الفصل الربع
مثل الحمامتين
قل إيلاذ: زعموا أن حمامتين ذكراً وأنثى ملآ عشهما من البر والشعير فقال الذكر للأنثى: إننا إذا وجدنا في الصحارى ما نعيش به فلسنا بآكلين مما في عشنا شيئاً. فإذا جاء الشتاء ولم نصب في الصحارى شيئاً أقبلنا على ما جمعناه فأكلناه. فرضيت الأنثى بذلك وقالت: نعم ما رأيت وسنفعل ما ذكرت. وكان البر والشعير ندياً حين وضعاه فامتلأ عشهما فانطلق الذكر إلى مكان تغيب فيه فأبطأ. فلما كان الصيف يبس ذلك الحب وذبل فنقص مما كان. ثم رجع الذكر فرأى ذلك الحب ناقصاً فقال للأنثى: قد كنا أجمعنا على أن لا نأكل من عشنا شيئاً فلم أكلت منه. فحلفت الأنثى أن “ما أكلت منه حبة”، فلم يصدقها وجعل ينقرها حتى قتلها. فلما جاء الشتاء والأمطار ندي الحب فامتلأ العش كما كان. فلما رأى الذكر أن العشّ قد امتلأ اضطجع إلى جانبها نادماً وقال: كيف ينبغي لي العيش إذا طلبتك فلم أقدر عليك. فمن كان عاقلاً علم أنه لا ينبغي أن يعجّل بالعذاب والعقوبة لا سيما بعذاب من يخاف أن يندم على عذابه كما ندم الحمام الذكر.
وقد سمعت أن رجلاً كان على ظهره كارة من عدس فدخل بين الشجر فوضع حمله ثم رقد. فنزل قرد من شجرة كانت فوق رأسه فأخذ ملء كفه من ذلك العدس ثم صعد إلى الشجرة فسقطت من يده حبة فطلبها فلم يجدهخا وانتثر العدس من يده. وأنت أيها الملك تحت أمرك عدد لا يحصى من الإماء وتطلب ما لا تجد.
فلما سمع الملك ذلك خشي أن تكون إيراخت قد هلكت فقال إيلاذ: في سقطة واحدة كانت مني فعلت ما أمرتك به من ساعتك وتعلقت بكلمة واحدة ولم تتثبت في الأمر؟
قال إيلاذ: إن الذي قوله واحد لا يختلف فيه هو واحد فقط.
قال الملك: ومن ذلك؟
قال إيلاذ: ذلك الله الذي لا يبدل كلامه ولا يخلف قوله.
قال الملك: لقد اشتد حزني بقتل إيراخت أم جوبر.
قال إيلاذ: إثنان فرحهما في الدنيا ونعيمهما قليل حين يعاينان الشر: الكافر الذي يقول لا حساب ولا عقاب والذي لم يعمل براً قط.
قال الملك: لئن رأيت إيراخت حية لا أحزن على شيء أبداً.
قال إيلاذ: إثنان لا ينبغي لهما أن يحزنا: المجتهد بالبر كل يوم والذي لم يأثم قط.
قال الملك: أفما أنا بناظر إلى إيراخت بعد هذا؟
قال إيلاذ: إثنان لا ينظران أبداً: الأعمى والذي لا عقل له. فكما أن الأعمى لا يبصر سماء ولا نجوماً ولا أرضاً ولا يبصر البعيد من القريب، ولا أمامه ولا خلفه، كذلك الذي لا عقل له لا يبصر ولا يعرف العالم من الجاهل ولا الحسن من القبيح ولا المحسن من المسيء.
قال الملك: لو رأيت إيراخت لاشتد فرحي.
قال إيلاذ: إثنان هما فرحان: البصير والعالم. فكما أن البصير يبصر نور العالم وما فيه، كذلك العالم يبصر البر والإثم ويعرف أمر الآخرة ويستبين له، ومتى تبعه نجّاه وهداه إلى صراط مستقيم.
فقال الملك: ما شعبت من رؤية إيراخت قط.
قال له إيلاذ: إثنان لا يشبعان أبدا: الذي لا همّ له إلا جمع المال والذي يأكل ما وجد ويسأل ما لا يجد.
فقال الملك: إنه لينبغي لنا أن نتباعد منك يا إيلاذ فإن من مثلك حذّر ونهي.
فقال إيلاذ: إثنان ينبغي أن نتباعد منهما: الذي يقول لا بر ولا إثم، والذي لا يستطيع صرف بصره عما ليس له ولا أذنه عن استماع السوء، ولا ميله إلى نساء غيره ولا قلبه عما تهمّ به نفسه من الإثم والحرص. وأخرى من ذلك الندامة الهرب من عذاب جهنم.
قال الملك: صرت من أمر إيراخت صفراً.
قال إيلاذ: أربعة أشياء هم أصفار: النهر الذي ليس فيه ماء، والأرض التي ليس فيها ملك، والمرأة التي ليس لها بعل، والجاهل الذي لا يعرف الخير من الشر.
قال الملك: إنك لتلقي الجواب يا إيلاذ.
فقال إيلاذ: ثلاثة يلقون الجواب: الملك الذي يقسم ويعطي من خزائنه، والمرأة المهيّاة لبعض من تهوى من ذوي الأحساب، والرجل العالم الموفّق المعلم دين الله.
قال الملك: إنك لتحزنني بتعزيتك يا إيلاذ.
قال إيلاذ: ثلاثة ينبغي لهم أن يحزنوا: الذي فرسه سمين حسن المنظر سيء المخبر، وصاحب المرقة التي كثر ماؤها وقلّ لحمها فصارت لا طعم لها، والذي لا يقدر على إكرام زوجته ذات الحسب فا تزال تسمعه ما يؤذيه.
قال الملك: أهلكت إيراخت ضيعة؟
قال إيلاذ: ثلاثة يضيعون في غير الحق: الرجل الذي يلبس الثياب البيض ولا يزال عند الكير جالساً فيسوّدها بالدخان، والقصّار الذي يلبس الخفّين الجديدتين ولا يزال قدماه في الماء، والرجل التاجر الغني الذي لا يزال غائباً بأرض بعيدة فلا يستمتع بغناه.
قال الملك: إنك لأهل أن تعذّب أشد العذاب يا إيلاذ.
قال إيلاذ: ثلاثة ينبغي لهم أن يعذّبوا: المجرم الذي يعاقب من لا ذنب له، والمتقدم إلى مائدة لم يدع إليها، والذي يسأل أصدقاءه ما ليس عندهم ولم يدع مسألتهم.
قال الملك: إنه لينبغي لك أن تسفّه يا إيلاذ.
قال إيلاذ: ثلاثة ينبغي لهم أن يسفّهوا: النجار الذي ينزل البيت الصغير بأهله ثم لا يزال ينجر الخشب فيملأ بيته من الحطب ويصير هو وامرأته في ضيق، والطبيب الذي يعمل بالوسى ولا يحسن الاتقاء فيقطع لحوم الناس، والغريب المقيم بين ظهر عدوه ولا يريد الرجوع إلى أهله ووطنه. وإن مات في غربته أيضاَ ورثوه فيصير ماله للغرباء وينسى ذكره.
قال الملك: كان ينبغي أن تسكن حتى يذهب غضبي يا إيلاذ.
قال إيلاذ: ثلاثة ينبغي لهم أن يسكنوا: الذي يرقى الجبل الطويل، والذي يصيد السمك، والذي يهمّ بالعمل الجسيم.
قال الملك: ليتني قد رأيت إيراخت.
قال إيلاذ: ثلاثة يتمنون ما لا يجدون: الفاجر الذي لا ورع له ويريد إذا مات منزلة الأبرار ويرجو مثل ثوابهم، والبخيل الذي ينزل نفسه منزلة الكري، والظالمون الذي يسفكون الدماء بغير حقها ويرجون أن تكون أرواحهم مع أرواح السعداء أهل الرأفة والرحمة.
قال الملك: أنا الذي أوجعت نفسي بإيراخت.
قال إيلاذ: ثلاثة هم الذين أوجعوا أنفسهم: الذي يأتي القتال ولا يتقي فيقتل، والكثير المال الذي لا ولد له ولا أخ وتجارته في الربا والغلاء على الناس فربما حسده بعضهم فأهلكه، والشيخ الكبير يخطب المرأة الشابة فلا تزال تتمنى موته.
قال الملك: إني لحقير في عينك يا إيلاذ حين تجترئ أن تقول مثل هذه المقالة بين يدي.
قال إيلاذ: ثلاثة يحقرون أربابهم: الذي يجترئ ويهذي بالكلام ويقول ما يعلم وما لا يعلم، والمملوك الغني الذي سيده فقير فلا يعطي سيده من ماله شيئاً ولا يعينه به، والعبد الذي يغلظ لسيده في القول ويخاصمه ثم يستطيل عليه في الخصومة.
قال الملك: إنك لتسخر بي يا إيلاذ، وددت أن إيراخت لم تكن ماتت.
قال إيلاذ: ثلاثة ينبغي لهم أن يسخر منهم: الذي يقول: “قد شهدت زحوفاً كثيرة فأكثرت القتل والسبي” فلا يُرى في جسده أثر من القتال، والذي يخبر أنه عالم بالدين ناسك مجتهد وهو يعيش التنعّم والرفاهية تراه أسمن من الأثمة الفجار، فذلك ينبغي أن يخسر منه ويتهم فيما أخبر عن نفسه. فإنّ من أذاب نفسه في طاعة الله يكون مهزول الجسم قليل الطعم، والمرأة التي تسخر من ذات الزوج ولعلها أن تكون بذيّة.
قال الملك: إنك لمتجبر يا إيلاذ.
قال إيلاذ: ثلاثة يتجبرون: الجاهل الذي يعلّم السفيه ويقبل منه ويماريه فيصير أمره إلى ندامة، والذي يهيج السفيه ويتحرّش به متعمداً أذاه فيؤذي بذلك نفسه، والذي يفضي سره إلى من لا يختبره ويدخله في الأمر العظيم ويثق به ثقته بنفسه.
قال الملك: أنا الذي جلبت المشقة على نفسي.
قال إيلاذ: إثنان هما اللذان يجلبان المشقة على أنفسهما: الذي ينكص على عقبيه ويمشي القهقري فربما عثر فيتردى في بئر أو يقع في مهواة، والذي يقول “أن من كماة الحرب” فيغرّ غيره، فإذا حضر الناس للقتال تلفّت يميناص وشمالاً فيحتال للفرار.
قال الملك: لقد تصرّم ما بيني وبينك يا إيلاذ.
قال إيلاذ: ثلاثة لا يلبث ودهم أن يتصرّم: الخليل الذي لا يلاقي خليله ولا يكاتبه ولا يراسله، والخل الذي يكرمه أحباؤه ولا ينزل ذلك منزلته ولا يقلبه بقبوله ولكنه يستهزئ بهم ويسخر منهم، والقاصد خلانه في النعيم والفرح وقرة العين يسألهم الأمر الذي يقدرون عليه ثم لا يثيبهم على ذلك شيئا.
قال الملك: قد عملت بقتل إيراخت عملاً يستدل به على خفة حلمك يا إيلاذ.
قال إيلاذ: ثلاثة يعملون بجرأتهم ما تستبين به خفة أحلامهم: المستودع ماله من لا يعرف أمانته، والأبله القليل العقل الجبان الذي يخبر الناس أنه شجاع مقاتل بصير بجمع المال واتخاذ الأخلاء وبناء البنيان وهو كاذب في كل ما ذكر، والذي يزعم أنه تارك أمور الجسد مقبل على أمور الروح وهو لا يلقى إلا متابعاً لهواه تاركاً لأمر الله وتنفيذ وصيته.
قال الملك: إن ك لغير عاقل يا إيلاذ.
قال إيلاذ: ثلاثة لا ينبغي لهم أن يعدوا من ذوي العقل: الإسكاف الذي يجلس على المكان المرتفع فإذا تدحرج شفاره أو شيء من أداته شغله عن كثير من عمله، والخياط الذي يطيل خيطه فإذا تعقّد شغله عن كثير من عمله، والذي يقص أشعار الناس ويلتفت يميناً وشمالاً فيفسد شعورهم فيستوجب بما أذنب العقوبة.
قال الملك: كأنك تريد يا إيلاذ أن تعلم الناس كلهم حتى يمهروا مثلك فتريد أن تعلمني حتى أكون ماهراً.
قال إيلاذ: ثلاثة زعموا أهم قد مهروا وينبغي أن يتعلموا: الذي يضرب بالصنج والعود والطبل ولا يوافق المزمار وسائر الألحان، والمصور الذي يحسن خط التصاوير ولا يحسن خلط الأصباغ، والذي يزعم أنه ليس محتاجاً إلى علم شيء من الأعمال وأنه بالأعمال والصناعات كلها عالم ولا يبصر غور الكلام وكيف هو وفي أي ساعة له أن يكلم من هو فوقه ومن هو دونه.
قال الملك: لم تعمل بحق إذا قتلت إيراخت.
قال إيلاذ: أربعة يعملون بغير حق: الذي لا يصدق لسانه ولا يحفظ قوله، والسريع في الأكل والبطيء في العمل وخدمة من فوقه، والذي لا يستطيع أن يسكن غضبه قبل خزي الذنب، والملك الذي يهمّ بالأمر العظيم ثم يتركه.
قال الملك: لو علمت بسنّتي لم تقتل إيراخت.
قال إيلاذ: أربعة يعملون بسنة: الذي يصنع الطعام لحينه ويهيّئه فيقدمه لسيده لأوانه، والذي يرضى بامرأة واحدة ويصرف نظره عن ساء غيره ممن لا يحل له، والملك الذي يعمل الأمر العظيم بمشاورة العلماء، والرجل الذي يقهر غضبه.
قال الملك: لقد عدمت الخير يا إيلاذ.
قال إيلاذ: أربعة هم الذي عدموا الخير: المملوء جسمه ظلماً وإثماً، والخسيع المعجب بنفسه، والذي قد تعوّد السرقة، والسريع الغضب البطيء الرضا.
قال الملك: ما ينبغي لنا أن نثق بك يا إيلاذ.
قال إيلاذ: أربعة لا يوثق بهم: الحية الماردة، وكل سبع مخوف من الحيوان، والأثمة الفجار، والجسد الذي قضي عليه بالموت.
قال الملك: إن ذوي الكرم من الناس لا ينبغي لهم أن يضاحكوا ولا يلاعبوا.
قال إيلاذ: أربعة لا ينبغي لهم أن يضاحكوا ولا يلاعبوا: الملك العظيم السلطان، والناسك المتعبد، والرجل الساحر الخسيع، واللئيم الخلق الشره الطبيعة.
قال الملك: ما ينبغي لنا مخالطتك يا إيلاذ بعد قتلك إيراخت.
قال إيلاذ: أربعة لا يخالط بعضهم بعضاَ: الليل والنهار، والبر والفاجر، والنور والظلمة، والخير والشر.
قال الملك: ما ينبغي لأحد أن يثق بك يا إيلاذ أبداً.
قال إيلاذ: أربعة لا يوثق بهم: اللص والكذوب والمذّاق والحقود المتسلط.
قال الملك: لم يصبني حزن كحزني على إيراخت.
قال إيلاذ: خمس من النساء ينبغي أن يحزن عليهن: الكريمة الحسب ذات الشرف العظيم، والعاقلة اللينة العالمة، والحليمة الطاهرة الجيب، والحصان الميمونة الطائر، والمؤاتية لبعلها الراضية المتحننة عليه.
قال الملك: من ردّ عليّ إيراخت حية فله عندي من المال ما أحب.
قال إيلاذ: خسمة المال أحب إليهم من أنفسهم: الذي يقاتل بالأجرة لا نية له في القتال إلا إصابة أجرته، واللص الذي ينقب البيوت ويقطع الطريق فتقطع يداه أو يقتل، والتاجر الذي يركب البحر يطلب جمع المال، وصاحب السجن الذي مُناه أن يكثر أهل سجنه ليصيب منهم، والمرتشي في الحكم.
قال الملك: قد أثبتّ في نفسي عليك حقداً بقتلك إيراخت يا إيلاذ.
قال إيلاذ: أربعة الحقد بينهم ثابت: الذئب والخروف، السنور والفأرة، البازي والدُّرّاج، والبوم والغراب.
قال الملك: ليس تأخذني سنة ولا نوم من حزني على إيراخت.
قال الملك: لقد كرهت قتل إيراخت.
قال إيلاذ: سبعة أشياء مكروهة: الشيخوخة التي تسلب الشباب البهاء، والوجع الذي ينحل الجسم وينزف الدم، والغضب الذي يفسد علم العلماء وحكم الحكماء، والهمّ الذي ينقص العقل ويسلّ الجسم، والبرد الذي يضرّ، والجوع والعطش اللذان يجهدان كلّ شيء ويخزيانه، والموت الذي يفسد جميع البشر.
قال الملك: غبنتني وغبنت نفسك يا إيلاذ.
قال إيلاذ: ثمانية يغبنون أنفسهم وغيرهم: ذو العلم القليل يتكلف أن يعلّم الناس كثيراً، والرجل العظيم ذو العقل وليس يدري فطنة، والذي يطلب ما لا يدرك ولا ينبغي له إدراكه، والبذيء الفجور الأشر العادي طوره المستغني برأيه عن مشاورة الأخلاء من أهل العقل والنصح له، وموارب الملوك والعظماء ولا حلم له ولا علم، ومطّلب العلم الذي يخاصم فيه من هو أعلم به منه ولا يقبل منه ما علّمه، ومجامل الملوك غير مانح لهم الصفاء ولا باذل للهم ودّ صدره، وملك قهرمانة وخازنه كذاب مهذار سيء الطبيعة لا يقبل الأدب من مؤدب.
ثم سكت إيلاذ وعليم أن الملك قد اشتدّ حزنه على إيراخت واشتاق إلى رؤيتها، فقال له الملك: ما بالك سكتّ يا إيلاذ.
قال: أيها الملك إني قد تطاولت عليك فيما امتحنتك به ما آل إليه أمرك في إيراخت. وأنا الآن حقيق بأن آتي الملك بهذه التي أحبها هذا الحب وحرص على رؤيتها أشد الحرص وحلم على عقوبتي مع طول تبصرتي إياه في أشياء كثيرة وتطرّفي له في القول. فإنه ليس في الأرض ملك مثلك ولا شبيه بك، ولا كان فيما مضى ولا يكون ذلك إلى آخر الأبد إذ لم يسلبك الغصب حلمك. وأنا مع رقّة شأني وصغر خطري أقول ما أقول ولكن لم تزل عليك السكينة والوقار مع سواك في العلم والحلم ولين الكنف لحب السلامة والخير مع جميع الناس. فإنك لكرم أصلك وسعة حلمك ملكت نفسك وصرت على ما سمعت مني مع صغر أمري ورقة شأني. فأشكر لك أيها الملك إذ لم تأمر بقتلي وها آنذا قائم بين يديك قد فعلت الذي فعلت لنصحي وحبي لك. فإن كانت دخلت هذه في معصية فإن لك الحجة والسلطان على عقوبتي وقتلي.
فلما سمع الملك أن إيراخت أم جوبر هي حية اشتد فرحه وقال لإيلاذ: إنه كان يمنعني من الغضب عليك ما علمت من نصيحتك وصدق حديثك. وكنت أرجو لمعرفتي بحلمك ألا تكون قتلك إيراخت. فإنها تفعل ذلك لعداوة ولا لطلب مضرّة لكنها فعلت لغيرة. وكان ينبغي لي أن أعرض عن ذلك وأحتلمه ولا أغضب لأن يعرفت أن الذنب كان لي، وإن كنت مستيقناً أنك تعلم أني لم آمرك بما أمرتك فيها من القتل إلا وأنا نادم على ما أمرتك، لكنك أردت أن تجرّب الملك أو تتركه في شكّ وخفت أن أعاقبلك إن قلت “لم أقتلها”. ومعاذ الله أن يكون ذلك رأي وأن أكون فاعلاً ذلك بك. ولكن لك حق شاكر فانطلق فأتني بإيراخت وارددها عليّ.
فخرج إيلاذ من عند الملك وأمر إيراخت أن تتزين وتلبس ثيابها ففعلت ذلك. ثم انطلق بها إلى الملك فدخلت عليه وقبّلت رأسه. فلما رآها اشتد فرحه وقال: افعلي ما أحببت فلا أصرف هواك عن شيء.
قال إيراخت: أدامالله ملككم إلى الأبد فكيف لولا رأفتكم وسعة أحلامكم تندمون على ما كان منكم في أمري هذه الندامة. فإنكم لو لم تذكروني آخر الأبد لكنت لذلك أهلاً للذي كان مني حتى أمر الملك بقتلي. وبرأفتكم شرككم إيلاذ في كفه عن قتلي. ولولا ثقة إيلاذ بسعة أحلامكم مع رأفته وعدله ووفائه لأنفذ ذلك الأمر وأهلكني.
قال الملك لإيلاذ: إنك قد اصطنعت عندي ما وجب به شكرك ولما لم يره ملك من عبيده لم يصطنع إليّ أمر أعظم عندي من أنك لم تقتل إيراخت، بل أحييتها بعد ما قتلتها أنا فوهبتها إليّ اليوم ورددتها عليّ فلم أكن قطّ أرضى عنك مني اليوم.
قال إيلاذ: أنا عبدك وحاجتي اليوم ألا تعجل بعدها في الأمر العظيم الذي يندم عليه وتكون عاقبته الهم والحزن كما رأيت، ولا سيما في أمر هذه التي لا يوجد لها في الأرض شبيه.
قال الملك: لحقنا قلت يا إيلاذ وقد قبلت قولك في كل ما أمرت به فيكف في مثل هذا الأمر العظيم الذي قد مرّ بي. فإني لست عاملاً بعده صغيراً ولا كبيراً إلا بعد المؤامرة والنظر والتؤدة.
ثم إن الملك أعطى تلك الثياب إيراخت ودخل معها إلى مكان نسائه فرحاً مسروراً. ثم ائتمر بعد ذلك هو وإيلاذ في قتل أولئك البراهمة الذين أرادوا هلاك حشم الملك وأهله فقتلوا ونهبوا ونفوا من الأرض. وقرّت أعين عظماء أهل مملكته وحمد الله وأثنى عليه وشكر لكنان أبزون فضل علمه وسعة حلمه لأن بعلمه كان خلاص الملك وزوجته وولده والوزراء الصالحين الذين هم أحب الخلق إليه.
فهذا باب الحلم والعقل والأدب.
باب الأسد والشعهر الصوّام
قال الملك للفيلسوف: قد فهم مثل أهل الترات وحذر بعضهم بعضاً فاضرب لي إن رأيت مثل الملوك فيما بينهم وبين قرائبهم، وفي مراجعة من تراجع منهم بعد عقوبة أو جفوة تكون عن ذنب يذنبه أو ظلم يظلمه.
قال الفيلسوف: إن الملك إذا لم يراجع من أصابته جفوة أو عقوبة عن جرم اجترمه أو ظلم ظلمه أضرّ ذلك بالأمور والأعمال. وكان الملك حقيقاً بالنظر في حال من ابتلي بشيء من ذلك ويبلو ما عنده من العناء والذي يرجو منه النفع. فإن كان ممن يستعان به ويوثق برأيه وأمانته كان الملك حقيقاً بالحرص على مراجعته. فإن الملك لا يستطاع إلا بالوزراء والأعوان. ولا ينتفع بالوزراء والأعوان إلا بالمودة والنصيحة. ولا تصلح النصيحة والمودة إلا مع إصابة الرأي والعفاف الكثير. ومن يحتاج إليهم من العمال والأعمال كثير. ومن يجمع منهم الذي ذكرت من النصيحة وإصابة الرأي قليل. وإنما التمسك بالوجه الذي به يستقيم العمل أن يكون الملك عالماً من يريد الاستعانة به وما عند كل رجل منهم من الغناء والرأي، وما فيه من العيوب. فإذا استقر ذلك عنده من علمه أو علم من يؤتمن به وعمل ما يستقيم به وجّه لكل عمل من قد عرف أنّ عنده من الأمانة والنجدة والرأي ما يستقل بذلك، وإن الذي فيه من العيب لا يضرّ بذلك العمل. ويتحفّظ من أن يوجه عيوبه وعاقبة ما يكره منه. ثم على الملك بعد ذلك ألا يترك تعاهد عمّاله والتفقد لهم ولأمورهم حتى لا يخفى عليه إحسان محسن ولا إساءة مسيء. ثم عليهم بعد ذلك ألا يتركوا محسناً بغير جزاء ولا يقروا مسيئاً ولا عاجزاً على العجز والإساءة، فإنهم إن صنعوا ذلك تهاون المحسن وجترأ المسيء ففسد الأمر وضاع العمل. ومثل ذلك مثل الأسد والشعهر وهو ابن آوى.
قال الملك: وكيف كان ذلك؟
قال الفيلسوف: زعموا أنه كان بأرض كذا وكذا ابن آوى وكان متألّهاً متعففاً في بنات آوى وثعالب وذئاب. ولم يكن يصنع ما يصنعن ولا يغير كما يغرن ولا يريق دماً ولا يأكل لحماً. فخاصمته تلك السباع وقلن: لا نرضى بسيرتك ولا رأيك الذي أنت عليه من تألهك مع أن تألهك لا يغني شيئاً. وأنت لا تستطيع أن تكون أحدنا فتسعى معنا وتفعل فعلنا. فما الذي يمسك كفك عن الدماء واللحم؟
قال ابن آوى: إن صحبتي إياكم لا تؤثمني إذا لم أؤثم نفسي لأن الآثام ليست من قبل الأماكن والأصحاب، ولكنها من قبل القلوب والأعمال. ولو كان صاحب المكان الصالح يكون عمله فيه صالحاً وصاحب المكان السوء يكون عمله فيه سيئاً، إذاً كان من قتل الناسك في محرابه لم يأثم ومن استحياه في معركة القتال أثم. أترونني إن صحبتكم بنفسي لم يصحبكم مني قلب ولا عمل لأني أعرف ثمرة الأعمال.
فما عاش ابن آوى على حالته تلك وشهر النسك والنبالة في الرأي حتى بلغ ذلك الأسد، وكان ملك السباع بتلك الناحية. فرغب فيه للذي بلغه عنه من العفاف والصدق والأمانة. فأرسل إليه فكلّمه وفحصه ثم دعاه بعد أيام إلى صحبته، وقال: إن ملكي عظيم وأعمالي كثيرة وأنا إلى الأعوان محتاج، وقد بلغني عنك عقل وعفاف. ثم قدمت عليّ فازددت فيك رغبة، وأنا موليك من عملي جسيماً ورافع منزلتك إلى منزلة الأشراف وجاعل لك مني خاصة.
قال ابن آوى: إن الملوك أحقاء باختيار الاعوان لما يهتمون به من أعمالهم وأمورهم من غير أن يكرهوا على ذلك أحدا، لأن المكره لا يستطيع المبالغة في العمل. وأنا لعمل السلطان كاره وليست لي به تجربة ولا بالسلطان رفق. وأنت ملك السباع عندك من أجناس السباع عدد كثير، وفيهم أهل نبل وقوة وبهم على العمل حرص ولهم به رفق، فإن استعملتهم أغنوا عنك واغتبطوا لأنفسهم بما أصابوا من ذلك.
قال الأسد: دع عنك هذه المقالة، فإني غير معفيك من العمل.
قال ابن آوى: إنما يستطيع صحبة السلطان رجلان: أحدهما فاجر مصانع ينال حاجته ويسلم بمصانعته، والآخر رجل مهين مغفل لا يحسده أحد. فأما من أراد صحبة السلطان بالصحة والنصيحة والعفاف، ثم لا يخلط ذلك بمصانعة، فقلّ ما يسلم بصحته لأنه يجمع له عدو السلطان وصديقه بالعداوة والحسد. فأما الصديق فينافسه في منزلته ويبغي عليه فيها ويعاديه لها. وأما عدوّ السلطان فيضطغن عليه بنصيحته لسلطانه وإغنائه عنه. فإذا اجتمع عليه هذا الصفان تعرّض للهلاك.
قال الملك: لا يكونن بغي أصحابي عليك وحسدهم إياك وعداوة أعدائي لك مما يعرض في قلبك، فإني كافيك وبالغ بك في الكرامة والإحسان بهمتك.
قال ابن آوى: إن كان الملك يريد بي الإحسان والكرامة فليتركني أعيش في هذه البرية آمناً راضياً بعيشتي من الماء والحشيش. وقد علمت أن صاحب السلطان يصل إليه في ساعة واحدة من الأذى والخوف ما لا يصل إلى غيره طول عمره. وإن قليل العيش في أمر وطمأنينة خير من كثيره في خوف ونصب.
قال الأسد: قد سمعت مقالتك فلا تخافنّ شيئاص مما أراك تتخوفه. فلا بد من الاستعانة بك.
قال ابن آوى: أما إذا أبى الملك أن يعفيني فليجعل لي عهداً إن بغى علي أحد من أصحابه ممن هو فوقي خوفاً على منزلته، أو ممن هو دوني فنازعني منزلتي وذاكر الملك بلسانه أو لسان غيره مما يريد به تحميل الملك عليّ ألاّ يعجّل عليّ ويتثبّت فيما يرفع إليه من ذلك، ويفحص عنه ثم يقضي الملك فيما بدا له. فإني إذا وثقت بذلك من الملك أعنته بنفسي وعملت له فيما ولأني بنصيحة واجتهاد وحرصت على أن لا أجعل على نفسي سبيلاً.
قال الأسد: إن ذلك لك علي. فولاّه خزائنه واختصّه دون أصحابه في المشاوة والرأي في المنزلة وازداد به على الأيام عجباً وزاده كرامة وعملاً. فثقل ذلك على من يطيف بالأسد من قرائبه وأصحابه وعمّاله وعادوه وحسدوه وائتمروا به ليهلكوه. فلما أجمعوا على ذلك لكيدهم دسّوا ذات يوم للحم كان الأسد استطرفه واستطابه فأمر برفعه في موضع طعامه ليعاد عليه فسرقوه ثم أرسلوا به إلى بيت ابن آوى فخبأوه مخبّأ لا يطّلع عليه أحد. فلما كان من الغد ودعا الأسد بغدائه التمس ذلك اللحم فلم يجده وابن آوى غائب والقوم الذي أرادوا المكر به والمكيدة حضور. فألحّ الأسد في طلب اللحم حتى غضب. فنظر بعضهم إلى بعض، فقال أحدهم قول المخبر الناصح: إنه لا بد لنا من أن نخبر الملك بعلمنا فيما يضره وينفعه وإن شقّ ذلك عليه. إنه بلغني أن ابن آوى كان ذهب بذلك اللحم إلى منزله.
قال آخر: أراه شبيهاً أن يكون فعل هذا، ولكن انظروا وافحصوا فإن معرفة الخلائق شديدة.
قال آخر: لعمري ما تكاد السرائر يطّلع عليها أحد ولعلكم إن فحصتم وجدتم ذلك وثبت عندنا كل شيء كان يذكر لنا من عيوبه وخيانته، ونحن أحقاء أن نخذله ونقضي بكل ما كان يقال عنه.
قال آخر: ما ينبغي لأحد أن يغترّ بما يعلم في نفسه من المختالة. فإن المختالة لا يسلم صاحبها ولا تخفى له.
قال آخر: وكيف يسلم من خاتل السلطان أو كيف يخفي ذلك، ومخاتلة الأصحاب لا تكاد تخفى؟
قال آخر: لقد أخبرني مخبرٌ عن ابن آوى بأمر عظيم مما وقع في نفسي حتى سمعت كلامكم.
قال آخر: لكني لم يخف عليّ أمره وخبّه أول ما رأيته وقد قلت مراراً واستشهدت فلاناً أن هذا المخادع المتخشّع لا يسلم من الحيلة والخيانة.
قال آخر: لئن وجد هذا حقاً ما هي الخيانة فقط بل مع الخيانة كفر النعمة والجرأة على الذنوب.
قال آخر: أنت أهل العدل والفضل ولا أستطيع أن أكذبكم، ولكن سيتبين صدق هذا وكذبه لو أرسل الملك إلى بيت ابن آوى ففتشه.
قال آخر: إن وجب تفتيش منزله فالعجل العجل. فإن عيونه وجواسيسه مبثوثة بكل مكان.
قال آخر: إني قد علمت بأن ابن آوى لو فتش منزله واطلع على خيانته سيحتال بحيلته ومكره حتى يشبه على الملك فيعذره ويكفّ عنه.
فلم يزالوا بهذا الكلام وأشباهه حتى أوقعوا ذلك في نفس الأسد بالأتهام لابن آوى فدعاه فقال له: ما صنعت باللحم الذي أمرتك بالاحتفاظ به؟
فقال: دفعته إلى صاحب الطعام فلان ليقرّبه إلى الملك.
فدعا الملك صاحب الطعام وكان ممن شايع القوم، فسأله الملك عن اللحم فقال: ما دفع إليّ شيئاً.
فأرسل الملك أمناءه ليفتشوا منزل ابن آوى فوجدوا فيه اللحم فأتوه به. فدنا من الأسد ذئب لم يتكلم في شيء من تلك الأمور، وكان يظهر أنه من أهل العد ل والذين لم يتكلموا إلا فيما استبان لهم أنه حق فقال للأ