الفصل الثاني: الظلال والعهود
اللغز في مهد القش:
كانت كوخ أوليفر وأستريد يعج بالدفء والحياة. رائحة الحليب الدافئ وخبز القمح الساخن، امتزجوا مع أنين الرياح الخفيفة خارجاً. على سرير من الخشب مغطى ببطانية صوف ناعمة، كان ألفارد نائماً بعد شبع وامتلئت معدته، صدره الصغير يعلو وينخفض بتناغم هادئ، وشفتاه تتراقصان في نصف ابتسامة.
جلست أستريد على حافة السرير، تراقب الطفل بعينين حانيتين. يداها، التي اعتادت عجن الخبز وحلب الماعز، كانتا تلمسان خد الطفل برقة غريبة.
"انظر إليه، أوليفر." همست بصوت خافت كحرير. "كأنه ملاكاً نزل من السماء."
وقف أوليفر متكئاً على الباب، عيناه تتجولان في ملامح الطفل النائم. "لكن من أين جاء به سيلاس؟ لقد عاش وحيداً منذ رحيل جيونورا."
ذكرى جيونورا، زوجة سيلاس الراحلة، حلت في الغرفة كشبح حزين. تلك المرأة الطيبة التي لم تمنحها الحياة فرحة الأمومة، والتي رحلت بهدوء كزهرة ذبلت قبل أوانها.
"جيونورا..." تمتمت أستريد وعيناها تلمعان بالدموع. "كم كانت ستسعد برؤية هذا الطفل."
"لكن السؤال لا يزال قائماً." قال أوليفر وهو يتقدم خطوة إلى الداخل. "سيلاس لم يغادر الحقل منذ أشهر. من أين له بهذا الطفل الرضيع؟"
تطلعت أستريد إلى زوجها، حيرة ترتسم على وجهها. "ربما من أحد الرحالة الفقراء لم يتمكن من الاعتناء به؟ أو من إحدى القرى المجاورة؟"
هز أوليفر رأسه ببطء. "لا أحد يمر من هنا إلا ونعلم به. وهل يترك أحد طفلاً بهذه الصحة والجمال؟"
ساد صمت في الكوخ، لا يقطعه سوى تنفس الطفل المنتظم وحفيف الشجر خارجاً. كانت أستريد تدرس ملامح ألفارد بعناية. البشرة الناعمة التي تشبه حرير الربيع، والهيئة النبيلة التي تبدو واضحة حتى في نومه.
"انظر إلى جفونه، أوليفر." قالت أستريد وهي تشير بإصبعها. "كأن دماءً نبيلة تجري في عروقه."
"دماء نبيلة هنا؟! في هذه الأراضي النائية؟!" ضحك أوليفر ضحكة مكتومة. "ربما خيالكِ يتسع أكثر من اللازم، يا عزيزتي."
لكن نظرة الجدية في عيني أستريد جعلته يتوقف. "هناك شيء مختلف في هذا الطفل. شيء لا يمكن وصفه."
اقترب أوليفر من السرير، وجلس على مقعد خشبي بجانب زوجته. "المهم أنه هنا الآن. وأن سيلاس أخيراً وجد من يملأ فراغ قلبه."
"نعم." ابتسمت أستريد وهي تمسح على رأس الطفل الناعم. "لقد عادت الحياة إلى عينيه. بعد سنوات من الظلام، أخيراً وجد نوره."
بعد ساعة، حين استيقظ ألفارد ممتلئاً بالحيوية، حمله أوليفر بعناية ولفه بالبطانية الصوف. "حان وقت العودة إلى أبيِك الجديد، أيها الصغير."
سار أوليفر عبر الحقول المضاءة بنور القمر، حاملاً الطفل بين ذراعيه. وعندما وصل إلى كوخ سيلاس، وجده واقفاً على العتبة، عيناه تبحثان في الظلام بلهفة.
"ها هو أبوك ينتظرك." همس أوليفر في أذن الطفل.
عندما سلم أوليفر الطفل إلى سيلاس، رأى كيف أن يدي الرجل الطيب ارتعدتا وهو يضم الصغير إلى صدره. وكيف أن الدموع لمعت في عيني سيلاس وهو يشم رائحة شعر الطفل.
"شكراً لك، يا صديقي." قال سيلاس بصوت مبحوح بالامتنان.
"اعتنِ به جيداً، يا سيلاس." قال أوليفر وهو يتراجع إلى الظلام. "فهذه هبة من السماء، قد لا تأتي مرة أخرى."
أغلق سيلاس الباب خلفه، وجلس بالقرب من المدفأو، حاملاً الطفل بين ذراعيه. النار كانت تلمع في عيني ألفارد الصغيرتين، وكأنها تشعل فيهما شرارة مصير مجهول. مصير يحمل أسرار ماضٍ غامق، ووعود مستقبل مجهول.
صحوة في عالم معتم:
كان الظلام أول ما استقبلها. ظلام دامس، كثيف، يلف العالم كقطعة قماش سوداء مسدولة على عينيها. حاولت أن ترفع جفنيها الثقيلين، فشعرت كأنهما مثقلان بالرصاص. عندما تمكنت أخيراً من فتحهما، لم يتغير شيء. نفس الظلام. نفس العتمة التي لا تحمل شكلاً ولا لوناً.
"أين... أنا؟" همست بصوت أجش، كحفيف أوراق الخريف.
سمعت همسة بجانبها، ثم شعرت بيد ناعمة تلمس جبينها. "اهدأي يا ابنتي. أنتِ في أمان."
لكنها لم تكن في أمان. لم تكن تري شيئاً. رفعت يدها المرتعشة ولمست عينيها، ثم وجهها. كل شيء سليم، لكن العالم اختفى.
"لماذا لا أرى؟ ماذا حدث؟"
كان الصمت الذي أعقب سؤالها أثقل من الجبال. ثم سمعت صوت المرأة العجوز تقول بلطف: "الجرح في رأسك... ربما هو السبب."
لكن الذاكرة بدأت تعود كقطعة جليد تذوب في شمس الربيع. أمواج متلاطمة. صخور حادة. يدان تتشبثان بحافة منحدر. طفل... طفلها!
"رايدن!" صرخت باسمه، جالسة في الفراش فجأة، قلبها يخفق بجنون كطُبل الحرب. "أين ابني؟ أين رايدن؟"
يدها تتلمس الفراش من حولها، تبحث عن ذلك الجسد الصغير الدافئ الذي كان ملتصقاً بها. لم تجد سوى الفراغ.
"لم نجد سواكِ في البحر، يا ابنتي." قال صوت رجل من بعيد. "لو كان هناك طفل... لكان التيار قد جرفه بعيداً. لا أحد ينجو في تلك المياه."
كلمات الرجل سقطت عليها كصخور. شعرت كأن قلبها يُقتلع من جذوره. ذاكرة أخرى انفجرت في رأسها: وهي تحتضن رايدن، تتشبث بالصخور، ثم ضربة قاسية على ذراعها التي تحمله، ثم ضربة أخرى على رأسها، وشعور بالفراغ بين ذراعيها بينما تسقط في الظلام.
"لا..." نطقت بكلمة واحدة، ثم انفجرت. صراخ مروع خرج من أعماقها، صراخ أم فقدت رضيعها. "كان على ذراعــي! كنت أحتضنــه! يجب أن يكون على قيد الحيــاة!"
جسدها ارتجف كشجرة في عاصفة، والدموع سالت من عينيها العمياوت كشلال لا يتوقف. يداها كانتا تبحثان في الفراغ، كأنها تأمل أن تعثر على طفلها في ذلك الظلام.
صرخت بأعلى صوتها. "رايــــدن... ابنـــي."
العجوز احتضنتها محاولة تهدئتها، لكنها كانت كمن يحاول إيقاف إعصار بيديه العاريتين. في ذلك الظلام الذي لا يحتمل، وفي ذلك الألم الذي يكسر الروح، كانت إيديث تدرك أنها لم تفقد بصرها فقط، بل فقدت كل شيء. كل أمل. كل سبب للعيش.
ضحكة في قصر الأحزان:
بعد مرور عدة أشهر... كانت ساحة القصر تتلألأ تحت شمس الظهيرة، كجوهرة ضخمة مرصعة بألوان رايات النبالة وأزياء النبلاء المزركشة. منصة الزفاف العالية منحوتة من خشب الأبنوس والرخام الأبيض، تعلوها مظلة قرمزية مطرزة بخيوط الذهب. الملك ثيودور واقف في ملابسه الحريرية الفاخرة، يبتسم ابتسامة مصطنعة كقناع من الشمع، بينما كانت الأميرة ديجينا بجانبه في ثوب أبيض متقن، تنظر إلى الحشود بنظرة استعلاء كأنها تتأمل حشرات من مكانة عالية.
وسط جموع الفلاحين وعامة الشعب على الأطراف، وقف سيلاس حاملاً ألفارد بين ذراعيه. الطفل البالغ من العمر عدة أشهر كان ينظر بفضول إلى الألوان الزاهية حوله، عيناه العسليتان ذات الخطوط الزرقاء تلمعان في اشعة الشمس.
"انظر يا ألفارد، هذا هو الملك." همس سيلاس في أذن الطفل.
في اللحظة التي رفع فيها الكاهن يديه ليبدأ مراسم الزواج، وساد الصمت المهيب في الساحة، قطع الهدوء ضحكة طفل نقية كزقزقة عصفور بريئ. كانت ضحكة ألفارد تملأ الفضاء، بريئة وعفوية، كنغمة موسيقية في مقبرة صامتة.
احمر وجه ديجينا غضباً. "كيف تسمحون بتواجد هؤلاء العامة الرعاع في ساحة القصر؟ إنهم يفسدون حفل الزفاف!"
لكن ثيودور كان ينظر إلى مصدر الصوت، وعيناه تلتقيان مع الطفل الذي يضحك في أحضان الفلاح. شيء ما في تلك العينين، في تلك الضحكة، جعل قلبه ينكمش.
"أقترب أيها الرجل." قال الملك بصوت هادئ لكنه حازم.
تقدم الحرس نحو سيلاس المرتعش، لكن ثيودور أوقفهم بإشارة. "دعوه يقترب بنفسه."
مشى سيلاس إلى المنصة، قلبه يخفق بشدة. "جلالتك... إنه مجرد طفل...لم يعي... "
"لا عليك... هل لي أن أحمله قليلاً؟" سأل ثيودور، وصوته يحمل نبرة غريبة من التوسل.
دهش الحاضرون جميعاً. ملك يستأذن فلاحاً؟ هذه لم تحدث في تاريخ إيفرونيا.
أخذ ثيودور الطفل بين ذراعيه، وعندما لمس جسد ألفارد الدافئ، شعر بقشعريرة غريبة تسري في عروقه. هذا الشعور... هذا الدفء... كان يذكره بشيء فقده إلى الأبد. بشيء اسمه... رايدن.
ضحك ألفارد مرة أخرى، ومد يده الصغيرة ليلامس وجه الملك.
في تلك اللحظة، نسى ثيودور كل شيء. نسى الزفاف، نسى السياسة، نسى كل شيء إلا هذا الطفل الذي يحتضنه. أحتضنه أقرب إلى صدره، كأنه يحاول تعويض حضن لم يعطه لابنه الحقيقي.
"أعطِ هذا الرجل وزنه ذهباً." قال ثيودور لأحد حراسه دون أن يرفع عينيه عن الطفل. "هذه الضحكة... كانت أجمل هدية في يوم زفافي."
كانت ديجينا تشعر كأن النار تتأجج في صدرها. "ثيودور! توقف! هذا غير لائق!"
لكن الملك لم يسمعها. كان منغمساً في تلك اللحظة الغريبة مع الطفل. نظرة حادة تبادلتها الملكة أورسولا مع فاليريان، الذي كان يقف في الظل مبتسماً تلك الابتسامة الخبيثة التي تخفي أكثر مما تظهر.
"يا له من طفل جميل." قال ثيودور وهو يمرر إصبعه على خد ألفارد الناعم. "كم كنت أتمنى أن..."
لم يكمل جملته. فقط احتضن الطفل مرة أخرى، مغمضاً عينيه، كأنه يحاول ختم هذه الذكرى في قلبه إلى الأبد.
عندما أعاد الطفل إلى سيلاس بعدما قبّل وجنته، كانت عيون الملك تلمع بدموع خفية. "اعتنِ به جيداً. فإنه نعمة لا تقدر بثمن."
ومع أن الزفاف اكتمل، والاحتفالات استمرت، لكن كل الحاضرين شعروا أن شيئاً ما قد تغير. شيء غريب وغير متوقع حدث في ذلك اليوم. كأن نبوءة قد بدأت تتحقق، وكأن مصيراً قد بدأ يدور عجلته.
أما ثيودور، فظل طوال اليوم يحمل في قلبه ذكرى ذلك الطفل الغريب، وذاك الشعور الغامض الذي أثاره فيه ذلك الحضن القصير. شعور بالأبوة... وشعور بالذنب.
تدريب في جبل الصدى الصامت:
مرت سنواتٌ مثل أمواج البحر المتلاطمة على مملكة إيفرونيا. سنواتٌ حملت في طياتها ظلماً متصاعداً، وضرائب ثقيلة، وقوانين قاسية نُسبت إلى الملك ثيودور، لكنّ المحرك الحقيقي كان خلف الكواليس: المستشار فاليريان والملكة أورسولا والأميرة ديجينا، الذين نسجوا شبكةً من الخداع والجشع، غُلفت بإسم التاج. وفي خضم هذا الظلام، نمت بذرةٌ للعدالة في مكانٍ بعيدٍ، حيث الصمت يتحدث بصوتٍ أعلى من الضجيج ذاته.
في قمة جبل الصدى الصامت، حيث الصخور الشاهقة تُلامس السحب، والرياح تمر كهمساتٍ أبدية، وقف شابٌ في السادسة والعشرين من عمره. جسدهُ مُفعمٌ بالقوة، وعضلاته تلمع تحت أشعة الشمس كالنحاس المصقول، وقطرات العرق تتساقط على جبينه كندى الصباح على أوراق الشجر. كان وسيماً، بملامح حادة كشفرة السيف، وعينين عسليتين تتوسطهما خطوط زرقاء نادرة، كشُقوق في بحيرة جليد ذهبية، تشعان بذكاء حادٍ وتركيزٍ لا يلين. شعره البني الداكن، يتطاير مع نسمات الهواء العليا كأجنحة طائر حر.
كان ألفارد يتدرب بحركات انسيابية كالقط البري، وسيفه يلمع في الهواء كبرقٍ صامت. بجانبه، حلقَت ثلاثة صقور عملاقة، تشاركه التدريب بحركاتها الدقيقة، وكأنها تراقب كل خطوةٍ بحكمة الأجداد. فجأة، توقفت حركات ألفارد. شعر بنبضٍ غريبٍ يخترق صمته الداخلي، كإحساسٍ بأن عيوناً خفيةً تراقبه من بين الصخور، بدأت عيناه تتجولان في المحيط بحذر الصياد.
قبل أن يتمكن من تحديد المصدر، انقضَّ عليه ظلان من بين الصخور. كانا رجلين بقوة وعنف، يهاجمانه بسكاكين ممسوكة بعكس القبضة. لكن ألفارد لم يتردد. تحركت غريزته كالصقر الذي يشعر بالخطر قبل رؤيته. تفادى الضربة الأولى بانحناءة خاطفة، وردَّ بالضربة الثانية بذراعه كالسهم المنطلق.
قام بتطبيق حركة التركيز النفقي المطلق التي اكتسبها من تدريباته مع الصقور... وحينها العالم من حوله اختفى. لم يعد هناك إلا الهدفان: الظل الأول والظل الثاني. تحركاته أصبحت أسرع، وأكثر دقة. ضربات ساقيه وذراعيه تشكل دوامات من القوة، كالعاصفة التي تطحن كل شيء في طريقها. وبعد برهة من القتال الشرس، أجبر المهاجمين على التراجع، وكشفوا عن وجوههم.
"كفى! كفى!" ضحك الرجل الأول، وهو يرفع يديه استسلاماً. "لقد هزمتنا مرة أخرى، يا ألفارد!"
كان الرجلان هما داريو وإسفين، أقرب أصدقائه ورفقاء تدريبه. داريو، المقاتل القوي ذو العضلات البارزة والعينين الثاقبتين، وإسفين، النحيل الذكي صاحب العقل الاستراتيجي.
"كنتما على وشك دفع الثمن!" قال ألفارد، وهو يمسح العرق عن جبينه بذراعه. "لماذا هذا الهجوم المفاجئ؟"
"أردنا اختبار تركيزك." قال إسفين بابتسامة خبيثة. "وأنت لم تخذلنا. لقد دخلت في حالة التركيز النفقي في أقل من ثانية."
"إنها المرة الثالثة هذا الأسبوع." قال داريو، وهو يهز رأسه بإعجاب. "أنت تتحسن بسرعة مخيفة."
"لا بد من ذلك." قال ألفارد، وصوته يحمل جرعة من الجدية. "المملكة تترنح تحت وطأة الظلم. الناس يتضورون جوعاً، والحكام يعيشون في قصور من ذهب. إذا لم نكن مستعدين، فمن سينقذهم؟"
نظر داريو وإسفين إلى بعضهما، ثم إلى ألفارد. كانوا يعرفون أن كلماته تحمل حقائق مؤلمة. لقد شهدوا بأنفسهم معاناة القرى، وقسوة الجنود، وفساد الحكام.
"لكننا لا نملك جيشاً." قال إسفين بحذر. "كيف لنا أن نواجه نظاماً كاملاً؟"
"لن نواجههم بجيش." قال ألفارد، وعيناه تتقدان بتصميم. "سنواجههم بخوفهم. سنصبح ظلاً يطاردهم في أحلامهم. سنصبح صقور العدالة التي تنهش لحمهم."
في تلك اللحظة، حلقت فوقهم الصقور العملاقة، وكأنها تؤكد كلماته. ثم، فجأة، سمعوا صوت صقرٍ عالٍ يقطع السماء، يشبه صفير الإنذار. نظر ألفارد إلى الأعلى، وعيناه تضيقان.
"شيء ما يحدث في القرية." قال بصوت منخفض.
التقط سيفه من الأرض، ونظر إلى أصدقائه بنظرة حازمة، "هيا بنا."
وانطلقوا مثل الريح، تتبعهم أصوات الصقور التي تملأ السماء، كأنها تعلن بدء حقبة جديدة. حقبة الصقر.
أولى ضربات المخالب:
كانت قرية وودلاند تغلي تحت وطأة الظهيرة الحارقة، لكن حرارة الشمس كانت أهون من حدّة قلوب جنود الملك. القائد فاروس، مساعد المستشار فاليريان، وقف في وسط الساحة وهو يمسك بسوطه الجلدي كأفعى جائعة. حوله، انتشر جنود بالدروع الثقيلة ينهبون المحاصيل وينتزعون آخر ما تبقى في بيوت الفلاحين.
"الضرائب لم تُدفع بالكامل!" زأر فاروس. "إما تدفعون، أو سنأخذ أبناءكم ليخدموا في جيش الملك!"
امرأة عجوز ركعت أمامه، يداها المرتعشتان ممدودتان: "نحن فقراء، يا سيدي... لا نملك شيئاً! أرجوك أرحمنا!"
إشارة من فاروس، وتقدّم جنوده نحو امرأة شابة تحاول إخفاء طفليها خلفها. الأب وقف في وجههم، لكن ضربة من قبضة حديدية أطاحته على الأرض. صراخ الأطفال امتزج مع ضحكات الجنود.
وفجأة... قطع صوتهم صوتُ صفيرٍ حادٍّ من بعيد.
جميعهم التفتوا نحو أطراف القرية. هناك، على تل مرتفع، ظهر فارس على حصان أسود كالليل. كان يرتدي زيًا من الجلد الأسود الداكن، مُحكمًا على جسده ومُحكم الإغلاق، يبرز قوته ومرونته. عباءته السوداء ذات القلنسوة المنسدلة على كتفيه ترفرف في الهواء كأجنحة الظلام. لف خصره حزام جلدي عريض يحمل على جانبه الأيمن خنجرًا قصيرًا، وعلى الأيسر سيفًا عريضًا، جاهزًا للسحب. على وجهه، قناع أسود من الجلد مصمم على هيئة أجنحة الصقر حول العينين، يخفي هويته ويضفي عليه هيبة أسطورية. على كتفه، جلس صقر بريش بني، عيناه تحدقان في الجنود بتحدّ.
"من أنت؟!" صرخ فاروس، محاولاً إخفاء رعشته.
نزل الفارس عن حصانه بانسيابية مذهلة. عيناه العسليتان اللتان تتخللهما خطوط زرقاء، لمعتا بتركيز حاد من تحت القناع. "أنا صوت من ظلمتم، و يد من آذيتم."
"كيف تجرؤ على التحدث بهذا الشكل مع قائد جنود الملك!" زأر فاروس. "أقبضوا عليه!"
تقدّم الجنود، لكن الفارس تحرك كالبرق. سيفه انطلق من غمده بصمت، ومخالب صقره تلمع في الشمس. أول ضربة، واثنان من الجنود سقطا على الأرض.
"هذا أخر تحذير لكم," قال الفارس بصوته العميق. "اغربوا عن وجهي، وإلا لن أرحمكم."
"اقتلوه!" صرخ فاروس.
اندلعت المعركة. الفارس كان كالعاصفة، يتحرك بين الجنود كالظل. سيفه يلمع في دائرة قاتلة حوله، كل ضربة محسوبة بدقة. كان يتفادى الهجمات بانحناءات مزهلة، ثم يرد بضربات سريعة قاضية. كان يعتمد على قدرته على الانقضاض الصامت في كل خطوة، مما جعله غير متوقع تمامًا.
وبينما كان يركز الجنود على الفارس الغامض، ظهر رجلان آخران من بين الأزقة. داريو القوي، بضرباته التي تشبه المطرقة وفأسه الكبير، دخل المعركة بصرخة مدوية، مطلقاً لكمة أطاحت بجندي ضخم. وإسفين الذكي، انزلق بين الصراع كالثعبان، يضرب الجنود بخنجريه ويسلبهم توازنهم.
"أعتقد أننا تأخرنا قليلاً!" قال داريو وهو يضرب جندياً آخر.
"بل وصلنا في التوقيت المناسب يا صديقي!" رد إسفين وهو يتفادى ضربة سيف.
معاً، شكلوا الثلاثي الذي لا يقهر. الجنود سقطوا واحداً تلو الآخر، حتى لم يبقَ إلا فاروس، يرتجف في وسط الساحة.
اقترب منه الفارس الغامض، و يده القوية انقضت على قميص فاروس وجذبته إليه.
"أخبر سيدك," همس الفارس بصوته العميق، "أن الصقر قد خرج من عشه. وأن مخالبه لن تتوقف عن تمزيق ظلمكم."
قبل أن يرد فاروس، أشار الفارس إلى صقره. الطائر انقضّ، ومخالبه الحادة مزقت شعار العائلة المالكة على صدر فاروس، تاركةً أثر بمخالبه كعلامة.
التفت الفارس إلى القرويين المذهولين. امرأة شابة تقدمت إليه، عيناها تلمعان بالدموع: "من أنت، أيها البطل؟"
توقف الفارس للحظة، ثم قال بصوته الجهوري: "مُنصِفو العدالة... هم من يدافعون عنكم تحت سماءها. أما أنا... فأنا مجرد صقر من صقورها."
اعتلى حصانه الأسود، وانطلق به بسرعة فائقة، تاركاً وراءه أملًا جديدًا في قلوب الناس، وخوفًا جديدًا في قلوب الظالمين. صقره يصيح في السماء، معلناً بدء حقبة جديدة من المقاومة.