الفصل الاول
(قصة حقيقية)
كان قصر الإمبراطور شاومان قائمًا منذ قرون، يعلو فوق الأرض كجرحٍ قديم لم يندمل، جدرانه العالية تحفظ أسرارًا أكثر مما تحفظ التاريخ، وأروقته الواسعة شهدت من الخيانات والدموع ما يكفي ليجعل الحجر نفسه يتنفس خوفًا. في ذلك القصر لم يكن الليل زمنًا للنوم، بل وقتًا تستيقظ فيه الهمسات، وتتحرك فيه الظلال بطريقة لا يجرؤ أحد على تفسيرها. كل من خدم في القصر كان يعرف أن الصمت هناك ليس علامة أمان، بل إنذارًا متأخرًا.
الإمبراطور شاومان لم يكن رجلًا ضعيفًا، لكنه كان قاسي القلب، يؤمن أن الخوف هو أفضل وسيلة للحكم، وأن الرحمة تفسد العروش. امتلك كل شيء يمكن لإنسان أن يمتلكه، الجيوش، الذهب، النساء، والسلطة، ومع ذلك ظل داخله فراغ لا يملؤه شيء. من بين عشرات المحظيات، دخلت إلى القصر امرأة لم يكن لها اسم واضح في السجلات، قيل إن أصلها من أطراف البلاد، وإنها جاءت هدية سياسية، لكن أحدًا لم يسأل عنها كثيرًا. كانت هادئة أكثر مما ينبغي، تنظر طويلًا دون أن تطلب شيئًا، وتبتسم في غير موضع الابتسامة.
في الأيام الأولى لم يحدث شيء، ثم بدأت التفاصيل الصغيرة تتغير. حارس البوابة الشرقية أقسم أنه رأى امرأة تمر في الممر بعد منتصف الليل، وعندما لحق بها لم يجد سوى برودة خانقة ورائحة غريبة تشبه التراب الرطب. خادمة سقطت مريضة فجأة بلا سبب، وعندما أفاقت قالت إنها رأت وجهًا بلا ملامح يقف قرب سريرها. لم يأخذ أحد هذه الأمور على محمل الجد، فالقصر اعتاد على الخرافات، والإمبراطور كان يكره سماع أي حديث عن اللعنات.
ذات ليلة، استدعى شاومان تلك المحظية إلى جناحه، وكانت تلك الليلة هي التي غيّرت كل شيء. دخلت ببطء، خطواتها لا تُحدث صوتًا، وجلست أمامه دون خوف. نظر إليها طويلًا وشعر بشيء غير مريح، كأن عينيها لا تنظران إليه بل من خلاله، كأنها ترى شيئًا خلفه لا يراه. سألها عن اسمها، فترددت لحظة ثم أجابت باسم لم يسمعه من قبل، اسمًا ثقيلاً خرج من فمها كأنه لا ينتمي إلى هذا الزمن. في تلك الليلة، أصدر الإمبراطور حكمًا ظالمًا، بدافع الغضب والشك، ولم يستمع إلى توسلاتها ولا إلى صمتها الذي كان أبلغ من أي كلام.
بعد تنفيذ الحكم، ظن شاومان أن الأمر انتهى، لكنه لم يكن يعلم أن بعض القرارات لا تموت، بل تنتظر. في الليلة التالية، سُمع صراخ من أحد الأجنحة، وعندما دخل الحراس وجدوا الوزير الأصغر ميتًا، جسده سليم لكن عينيه متسعتان كأنهما رأتا شيئًا لا يحتمله العقل. قال الأطباء إن قلبه توقف فجأة، لكن أحدهم لاحظ آثار أصابع داكنة حول عنقه، كأن شيئًا غير مرئي أمسكه للحظة واحدة فقط.
بدأ القصر يغرق في خوف صامت. الأبواب تُغلق وحدها، المشاعل تنطفئ دون ريح، والمرايا تعكس ظلالًا لا تقف أمامها أجساد. الإمبراطور نفسه بدأ يسمع خطوات خلفه في الممرات، وعندما يلتفت لا يرى أحدًا، لكنه يشعر بأنفاس باردة تلامس عنقه. حاول أن يتجاهل الأمر، أن يقنع نفسه أن ما يحدث مجرد أوهام، لكن الجثث لم تكن وهمًا.
في اليوم السابع، ماتت إحدى قريبات الإمبراطور داخل غرفتها المغلقة من الداخل، وعلى الجدار كُتبت كلمات بدم داكن لم يجف: العدالة لا تموت. عندها فقط أدرك شاومان أن القصر لم يعد ملكه، وأن شيئًا ما قد استيقظ، شيئًا يعرف الأسماء، ويحفظ الذكريات، ويبدأ بالقتل ببطء، واحدًا تلو الآخر.
وفي أعماق القصر، حيث أُعدم الظلم بصمت، كانت اللعنة قد بدأت رحلتها، ولم يكن هناك من يستطيع إيقافها.