الفصل الرابع
(قصة حقيقية)
الفصل الرابع
استيقظ القصر قبل سكانه، كأنه لم ينم أصلًا. كانت الجدران تحتفظ ببرودة غير طبيعية، وبرائحة خانقة تشبه الرطوبة المختلطة بالحديد الصدئ. الضوء الذي تسلل من النوافذ العالية لم يكن كافيًا ليبدد الظلال، بل زادها وضوحًا، فجعلها تمتد على الأرض كأجساد ممددة لا تجد من يدفنها. الخدم الذين بقوا أحياء خرجوا من غرفهم ببطء، يتلفتون حولهم، وكل واحد منهم يحمل في داخله شعورًا غامضًا بأن هذا اليوم لن ينتهي كما بدأ.
الإمبراطور شاومان لم يعد يرتدي ملابسه الرسمية. جلس على طرف سريره، يحدق في يديه طويلًا، كأنه يراهما لأول مرة. كان يشعر بأن القصر لم يعد مجرد مكان يعيش فيه، بل شيء يراقبه، ينتظر حركته، ويحصي أنفاسه. منذ الليلة الماضية وهو يسمع صوت خطوات في الممر المؤدي إلى جناحه، خطوات ثابتة لا تتوقف عند الباب، بل تمر ذهابًا وإيابًا، وكأن صاحبها يعرف أنه لا يحتاج إلى الدخول.
حين خرج شاومان إلى القاعة الكبرى، لاحظ أن عدد الحراس أقل. بعضهم اختفى، وبعضهم طلب الإذن بالمغادرة ولم يعد. لم يعد أحد يجرؤ على السؤال، لأن كل سؤال كان يبدو كدعوة للموت. أحد الوزراء اقترب منه محاولًا التحدث، لكن صوته اختنق في حلقه عندما رأى آثار أظافر سوداء على الأعمدة الرخامية، آثار لم تكن موجودة بالأمس. حاول أن يقنع نفسه أنها مجرد تشققات، لكن شكلها كان واضحًا أكثر من اللازم.
في الجناح الغربي، حيث لم تطأ قدم الإمبراطور منذ سنوات، فُتح باب قديم من تلقاء نفسه. الهواء الخارج منه كان أبرد من باقي القصر، وكأنه قادم من مكان لا تصل إليه الشمس. دخلت خادمة شابة بدافع الفضول أو الجنون، ولم تخرج. عندما تجرأ الحراس على الدخول بعد ساعات، وجدوها جالسة على الأرض، ظهرها إلى الجدار، عيناها مفتوحتان بلا رمش، وعلى وجهها تعبير هدوء مرعب، كأنها رأت الحقيقة كاملة ولم تحتملها. لم يكن على جسدها أي جرح، لكن ظلها كان مختفيًا.
بدأ الهمس ينتشر بين من تبقى، ليس همس البشر، بل همس القصر نفسه. كلمات غير مكتملة، أسماء تُنطق ثم تختفي، وصوت امرأة يردد جملة واحدة مرارًا، بصوت خافت لكنه واضح بما يكفي ليزرع الرعب. بعضهم قال إن الصوت يأتي من تحت الأرض، من المكان الذي نُفذت فيه الإعدامات قديمًا. شاومان سمع الصوت أيضًا، وكان يعرفه، حتى لو حاول إنكار ذلك. كان نفس الهدوء، نفس النبرة التي لم تصرخ يوم حكم عليها بالموت.
مع حلول المساء، تغيّر ترتيب الممرات. باب يؤدي إلى غرفة الطعام صار يقود إلى جناح مهجور، وسلالم لا تنتهي إلا بجدار أملس. القصر لم يعد ثابتًا، وكأنه يعيد تشكيل نفسه ليحبس من في داخله. شاومان شعر بدوار شديد، ليس خوفًا فقط، بل إحساسًا عميقًا بأن المكان لم يعد يعترف بسلطته. كل خطوة كان يخطوها كانت تُقابل بصدى مختلف، كأن الأرض ترد عليه بسخرية.
في تلك الليلة، رأى الإمبراطور المحظية للمرة الأولى منذ إعدامها. لم تظهر فجأة، ولم تخرج من الظلام، بل كانت جالسة على العرش، في مكانه. لم تلتفت إليه، كانت تنظر إلى الأمام، كأنها تنتظر شيئًا. حاول الصراخ، لكن صوته لم يخرج. عندما تحرك خطوة نحوها، اختفت بهدوء، تاركة خلفها شعورًا خانقًا بأن هذا المكان لم يعد له.
وفي عمق القصر، حيث لا يصل أحد، بدأت اللعنة ترسخ جذورها، ولم يعد الأمر مجرد انتقام، بل شيء أكبر، شيء قرر أن يبقى.