صقر العدالة - الفصل الأول: البداية الموعودة - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: صقر العدالة
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الأول: البداية الموعودة

الفصل الأول: البداية الموعودة

الهدية التي نزلت من السماء: كان البحر ذلك المساء غاضباً أسوداً، يزمجر كوحش جريح تائه في ظلام الليل. الأمواج المتلاطمة، التي تشبه ألسنة النار السائلة، كانت تلفظ بقايا حطام سفينة غارقة على الشاطئ الصخري الوعر. وفي قلب هذه المعركة الطبيعية، بين كومة من القش الرطب والطحالب المتشبثة بصخور صغيره كالنسر العجوز، كان هناك صوتٌ واحدٌ يقطع عويل العاصفة: صراخ طفل رضيع. كان صراخاً حاداً، مليئاً بالرعب والجهل بكل شيء، كعصفور صغير سقط من عشه للمرةِ الأولى. جسده الصغير الملفوف بخرق بالية لا تقي برد الليل القارص، يرتجف كورقة شجر أمام نسمة الشتاء. ملح البحر لسع بشرته الوردية الناعمة، والرذاذ البارد كان ينزل عليه كإبر خفية. وفجأة… انقطع صراخه. ظلٍ هائل حجب النجوم المتفرقة خلف السحب. كان جناحين يمدان بعرض شجرة بلوط، يخفقان في الهواء بصمت مهيب لا يتناسب مع حجمهما. صقرٌ عملاق، ريشه بلون الليل والرماد، هبط من السماء كقدرٍ محتوم. عيناه الصفراوتان، الحادتان كالرمح، لم تكن تحملان شراً، بل حكمةً لا يفهمها البشر. انحنى الطائر الأسطوري، منقاره الذي يمكنه تمزيق جلد الدببة، تفقد غطاء الطفل الرطب بحرص بالغ، كأنه يتفقد بيضةً ثمينة. ثم حمله بين مخالبه القوية التي يمكنها سحق العظام، لكنها التفت حول جسد الرضيع برقة الأم الحنون. أقلع في صمت، تاركاً البحر الغاضب وراءه، حاملاً ذلك السر الصغير بين مخالبه. في حقلٍ قريب، حيث كان سيلاس الفلاح ينتهي من جمع آخر حزم القمح قبل أن يغمر المطر الأرض، سمع حفيف الأجنحة العملاقة. لم يكن صوتاً اعتاده. التفت بسرعة، قلبه يخفق كطُبل الحرب. رأى الظل الأسود يهبط على حافة الحقل ثم يقلع مرةً أخرى إلى الأعماق النجمية. لم يكن خوفاً مما رآه، بل دهشة مختلطة بفضولٍ قديم. "ما هذا؟"، همس سيلاس لنفسه وصوته يضيع في همسة الرياح. ركض، لا يدري ما يدفعه نحو مكان الهبوط. قدماه القويتان، المعتادتان على ثقل الأرض، كانتا تخبوان على الأرض الطينية بسرعةٍ غير معهودة. وعندما وصل، لم يجد الطائر العملاق، بل وجد الهدية. كان الرضيع صامتاً الآن، وعيناه مفتوحتان على اتساعهما. تنظران إلى العالم للمرة الأولى. التقطه سيلاس بيديه المتخشنتين من العمل، المرتعشتين الآن. جسد الطفل كان بارداً كالجليد، لكن نبضات قلبه الصغير كانت تدق تحت أصابع سيلاس بإنتظامٍ مذهل، كنبضات قلب الأرض نفسها. "يا إلهي… إنه طفل…" احتضنه سيلاس إلى صدره الواسع، محاولاً إشاعة الدفء في جسده. نظر إلى ملامحه. كانت ملامح ناعمة، جميلة، لكن ما أخذه كانا عينيه. عينان عسليتان واسعتان، لكن في أعماقهما خطوط رفيعة من اللون الأزرق تشبه شقوقاً في جليدٍ ذهبي، تلمع في ضوء القمر الخافت ببريق غامض. ثم رأى حول رقبته الصغيرة قلادة ذهبية بسيطة، عليها نقش لزهرة ذات بتلات متشعبة كالرياح متجمدة في منتصف حركتها. وبجانبها، على جلد رقبته الناعم، علامة فريدة على شكل هلال ناحل، كالذي يظهر في ليالي الشتاء الأولى. في تلك اللحظة، شعر سيلاس، الرجل الأرمل الذي اعتاد الوحدة منذ موت زوجته الحبيبة، بفراغ قلبه يمتلئ فجأة. الخوف تبدد، وحل محله شعور غريب بالمسؤولية، بل بالانتماء. "من أنت أيها الصغير الجميل؟ ومن أين أتيت؟" وكأن الطفل فهم السؤال، أو شعر بالدفء والأمان في حضن سيلاس، فتح فمه الصغير في محاولة للابتسام. ليست ابتسامة كاملة، بل حركة صغيرة بزاويتي شفتيه، ثم مد يده الصغيرة وضم أصابعه الخمس حول إصبع سيلاس الكبير والخشن، ممسكاً به بإحكام لطيف. ضحك سيلاس. ضحك من أعماق قلبه للمرة الأولى منذ سنوات. ضحكة مجلجلة صادقة انطلقت في الليل الهادئ الآن. "أصبحت ممسكاً بي يا صغيري؟ إذاً فأنا لن أهرب منك!" احتضنه بقوة، مغلفاً إياه بذراعيه القويتين. نظر إلى السماء حيث اختفى الصقر، ثم إلى الطفل بين ذراعيه. "سأسميك… ألفارد."، قالها بصوت هادئ وحازم. "فالذي أتى بك من بين أمواج الموت ليحملك على جناحيه، يجب أن يكون اسمك مشتقاً من جناحيه. ألفارد… سأربيك كما لو كنت ولدي. ستحمل ذكرى تلك الأجنحة التي أنقذتك." أخذ سيلاس الصغير معه إلى كوخه المتواضع، تاركاً البحر وغضبه وراءه. كانت البداية. بداية أسطورة. كذبة تزيّف القدر: كانت قاعة العرش في قصر مملكة إيفرونيا تشبه صاحبها؛ عالية الجدران، باردة، ومنحوتة من الرخام الأبيض الذي يشبه عظام عملاقة. النوافذ العالية الضيقة كانت تسمح بدخول أشعة الشمس بشكل مائل، فترسم أشرطة من الضوء على الأرضية المغطاة بسجاد أحمر قاتم، كمسالك من الدم المتجمد. في نهاية القاعة، على منصة مرتفعة، جلس الملك الشاب ثيودور على عرش من خشب الأبنوس الأسود، منحوتاً على هيئة صقور منقضة. لم يكن جالساً بقدر ما كان مرتكزاً، كتمثال حجري ثقيل، تثقل كاهله أعباء التاج وهموم المملكة. عيناه العسليتان، الباردتان كبحيرات جليدية من عسل في الشتاء، كانتا تحدقان في الفراغ، بينما أصابعه الطويلة تنقر على ذراعي العرش بإيقاع غير منتظم، كحشرة نقّالة على جذع شجرة ميتة. دقّ الباب الخشبي الضخم للقاعة دقةً واحدة مكتومة، ثم انفتح بصمت مريب. ظل المستشار فاليريان ينزلق عبر السجادة الحمراء كأفعى سوداء. كانت حركته انسيابية لا تصدر صوتاً، وعباءته الحريرية السوداء تلمع تحت الأضواء الخافتة. وجهه الطويل النحيل كان يحمل ابتسامةً رقيقةً ثابتة، كالتي يرسمها النحات على تمثال لا روح فيه. عيناه الخضراوان، الضيقتان، كانتا تلمعان بذكاء حاد ومخادع، كالزمرد المطمور في وحل المستنقع. "صاحب الجلالة."، انحنى فاليريان انحناءة متقنة، منخفضة بما يكفي لإظهار الاحترام، لكنها ليست منخفضة بما يشي بالذل. صوته كان ناعماً وعميقاً، كدندنة النحل داخل خليةٍ فارغة. رفع الملك ثيودور رأسه ببطء، كمن يستيقظ من حلم ثقيل. النقرات على ذراع العرش توقفت. "هل انتهيت من المهمة؟"،صوت الملك كان أجشاً، يحمل ترهلاً من التعب والندم. "نعم، جلالتك. كما أمرت." ظل فاليريان منحنياً، لكن عينيه كانتا تراقبان الملك من تحت جفنيه المنخفضين. "لقد تم إرسال الفتاة و… الطفل… إلى مكانٍ آمن. بعيداً عن أعين المتطفلين وألسنة القصر." "مكانٍ آمن." كرر ثيودور الكلمات وكأنه يتذوق مرارتها على لسانه. نظرة من الألم السريع اخترقت برودة عينيه، مثل شعاع شمس عابر يلمع على سطح بحيرة متجمدة ثم يختفي. "هل… هل كانت بخير؟ إيديث؟" "كانت الخادمة إيديث في حالة من الصدمة، جلالتك، كما هو متوقع. لكنها أدركت حكمة قرارك. حكمة التضحية من أجل استقرار المملكة." كلمات فاليريان كانت مغلفة بالعسل، لكن كل كلمة كانت تخفي إبرة سمّية. لقد استخدم لقب "خادمة" عن عمد، ليُذكر الملك بالفجوة التي لا تُقفز بينه وبين تلك المرأة. "استقرار المملكة." همس ثيودور لنفسه، ثم أدار وجهه نحو النافذة، حيث كانت سماء إيفرونيا الزرقاء الصافية تبدو كقبة زجاجية باردة. "أحياناً هذا التاج يجعلني أشعر بأني سجين في برجٍ عالِ، فاليريان. كل قرار… كل قرار يكسر جزءاً من روحي." تحركت زاوية فم فاليريان قليلاً إلى الأعلى، في ما يشبه الابتسام. "القيادة ثقيلة،جلالتك. وهي تتطلب قلوباً من حجر، لا قلوباً من لحمٍ طري. لقد أنقذت شرف العائلة المالكة من وصمة عار. وأنقذت المملكة من فضيحة قد تهز عرشك." تقدم خطوة واحدة إلى الأمام، صوته يخفض إلى همسة ناعمة ومؤثرة. "تذكر زوجتك الجديدة، الأميرة ديجينا من عائلة هوبرت القوية. تذكر التحالف. هذا الزواج سيجلب السلام والقوة لإيفرونيا. طفل من خادمة… كان سيدمر كل شيء." أغلق ثيودور عينيه للحظة، وكأنه يحاول حبس صورة ما بداخله. صورة امرأة بشعر كالحرير وعيون دافئة، وطفل لم يحمله بين ذراعيه حتى. "أتمنى فقط…ألا تعاني." "لن تعاني." قال فاليريان بسرعة، وثبات في النظرة. "لقد ضمنت ذلك شخصياً. إنهم في رعاية جيدة… في مكان لن يزعجها فيه أحد أبداً." كانت الكلمات أخيرة تحمل في طياتها معنى مظلماً، لكن الملك، الغارق في بحر من الذنب والندم، لم يلتقط ذلك المعنى. كان يريد أن يصدق. كان بحاجة إلى أن يصدق أن خطيئته قد دفنت في مكان بعيد، وأن حياته يمكن أن تستمر. "جيد… هذا جيد."، تنهد ثيودور تنهيدة طويلة، مليئة بالوهن. "يمكنك الانصراف الآن، فاليريان." "كما تأمر، جلالتك."، انحنى المستشار مرة أخرى، انحناءة أعمق هذه المرة، تخفي انتصاره. ثم دار وانسحب من القاعة بنفس الصمت الذي أتى به، تاركاً الملك وحيداً مع أشباحه في القاعة الباردة. وبينما كان الظل الأسود يبتعد، نظر ثيودور إلى يديه المرتعشتين. شعر وكأنهما ملطختان بدماءٍ لم يرها أحد سواه. لقد باع جزءاً من إنسانيته من أجل كرسي من خشب أسود، وآمن بكذبة جميلة نسجها ثعبان في ثياب مستشار. لبنة الأنس الغريبة: كان ضوء الفجر البارد يتسلل عبر شقوق كوخ سيلاس الخشبي، كخيوطٍ رمادية تلمس ظلاماً لم يعد منعزلاً. لكن هذا الظلام لم يعد صامتاً. لقد اخترقته موجة متصاعدة من الصراخ الحاد، الذي يشبه صفير ريح عاصفة محبوسة بين أربعة جدران. كان ألفارد يبكي. لم يكن بكاء عادياً، بل كان عواءً وجودياً ينبع من أعماق رئتيه الصغيرتين، يعبر عن جوعٍ لا يعرف كلماته، وعن غياب لا يفهمه. وقف سيلاس أمام المهد البدائي الذي صنعه من صندوق خشبي وبطاطين قديمة، كتمثالٍ حائر أمام لغزٍ إلهي. يداه المتخشنتان، القادرتان على كسر الحطب وقلع الجذور، كانتا ترتعشان فوق جسد الطفل الصغير وكأنهما فوق جمر متقد. حاول أن يقدم له قطعة قماش مبللة بالماء، لكن الطفل أدار وجهه بعنف، واستمر في صراخه الذي يهز أركان الكوخ الضيق. "إهدأ يا صغيري... إهدأ... ماذا أفعل لك لكي تكف عن البكاء؟" همس سيلاس بصوت أجش مليء بالعجز. لكن ألفارد لم يهدأ. كانت دموعه تسيل على خدوده الممتلئة كقطرات الندى على بتلات الزهور، وصوته يعلو حتى أصبح يشبه صفير صقر جريح. شعر سيلاس أن قلبه يتمزق إرباً مع كل صرخة. هذا الكائن الضعيف الذي أنقذه، كان يهزمه بصوته الصغير. وفجأة، دقت طرقات متسارعة على الباب الخشبي. انتبه سيلاس من حيرته، وفتح الباب ليجد جاره أوليفر واقفاً على العتبة، تعلو وجهه تعابير القلق والفضول مبتسماً. "ما هذا الضجيج يا سيلاس؟ كأن هناك ذئباً رضيعاً محبوساً في كوخك!" نظر سيلاس إلى الرضيع في يده، ثم إلى جاره، وعيناه تعكسان حيرته العميقة. "إنه.. جائع.. أظنه جائع." "وأنت تظن أن الماء سيشبعه؟" قال أوليفر وهو يهز رأسه، ثم تقدم لينظر إلى الطفل. "أعطني إياه سأذهب به الى زوجتي لترضعه. لدينا رضيع في الشهر الثالث، وحليبها يفيض كالنهر في الربيع." تطلع سيلاس إلى الطفل ثم إلى جاره، وعيناه تلمعان بالأمل. "ولكن.." "لا توجد لكن يا صديقي. أعطني الطفل قبل أن يصم آذاننا جميعاً." رد أوليفر ضاحكاً. أخذ أوليفر الطفل من يدي سيلاس المرتعشتين. وعندما انتقل ألفارد إلى حضن الجار، هدأ صراخه قليلاً، وكأنه أدرك أن هناك محاولة حقيقية لإشباع جوعه. "سأعيده إليك عندما يشبع وينام. زوجتي ستعتني به كأنه ملاكها الشخصي." حمل أوليفر الطفل بعناية فائقة، بينما ظل سيلاس واقفاً على العتبة، يتابعهما بنظرة مليئة بالامتنان والقلق. وعندما اختفى أوليفر والطفل داخل الكوخ المجاور، عاد سيلاس إلى كوخه الفارغ. الصمت الذي كان يبحث عنه عاد الآن، لكنه كان صمتاً ثقيلاً كالحجر. نظر إلى المهد الفارغ، وشعر بفراغٍ غريب في صدره. لقد كان هذا الطفل الصغير، برغم ضجيجه، قد ملأ فراغاً في روح سيلاس لم يكن يعرف أنه موجود. "ألفارد..." همس سيلاس وهو يلمس الصندوق الخشبي الفارغ. "ماذا فعلت بي أيها الصغير؟" عاصفة في قصر من ذهب: كان جناح الملكة الأرملة "أورسولا" يشبه متحفاً للتحف الثمينة والذكريات الباردة. جدران من الرخام الأسود تحيط بالغرفة، ونوافذ زجاجية ملونة تصبغ ضوء النهار بألوان كئيبة. كانت جالسة على كرسيها العاجي، ظهرها مستقيم كسيف يليق بإمرأة أربعينية العمر مثلها، وعيناها الرماديتان تحدقان في ابنها الملك الشاب العشريني كما لو كانت تفحص تمثالاً به عيب خفي. "أخبرني أنك أنهيت هذه المهزلة، ثيودور." صوتها كان كصوت الحصى تتدحرج على لوح رخامي. وقف الملك الشاب أمامها، عيناه محمرتان وكفه لا يزال يرتعش. "نعم... لقد أرسلتهما إلى مكان آمن. سأزورهما... بين الحين والآخر. من بعيد..." انفجرت ضحكة مكتومة جافة من صدرها، كصوت غراب ينعي الموتى. "مكان آمن؟! لقد أمرتُ فاليريان بقتلهما. الخادمة وطفلها اختفيا إلى الأبد." اصفر وجه ثيودور كما لو أن سكيناً اخترق أحشائه. "قتلهما؟... لكنني..." "لكنك ماذا؟ ظننت أن بإمكانك اللعب بأمور المملكة كما تلعب الأطفال بالدمى؟" نهضت من كرسيها، ثيابها السوداء تتدفق كحمم بركانية. "ديجينا تنتظر. هذا الزواج سيُحالف ملكتنا مع أقوى ممالك الشمال. هل تظن أن طفلاً من خادمةً وضيعة يستحق أن يعكر هذا التحالف؟" "كان ابني!" انطلق الصوت من أعماق ثيودور كصرخة حيوان جريح. "كان خطيئة!" صرخت أمها في وجهه، عيناها تتقدان بنيران القسوة. "دماؤه ملوثة. لن أنظر أبداً إلى حفيد من رحمٍ وضيع كهذا. والخادمة كانت ستستخدمه ضدك يوماً ما." أمسك ثيودور برأسه بين يديه، كأن جمجمته على وشك الانفجار."فاليريـــان! أيها الوغــد... سأقتلك بيــدي." "لن تلمس فاليريان!" رفعت الملكة إصبعها في وجهه. "هو الوحيد الذي لديه الشجاعة لتنظيف فوضاك هذه... المسه وأقسم أنك لن تجلس على العرش مرة أخرى." تراجع ثيودور خطوتين إلى الوراء، كأنه يتلقى ضربات جسدية. نظر إلى أمه التي وقفت كتمثال للقسوة المصقولة، ثم انقلب وخرج من الغرفة بخطوات متعثرة. في جناحه الخاص، انفجرت العاصفة التي كان يكبحها. أمسك بمزهرية بلورية ثمينة ورمى بها تجاه الحائط، فتحطمت إلى ألف شظية تلمع تحت ضوء الشموع كدموع من زجاج. "إيديث... ابني..." انهار على ركبتيه بين الحطام، يداه تنزفان من جراح الزجاج لكنه لم يشعر بالألم. دموع ساخنة سالت على خديه لأول مرة منذ طفولته. جسده ارتجف كشجرة في إعصار، وأنين عميق خرج من صدره. ثم سقط على الأرض بين الحطام، عيناه مغلقتان وكأنه يحاول الهروب إلى عالم آخر، إلى ذكريات امرأة بعينين زرقاوين دافئتين وطفل لم يعانقه أبداً. الوردة التي لم تمت: كانت الشمس تنسج خيوطاً ذهبية على أمواج البحر الهادئة، فيما وقف الصيادون على رصيف ميناء كاليدون الخشبي، يصلحون شباكهم البالية برويةٍ تليق برجال عرفوا البحر ألفة وألفة. رائحة الملح والطحالب كانت تملأ الهواء، ممتزجة بصرخات النوارس التي تحلق فوق الرؤوس كأرواحٍ حائرة. "انظروا هناك!" صاح أحد الصيادين الشبان، مشيراً إلى جسم عائم يلامس الماء بلطف مريب، كريشة سوداء في بحيرة من زجاج. كان جسداً أنثوياً، يتمايل مع المد والجزر بإستسلام مخيف. ثيابها الرقيقة البالية كانت تلتف حولها كأجنحة غراب مبلول. قفز ثلاثة من الصيادين إلى المياه الباردة، يسبحون بقلوب تتسارع وخوف يشد أعصابهم. عندما رفعوها إلى اليابسة، سقطت أشعة الشمس على وجهها الشاحب كالقمر في ليلة ماطرة. كانت شابة في ريعان الشباب، بشعر أسود طويل التصق بوجنتيها الناعمتين، وجفون مغلقة وكأنها نائمة في حلم عميق. لكن الجرح الغائر في جانب رأسها كان يحكي قصة مختلفة، قصة عنفٍ وخيانة. "يا إلهي... إنها على قيد الحياة!" همس أحد الصيادين وهو يضع يده على موضع نبضها الضعيف برقبتها الناعمة. جلسوا حولها كحولىّ طفلٍ مجهول، يلمسون جبينها البارد بأيدٍ خشنة اعتادت شد الحبال لا لمس الأجساد الهشة. نظروا إلى كفيها المثيرين للشفقة، حيث كانت الجروح العميقة تغطي راحتيها كما لو كانت تتشبث بأحجار أو صخور حادة. "ابحثوا في جيوبها... ربما تحمل شيئاً يعرفنا بهويتها." قال أكبرهم سناً بصوت أجش. لكن جيوبها كانت فارغة كقلب محطم. لا قلادة، ولا خاتم، ولا أي شيء. فقط هذه اليدان المجروحتان تشهدان على معركتها الأخيرة من أجل البقاء. "من تكون هذه المسكينة؟" تساءل صياد شاب وعيناه لا تفارقان جمالها الشاحب الذي يشبه شيئاً نفيساً مكسور. رفعها الرجال بحذر كما ترفع آنية من بلور، وحملوها إلى كوخ أحد الصيادين عند نهاية الرصيف. هناك، وضعوها على فراش من القش، وقاموا بتغطيتها بغطاء ثقيل، وغسلوا جراحها بماء البحر كما توارثوا عن أجدادهم. وفي اللحظة التي كانوا يلفون فيها رأسها بقطعة قماش بيضاء، تحركت شفتاها قليلاً، وكأن كلمة أخيرة تريد الخروج من أعماق غيبوبتها. لكن لم يخرج سوى نفس طويل حزين، ثم عاد الصمت ليهيمن على المكان. هذه المرأة الغامضة، التي حملت البحر في رئتيها والموت في عينيها المغلقتين، كانت تحمل سراً أكبر من أن تحتمله جبال إيفرونيا كلها. سر قد يهز عروش الملوك، ويغير مصير مملكة بأكملها. وهكذا ينتهي الفصل الأول، تاركاً وراءه طفلاً محمولاً بين مخالب الصقور، وامرأة مشرفة على الموت، ومستقبلاً غامضاً ينتظر من يكتب فصوله.