الفصل الثالث: بين الحلم والحقيقة
القناع المكشوف:
كان الظلام يلف الحقل عندما عاد ألفارد إلى كوخ سيلاس. نزل من على حصانه الأسود بخفة ظل، وأشار إلى صقره آرس الذي أمسك بلجام الحصان بمنقاره الحاد وأدخله إلى الحظيرة ببراعة. تسلل ألفارد عبر نافذة غرفته، أنفاسه المتسارعة تملأ الغرفة الصغيرة.
بحركات سريعة كالبرق، خلع ملابسه الجلدية السوداء المليئة بغبار المعركة وقطرات الدماء. أمسك القناع الأسود بعناية ووضعه في صندوق خشبي مخفي تحت الأرضية، لكن زاوية منه بقيت عالقة خارج الصندوق دون أن ينتبه. ارتدى قميصاً ريفياً بسيطاً وسروال فضفاض، ثم ألقى بنفسه على السرير متظاهراً بالنوم.
لم تمر دقائق حتى فتح الباب بهدوء. دخل سيلاس حاملاً شمعة تتمايل في يديه المرتعشتين. تقدم نحو السرير بنظرة حانية، ثم توقفت عيناه عند الزاوية السوداء البارزة من تحت الأرضية. قلبه انقبض كأنه تعرض لضربة مفاجئة.
"ألفارد..." همس بصوت أجش.
لم يتحرك الشاب. تنفسه كان منتظماً متصنعاً أكثر من اللازم.
"ألفارد!" كرر الاسم بقوة أكبر.
عندما لم يستجب، اتجه سيلاس إلى الطاولة وأمسك بإبريق الماء الفخاري. بلا تردد، رفع الإبريق وأفرغ محتوياته على وجه الشاب النائم.
شهق ألفارد ثم قفز من السرير وهو يبصق الماء من فمه. "ماذا تفعل يا أبي؟!"
"أين كنت الليلة؟" سأله سيلاس بعينين تشعان بحكمة السنوات وقلق الأبوة.
"كنت نائماً هنا، كما ترى." حاول ألفارد تجفيف شعره المتقطر.
"لا تكذب عليّ!" صرخ سيلاس ممسكاً بزاوية القناع الأسود وسحبه من تحت الأرضية. "هل تعتقد أنني لا أعرف ما يحدث في القرى المجاورة؟ هل تظن أنني لا أسمع عن ذلك الفارس الغامض الذي واجه جنود الملك؟"
تجمد ألفارد في مكانه. عيناه العسليتان التقتا بعيني الرجل العجوز الحزينتين.
"أبي... أنا..."
"لا! استمع إلي جيداً!" قطع عليه سيلاس كلامه، صوته يرتجف بين الغضب والخوف. "لقد ربيتك منذ كنت طفلاً صغيراً. أنت كل ما أملك في هذه الحياة. هل تريد أن أفقدك كما فقدت جيونورا؟"
"لكن كان علي أن أفعل ذلك!" اندفع ألفارد بالكلمات. "كانوا يؤذون عائلة لا تملك حتى قوت يومها! أتريدني أن أجلس وأنا أرى الظلم ينتشر كالنار في الهشيم؟"
سيلاس أمسك بكتفي ابنه بقوة مفاجئة. "أنت شاب شجاع، وأنا فخور بك. لكن الفخر لا يمنع الموت! ما الفائدة من أن تكون بطلاً إذا كنت ستُقتل؟"
"الأفضل أن أموت بطلاً على أن أعيش جباناً!" رد ألفارد بعينين تلمعان بالتحدي.
لمعت دموع صامتة في عيني سيلاس. "أنت لا تفهم... أنت لست مجرد بطل للشعب... أنت ابني."
في تلك اللحظة، انكسرت قشرة البطولة التي كان ألفارد يختبئ خلفها. رأى الخوف الحقيقي في عيني الرجل الذي رباه، الذبول البطيء في ملامحه، والشيب الذي زحف إلى شعره بسبب السهر عليه.
"أنا آسف..." همس ألفارد، صوته منخفضاً كأنه طفل يعترف بخطئه. "لن أتسبب لك بالقلق مجدداً."
سيلاس هز رأسه ببطء، يده لا تزال ممسكة بكتف ابنه. "لا تعدني بما لا تستطيع الوفاء به. فقط... كن حذراً."
بعد لحظة من الصمت الثقيل، حاول ألفارد تغيير الموضوع. "ماذا عن العشاء؟ ماذا أعددت لنا الليلة؟"
"حساء العدس بالخضار." أجاب سيلاس ببساطة.
"حساء العدس؟ لكنك تعلم أنني لا أحب..." توقف ألفارد فجأة عندما رأى نظرة سيلاس. "أعني... إنه المفضل لدي!"
ابتسم سيلاس ابتسامة صغيرة. "كاذب! أنت تكره حساء العدس منذ كنت طفلاً. لكنني سأعد لك عجة البيض بالبصل التي تحبها."
خرج سيلاس من الغرفة تاركاً ألفارد وحيداً مع أفكاره. نظر الشاب إلى القناع الأسود في يده، ثم إلى الباب الذي خرج منه والده. في قلبه، كان يعرف أن المعركة بين الواجب والحب لن تنتهي بسهولة.
نهاية وميلاد في ليلة واحدة:
كانت قاعة الأجتماعات في قصر إيفرونيا تتألق ببرودة تحت ضوء الشموع. جدرانها البرونزية المصقولة تعكس أضواء الشموع كنجوم في ليلة شتوية. في وسط القاعة، جلس المستشار فاليريان على كرسي من الخشب وأمامه طاولة كبيرة من خشب الأبنوس، يدرس وثائق بينما أصابعه الطويلة تنقر على ذراع الكرسي بإيقاع مريب.
دق الباب بعنف، ثم انفتح ليدخل القائد فاروس متعثراً. ملابسه ممزقة، وعلى صدره ثلاثة جروح متوازية غائرة تشبه مخالب حيوان مفترس. الدماء المتجلطة حول الجروح شكلت هالة قاتمة على زيه الرسمي.
"سيدي..." همس فاروس بصوت مبحوح، "لقد فشلنا."
رفع فاليريان عينيه ببطء، نظرة البرودة القاتلة فيهما كافية لتجميد الدم في العروق. "ماذا حدث؟"
"ظهر شاب مقنع... ومعه صقر... ورجلان آخران." كانت كلمات فاروس تتقطع بين الأنفاس المتعثرة. "قال لي... أن أخبرك بأن الصقر قد خرج من عشه... ولن يعود حتى تتحرر إيفرونيا."
قام فاليريان فجأة، كظل طويل يمتد على الجدران. "كيف كان شكله؟"
"كان يرتدي قناع... كان على هيئة جناحي صقر. لم أرَ وجهه. لكن صوته... صوته مثل حفير الأجنحة في العاصفة."
اقترب فاليريان من فاروس، يداه المتشابكتان خلف ظهره. "أريد هذا الشاب... حياً أو ميتاً. لا أريد أي مقاومة في مملكتي. لا أريد أبطالاً بين هؤلاء الحثالة."
في تلك اللحظة، انفتحت الأبواب الكبيرة للقاعة لدخول الملك ثيودور. توقف للحظة، عيناه تدركان المشهد: فاروس الجريح، وفاليريان الغاضب.
"ماذا يحدث هنا؟ ما الأمر؟" سأل الملك، متظاهراً بالجهل.
"لا شيء، جلالتك مجرد حثالة يقاومون دفع الضرائب." أجاب فاليريان ببرودة. "لكنني سأتعامل مع الأمر."
"أعلم أنك ستتعامل معه بحكمة." قال ثيودور مبتسماً ابتسامة مصطنعة. "أنت دائماً مُنقذٍ لهذا العرش."
انحنى فاليريان انحناءة بسيطة. "شرف لي أن أخدم فخامتكم، يا مولاي."
بعد خروج فاليريان وفاروس، بقى ثيودور وحيداً في القاعة الشاسعة. سقط على كرسي بالقرب من النافذة، يداه ترتعشان. نظرة التظاهر بالغضب اختفت، وحلت محلها نظرة أمل مختلط بالخجل.
"أخيراً..." همس لنفسه، "ظهر من يوقف هذا الطاغية."
نظر إلى انعكاس صورته في زجاج النافذة. شعره الأشيب يتخلل الشعر الأسود، والتجاعيد تحفر جبهته. خمسون عاماً، ثلاثون منها كأسير في قصره بأسم الملك.
فجأة، دخلت خادمة الأميرة ديجينا، ثيابها البيضاء تتناقض مع ظلمة القاعة.
"جلالة الملك... الأميرة... حالتها تزداد سوءاً."
قام ثيودور مسرعاً، ناسياً كل شيء آخر. "أرسلي في طلب الأمير ليوس! فوراً!"
في جناح الأميرة، كانت ديجينا مستلقية على سريرها، شمعتها تكاد تنطفئ. في السابعة والأربعين من عمرها، كانت الأمراض قد أنهكت جسدها النحيل. عيناها البنيتان، اللتان كانتا يوماً مصدر فخرها، أصبحتا الآن بائنتين في محجريهما العميقين.
"ثيودور..." همست بصوت بالكاد مسموع.
أمسك بيدها الباردة. "أنا هنا، عزيزتي."
"ليوس... أريد رؤية ليوس."
"لقد أرسلتُ في طلبه. سيأتي قريباً."
نظرت إليه بعينين تائهتين. "هل... هل ستسامحني على كل ما فعلته بك؟"
انكمش قلب ثيودور. ذكرى إيديث وطفله المفقود راودته كشبح في الليل. "لا تتحدثي هكذا. سوف تتحسنين."
في هذه اللحظة، انفتح الباب ودخل الأمير ليوس مسرعاً. بشعره الأسود الكثيف وعينيه العسليتين الواسعتين، جلس على حافة السرير وأمسك بيد أمه.
"أمي... أنا هنا."
نظرت ديجينا إليه بصعوبة، نظرة حب وحزن امتزجت في عينيها. "بني... كن قوياً... وأكثر حكمة منا... لا تضعف، ليوس."
"لا تتحدثي وكأنكِ ستتركينني." قال ليوس وصوته يرتجف.
"أنا أعرف... أن ساعتي قد حانت، يا عزيزي." همست، ثم أدارت نظرها إلى ثيودور. "اعتني به... كما كان يجب أن تعتني بالآخر."
شحبت وجنة ثيودور. كانت تذكره بخطيئته القديمة.
أغلقت ديجينا عينيها، تنفسها أصبح ضحلاً. "أشعر... بالبرد..."
احتضنها ليوس بين ذراعيه، دموعه تسقط على وجهها الشاحب. "لا تتركيني، أمي! أرجوكِ! أتوسل إليكِ ألا تتركيني وحدي!"
لكن الحياة كانت تتراجع من جسدها ببطء. قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، همست: "اغفر لي... بني."
سقط رأسها إلى الخلف، وقد غادرت الروح جسدها.
صرخ ليوس بصوت مكتوم، حاضناً جسد أمه البارد. الخادمة وقفت في الزاوية تبكي بصمت. أما ثيودور، فبقي واقفاً كتمثال، عيناه جافتان لكن قلبه ينزف.
"قوموا بتجهيزها... كما يليق بمقامها..." قال بصوت أجش. "ودعوني وحدي مع ابني."
بعد أن خرج الجميع، جلس بجانب ليوس الذي كان لا يزال يحضن جسد أمه. وضع يده على كتفه.
"سأعتني بك... أقسم لك أنني لن أتركك وحيداً."
لكن في داخله، كان يعرف أن بعض الأخطاء لا يمكن إصلاحها أبداً. وأن بعض الذنوب تظل تلاحقنا حتى الموت.
نبأ في حقل القمح:
كانت شمس الصباح الباكر تنسج خيوطاً ذهبية على حقل القمح الواسع، حيث وقف سيلاس وسط السنابل الذهبية التي تموج كبحر تحت نسمات النسيم. بيديه المتشبثتين بالمنجل، كان يحصد بحركات إيقاعية متقنة، عرقه يتلألأ على جبينه المحروق تحت أشعة الشمس المتصاعدة.
من بعيد، ظهر أوليفر ومعه ابنه كاليب، يحملون سلة خوص مليئة بالخبز الطازج والجبن. "يا لجمال هذا الصباح!" نادى أوليفر بصوته الجهور الذي قطع سكون الحقل.
التفت سيلاس مبتسماً، ووضع منجله جانباً. "أوليفر! كاليب! ما أجمل رؤيتكما في هذا الصباح!"
كان كاليب بشعره الأشقر الكثيف وعينيه الزرقاوين، يبدو كنسخة شابة من أبيه. بيدٍ مرتجفة بعض الشيء، صافح سيلاس ثم نظر خلفه نحو الكوخ بترقب.
وكأنما استجاب لترقبه، انفتح باب الكوخ ببطء وخرج ألفارد وهو يتمدد كقط استيقظ للتو. عيناه العسليتان تتوسطان بهالات نوم عميق، وشعره البني الداكن يتطاير في كل اتجاه. "صباح الخير..." همس بصوت أجش.
"ها هو الأمير النائم قد استيقظ!" ضحك أوليفر بينما صافح ألفارد بحرارة.
أما كاليب، فكانت مصافحته أكثر حذراً، مع نظرة خاطفة سريعة إلى ألفارد ثم إلى الأرض. كانا يكبران معاً، لكن شيئاً ما كان دائماً يفصل بينهما كالشفافية السميكة.
جلسوا جميعاً على الارض، يتشاركون الطعام بينما تتصاعد أصوات طيور الحقل حولهم. كان أوليفر يحكي نكتة عن حصان جاره الهارب، عندما ظهر إسفين فجأة من بين سنابل القمح، أنفاسه تتقطع من شدة الركض.
"أسمعتم بما يجري؟ الأميرة... الأميرة ديجينا..." حاول إسفين التقاط أنفاسه. "لقد ماتت الليلة الماضية!"
سقطت قطعة الخبز من يد سيلاس. "ماتت؟"
"نعم! والمملكة كلها في حداد. الجنازة ستكون بعد قليل، وبحضور كل سكان إيفرونيا!"
في عقل سيلاس، عادت الذاكرة كالبرق: منظر الملك ثيودور وهو يحمل ألفارد الصغير في حفل الزفاف، نظرة الحنان في عيني الملك، والهدية التي أهداها لهم.
"سنذهب إلى الجنازة." قال سيلاس فجأة، صوته حازم.
ألفارد قفز وكأنه تعرض للدغ. "ماذا تقول، أبي؟! لا يمكنني الذهاب إلى هناك!"
"بل ستذهب." التفت سيلاس نحو ابنه، عيناه تحملان ذلك المزيج النادر من الحزم والحنان. "الملك كان طيباً معنا ذات يوم. هذه واجب المتواضع للعظيم."
"لكن..." حاول ألفارد الاعتراض.
"لا مكان للكن!" قطع سيلاس كلامه بنظرة أخيرة قاطعة. "أحياناً، يجب أن ننسى من نحن لنذكر من كنا."
أمسك ألفارد بكلماته وكتمها في صدره. نظر إلى إسفين الذي كان يهز رأسه بخفة، ثم إلى كاليب الذي كان يشيح بنظره.
"حسناً." قال ألفارد أخيراً، منكساً رأسه لإخفاء السخط في عينيه. "سنذهب."
نهض سيلاس وأوليفر لبدء التحضيرات، تاركين ألفارد وإسفين. عندما ابتعدوا، همس إسفين: "هذه فرصة لترى القصر عن قرب."
"أو أرى بشاعة وجه فاليريان." رد ألفارد بصوت منخفض.
في تلك اللحظة، مرت نسمة هواء خفيفة عبر الحقل، جاعلة سنابل القمح تتهامس كأنها تتشارك سراً عظيماً. وشعر ألفارد بأن الرياح تحمل معها تغييراً قادماً، تغييراً قد يقلب حياتهم رأساً على عقب.
جنازة كشف الاسرار:
كانت سماء إيفرونيا رمادية ذلك اليوم، كأنما الطبيعة نفسها تشارك المملكة حدادها. احتشد الآلاف في الساحة الملكية، يموجون كبحر بشري تحت الغيوم المنخفضة. في المقدمة، وقف النخبة على منصة مرتفعة: الملك ثيودور بشعره الأشيب متخلله خصلات سوداء، والملكة أورسولا بملابس سوداء ووجه كتمثال من جليد، والأمير ليوس بعينين محمرتين وجسد منهك يبدو و كأنه يحمل أثقال العالم كله.
وسط الجموع، وقف سيلاس وألفارد مع أوليفر وكاليب. كان ألفارد يرتدي ملابس فلاحية بسيطة عبارة عن سروال باللون البني وقميص باللون الأبيض الكريمي تحت سترة جلدية بسيطة باللون البني، لكن عيناه لم تكن عينا فلاح. كانتا تتنقلان بحدّة بين الوجوه على المنصة، تلتقطان التفاصيل الخفية.
"انظر إلى ليوس." همس ألفارد لأبيه. "كأنه شمعة على وشك الانطفاء."
رد عليه سيلاس بهمس. "معه حق يا بني، لقد فقد أغلى جوهرة لديه في الحياة. فقدان الأم لا توجد كلمات لوصف ألمه يا ألفارد."
صعد الملك ثيودور إلى المنصة، وجهه شاحب كالرخام. "أيها الشعب العظيم... لقد فقدنا اليوم زهرة من حديقة إيفرونيا. لقد كانت الأميرة ديجينا أمرأة عظيمة، لا يوفيها حقها مجرد كلماتْ مكتوبة، لقد تركت خلفها ظلاماً عميقاً، لا يمكن أن يُبدده أحداً من بعدها." لكن صوته كان مجوفاً، كأنما يقرأ من نقش على قبر.
كانت عينا ألفارد تتابعان فاليريان الذي وقف خلف الملك، يبدو مهتماً لكن زاوية شفتيه كانت منحنية قليلاً ببسمة سخرية. وبجانبه، فاروس يلمس صدره حيث جروح المخالب القديمة.
"سيأتي يومك قريباً أيها الوغد." قال ألفارد في نفسه.
عندما انتهت المراسم، بدأ الجميع في التفرق. لكن ألفارد لاحظ شيئاً غريباً. الأمير ليوس كان يتجنب المستشارين، يبتعد عنهم كمن يتجنب أفاعي سامة. وعندما حاول فاليريان الاقتراب منه، انسحب ليوس بسرعة واضحة.
في طريق العودة، كان سيلاس وأوليفر يتحدثان عن الجنازة، بينما ظل ألفارد صامتاً، مفكراً.
"ما بك يا بني؟" سأله سيلاس.
"هناك شيء ليس على ما يرام في هذا القصر." قال ألفارد. "ليوس يكره المستشارين، والملك يتكلم وكأنه أسير، وفاليريان يبتسم كالثعلب."
فجأة، انضم إليهم داريو وإسفين من طريق جانبي.
"رأيتكم في الجنازة." قال داريو. "كان من الصعب تفويت هذا المشهد."
أومأ ألفارد بينما يرى أوليفر تقدم الطريق للوصول إلى كوخه، ثم تكلم. "إسفين، أريدك أن تبحث عن معلومات عن علاقة ليوس بفاليريان."
"ولماذا؟" اعترض إسفين. "مهمتنا حماية الناس، لا التطفل على شؤون القصر."
"لأن القصر هو من يتحكم في حياة الناس." رد ألفارد بحماس. "إذا كان هناك انقسام في القمة، فقد تكون هذه فرصتنا."
داريو هز رأسه. "أنت تبحث عن متاعب من حيث لا داعي لها يا صديقي."
"لا!" توقف ألفارد فجأة في منتصف الطريق. "أنظرا حولكما! الناس تتضور جوعاً، والقصور تُبنى من دموعهم. إذا كان هناك من في القصر يمكنه مساعدتنا، يجب أن نعرف."
سيلاس الذي كان يستمع بصمت، قال: "بني... أحياناً تكون بعض الأسرار خطيرة جداً لمعرفتها."
"والجهل أخطر منها، يا أبي." نظر ألفارد إلى والده بعينين تفيضان إصراراً. "لقد علمتني أن الصمت أمام الظلم جريمة."
تطلع إسفين وداريو إلى بعضهما، ثم إلى ألفارد. كانوا يعرفون تلك النظرة في عينيه. نظرة التحدي التي لا تقبل الجدال.
"حسناً." قال إسفين بتنهيدة. "سأرى ما يمكنني معرفته."
"وأنا سأكون مستعداً لأي شيء." أضاف داريو.
في تلك اللحظة، بينما كانت الشمس تبدأ بالغروب خلفهم، رسمت ظلالهم الطويلة على الطريق. وشعر ألفارد بأنه على حافة اكتشاف شيء كبير، شيء قد يغير مصير المملكة كلها.
أواصر لا تُرى بالعين:
كان جناح الأمير ليوس في القصر يبدو كقفص فاخر تحت ضوء القمر. الجدران المغطاة بورق الذهب الباهت كانت تشع ببرودة في ظلام الليل، والستائر الحريرية تتمايل كأشباح في نسمات الهواء البارد. جلس ليوس على مقعد من المخمل الأحمر أمام الشرفة المفتوحة، عيناه العسليتان الغائرتان تتبعان النجوم البعيدة وكأنه يبحث عن أمه بينها.
"أمي..." همس بصوت مكسور، والدموع تسيل على خديه كندى على زهرة ذابلة.
تذكر كيف كانت تحضنه في ليالي الشتاء الباردة، تغني له أغاني قديمة بصوتها الناعم الذي كان يملأ قلبه دفئاً وأماناً. تذكر كيف كانت تحميه من غضب جدته، وتدافع عنه عندما كان والده يتقاعس عن ذلك.
"لماذا تركتيني وحيداً؟" انتحب وهو يضم ركبتيه إلى صدره.
شعر بثقل الوحدة يطحنه، كصخرة ضخمة على صدره. نظر إلى انعكاس صورته في المرآة الذهبية: شاب في الحادية والعشرين من عمره، بملامح ملكية لكن عيناه تحملان وهن طفل ضائع.
"أبي... لماذا أنت ضعيف إلى هذه الدرجة؟" همس في الظلام. "تترك الجرذان تحكم مملكتنا، وتتظاهر بعدم الرؤية، بسبب ضعفك هذا كرهت كل شيء، كرهتك، وكرهت فاليريان، وكرهت جدتي... حتى نفسي كرهتها."
شعر بحرارة غريبة تتصاعد في صدره، وكأن ناراً تشتعل خلف عظامه. تنفسه أصبح ثقيلاً، والغرفة بدأت تدور حوله. حاول النهوض، لكن ساقيه رفضتا حمله.
حاول أن يصل إلى جرس الاستدعاء لطلب المساعدة، لكن يده ارتخت.
سقط على الأرض كطائر مكسور الجناح، رأسه يصطدم بالرخام البارد. قبل أن يفقد وعيه، رأى وجه أمه مبتسماً له، ثم ظلاماً يلف كل شيء.
في كوخ سيلاس البعيد، كان ألفارد يتقلب في نومه. فجأة، جلس فزعاً، أنفاسه متسارعة وقلبه يخفق كطُبل الحرب.
"ما هذا؟" همس وهو يمسح العرق عن جبينه.
لقد رأى حلماً غريباً... شاباً بشعر أسود وعينين عسليتين، يسقط في حفرة مظلمة، يمد يده طالباً النجدة. لكن الأكثر غرابة هو أن هذا الشاب كان الأمير ليوس، الذي رآه في الجنازة.
"لماذا أحلم به؟" تساءل ألفارد وهو يلمس صدره حيث كان قلبه لا يزال ينبض بسرعة.
نظر من النافذة إلى القصر البعيد الذي يلمع تحت ضوء القمر. شعر برابط غريب يشدّه إلى ذلك الشاب الحزين في القصر. وكأنما الأقدار بدأت تنسج خيوطاً غير مرئية بين مصيريهما.
وفي القصر، كان ليوس وحيداً على الأرض الباردة، بينما كانت النجوم تلمع في السماء كأواصر لا تُرى بالعين.