدوء المخيف الذي بدأ يتكرر على وجوه الموتى. الهمسات صارت أوضح. لم تعد مجرد أصوات بلا معنى، بل كلمات كاملة، تذكر أسماء، وتستعيد لحظات قديمة. بعض الخدم سمعوا قصصًا عن أنفسهم، أسرارًا لم يبوحوا بها لأحد. أدركوا أن اللعنة لا تقتل الأجساد فقط، بل تفتش الأرواح قبل أن تسحقها. كثيرون حاولوا الهرب، لكن من وصل إلى الأبواب الخارجية عاد وهو يصرخ، أقسم أن القصر يمتد إلى ما لا نهاية، وأن الخارج لم يعد موجودًا. شاومان، الذي كان يومًا سيد كل شيء، وجد نفسه محاصرًا بذاكرته. كل ممر يقوده إلى صورة من ماضيه، كل غرفة تذكّره بحكم ظالم أو قرار متسرع. في جناح الإعدام القديم، وقف طويلًا أمام الأرض التي سُفك عليها الدم، وشعر بشيء يتحرك تحت قدميه، كأن الأرض نفسها لم تنس. سمع صوتًا خلفه يهمس باسمه، ولم يحتج أن يلتفت ليعرف من المتكلم. مع اقتراب الفجر، خفتت الأصوات فجأة، وحل صمت أثقل من أي ضجيج. ذلك الصمت لم يكن علامة نهاية، بل استعداد. القصر كان يلتقط أنفاسه، وكأن ما حدث لم يكن سوى خطوة أخرى في طريق طويل لم يصل إلى ذروته بعد.