الفصل السابع بعد المئة
" the writer Aridj "
.
.
.
على دنياه، كان قلبه كالشمس الخجولة، يتوارى خلف ستار من الغيوم، لا تزال مختفية عن أعين من حوله، مترددة بين دفء الأمل وحرارة الشوق ، كمن يخشى أن يكشف عن سر دفين. نهض بسرعة من مكانه الذي اعتاد أن يقبع فيه منذ صلاة الفجر، كمن يستفيق من حلم طويل امتد بين الليل والسكينة، متجهاً نحو الحمام ليغسل وجهه ويستعيد نشاط جسده، كأنه يمسح عن روحه أثقال النوم ويستعد لاستقبال يوم جديد.
بعد أن أنهى استحمامه، عاد إلى غرفته وفتح خزانته بعينين متفحصتين، فأخرج كنزة صوفية بلون رمادي فاتح، وسروال جينز واسع (wide leg) و كأن الملابس نفسها تحكي عنه شيئاً من شخصيته. ارتدى ملابسه بعناية، ثم توجه إلى المرآة ،خلل اصابعه بين خصلات شعره بخفة بعناية، وأشعل رذاذ عطره الرجالي القوي، ذلك العطر الغامض الذي يحمل بين طياته ذكريات الأماكن واللحظات الغالية، ويشبهه في غموضه وجاذبيته معاً.
ارتدى معطفه و حذاءه الأبيض، واستجمع نفسه للحظة، لكنه أفاق فجأة ليكتشف أنه نسي هاتفه. عاد أدراجه سريعاً، التقط الهاتف، وأدخله في جيبه، ثم نزل الدرج متجهاً نحو باب الخروج. شعرت قدماه ببرودة الأرض تحتها، بينما النسائم الصباحية تتسلل إلى صدره لتنعشه وتوقظ حواسه، وترافقه حتى وصل إلى الباب، حيث ادار المقبض بيده و
خرج إلى الهواء الصباحي، وشمس الصباح الباهتة تتسلل بين الأشجار، تصافحه خيوط الضوء الدافئة، وما إن هم بفتح باب سيارته، حتى رن هاتفه.
مد يده إلى جيبه، أخرجه، وابتسامة خافتة ارتسمت على وجهه عند رؤية الاسم على الشاشة، ليضغط على زر الرد، وكأن هذا الاتصال يحمل بداية يومه الجديد، ويبعث دفئاً على قلبه المرتعش بشوق
صعد إلى سيارته، وأخذ نفساً عميقاً يملؤه الصباح المبكر، وقال بصوت هادئ /صباح الخير يا أم طلال.
ردت والدته، وحرارة الحنان تغمر كلماتها /صباح النور يا حبيب أم طلال. كيفك؟ ليش ما تتصل على أمك؟ أهون عليك، تقطع ثلتك فيني.
ابتسم طلال لعتابها الذي يلامس قلبه، وقال /تعرفين يا تاج راسي، ما كنت بخير، بس الحين الحمد لله. وكمان جهزي نفسك عشان تخطبي لولد الغالي، على قولتك.
ضحكت والدته وابتسامة دافئة ترتسم على وجهها /إن شاء الله. إذا طلال راح يتزوج، ما عاد في حكي ثاني.
ابتسم طلال، وكأن المزحة البسيطة أضافت دفئاً لقلبه، لرتدف بمزاح /بس أنا ما شفت العروس، وانتَ واثق إني راح أوافق أخطبها لك؟
طلال /أخاف يا يمه، إذا شفتيها ما بتقدري تصبرين ليوم العرس وبتاخذيها معك.
ضحكت والدته وسألته بمكر /لهذي الدرجة يعني؟
ابتسم طلال، وعبرت في ذهنه صورة تلك الجميلة، فتلعثم بالكلمات/ وش راح أقول يا يمه، ما أقدر أوصفلك ياها.
صمتت الأم قليلاً وھي تبتسم لإبنھا العاشق ، قبل أن يواصل طلال حديثه بجدية، وهو يحاول كبح فرحة قلبه /يلا بحفظ الرحمن يا الغالية، مشغول الحين، بعدين أكلمك.
أغلق الخط بعد ان ودعته، وأعاد هاتفه إلى جيبه. ادار مفتاح السيارة، شغّل المحرك، وانطلق نحو منزل حبيبته، فيما قلبه يترقرق بلهفة وشوق يصعب إخفاؤه، والنسيم الصباحي يلامس وجهه ويوقظ حواسه.
:
:
في الجانب الآخر، كانت أماني تجلس على حافة السرير، مستغربة لتتساءل في نفسها/ وليش ما تذكرت؟
ضحكت تالين بعذوبة، وقالت بصوت هادئ يختلط بالمرح /شذى، ما كنت دايم هنا في السعودية، أغلب الأوقات في بيت جدتها بالرياض، لهالسبب ما تذكرتيها.
أماني /هااا، أوكي.
ابتسمت تالين، ثم التفتت إلى وعد وقالت بحماس يملؤه النشاط /يلا الحين نصحصح عشان نروح لبيتكم ونشوف وش جديدهم مع موعد العرس.
ثم التفتت إلى أماني بلطف /وانتي موني، ناخذك فطريقنا لشغلك ولا تفضلين تروحين لبيتكم؟
حركت اماني يدھا وابتسمت /فطريقكم للبيت، اخذ سيارتي وأطلع. ماني مستعدة أبداً لسوالف انخطبتي وما انخطبتي.
ضحكن جميعاً، ليقطع صدى ضحكاتهن رنين هاتف وعد. رفعت الهاتف وردت بابتسامة /هلو بروحي وحياتي وبعد روحي وقلبي.
ضحك رعد من الطرف الآخر، وبنبرة ساخرة /وش كل هذا؟ شكلك رايقة لأبعد حد.
ابتسمت وعد، وقالت بحزن مصطنع /آفا، تبيني وكأني أول مرة أقولك كلام حلو.
رد رعد مازحاً /يلا يا حبيبة رعد ، راح أجي أخذك، أمي تحتاجك يا عروس الغفلة.
ضحكت وعد بمرح /يعني ما راح تنسى… المفيد يا رعد، لا تعب حالك. راح أجي أنا وتالين مع خالد.
رعد ممازحاً /أنصحك يا أختي الغالية، نقصي طلعاتك مع الشلة، لا تخليني أتمشكل مع زوجك بسبك.
وعد بسخرية /ليه يا حبيبي؟ وش فيه زوجي؟ إذا ما عجبه، ما أحد أجبره ولا ضربه على يده.
رفع رعد حاجبه وقال بجدية وابتسامة خفية /مين لاعب بعقلك انتي ؟لا تكون أماني، إذا راح تتبعيها، راح تطلقين في أقل من خمس دقايق.
ابتسمت وعد بإبتسامة بريئة /فال الله ولا فالك يا لغالي. وش ذا ههه… على كل حال، أنا راح أجي مع خالد، احتاجه بموضوع ويعمل الله خير. يلا باااي.
رعد مبتسماً /سلام
رمت الهاتف على السرير، وقالت لتالين بمزاح /وين نلقى خالد؟
رفعت كتفيها وقالت مازحة /وكيف راح أعرف ؟أنا زوجته ولا أمّه، بشوفت عينك لا أنا هذه ولا هذه. أسألي لي جنبك.
التفت الجميع إلى أماني مبتسمين، فأدارت وجهها بسرعة وقالت /مستحيل! لا تبتسموا ولا شيء.
وعد برجاء طفولي /أهون عليك يا أماني.
كتمت أماني ضحكتها، وأدارت رأسها ناحية أخرى، فيما تالين بنفاد صبر حملت هاتفها واتصلت بخالد، الذي كان يغوص في وسادته، لم ينم منذ فترة قصيرة، فإذا بصوت رنين الهاتف يقطع هدوءه. مد يده إلى الهاتف على الطاولة الصغيرة بجانبه، فأجاب دون أن يفتح عينيه.
سمع صوتها الناعم /صباحو خلودي، وينك؟ لا تقول لسا نايم.
أجابها بسخرية /لا صاحي، استنى اتصالك.
ثم أضاف بحدة وبتنهيدة /تاكلي تبن، وش تبين من صبح الله؟
ضحكت تالين /أعصابك يباشا.
خالد بنعاس /تالين، كملي خليني أرجع أنام.
تالين بابتسامة مملوءة بالدعابة /يا ابن خالي الحبيب، كنت أريد منك تجي توصلنا، بس الظاهر راحت علينا.
خالد /لا يكون علبالك سواقك ياعمتي
تالين بغضب /عمى بعينك
وقبل أن يغلق، صرخت تالين /يبارد القلب! تخلينا طالعين لحالنا فالصبح!
خالد بدون نفس /ومين أجبركم تطلعوا؟ خليكم فالبيت.
تالين بشبه غضب، لكنھا ھدأت و قالت بمكر ودھاء /أوكي، يا خالد، لكان انتظر الرفض من الخطيبة الغالية.
تنهد خالد وقال /ربع ساعة أجي لعندكم، وإذا ما لقيتكم تستنون قدام الباب، راح أروح وأترككم.
رمت تالين له بقبلة صغيرة /خلودي شطور.
خالد بغضب /تالين، اقفلي أحسنلك.
أغلقت الخط بوجهه، والتفتت إلى وعد وأماني، اللتين كانتا تضحكان
وعد بين ضحكاتھا /ما شاء الله على كيد الحريم.
قامت تالين من السرير وقالت بمرح /إلا اماني الورقة الرابحة لي فيدي ههه.
خرجن من الغرفة، تاركات أماني تحمل حقيبتها لتلحق بهن إلى مائدة الفطور، حيث كانت أم تالين مبتسمة تقول /ها يا أماني، إن شاء الله تكوني ارتحتي بعد العملية.
ابتسمت أماني /الحمد لله يا خالة.
وضعت وعد كوب الكابتشينو الخاص بها وقالت /خالتي، راح تروحين معانا للرياض.
أومأت برأسها /أكيد، لازم نروح.
صرخت تالين فجأة، وهي تضرب رأسها بخفة /أووووو، نسيت أخبر خالد!
التفت الجميع إليها بدهشة وش نسيتِ؟
ضحكت تالين بمرح /نسيت أخبر خالد إن شذى جاية مع تركي .