الفصل التاني
عاصفة ثلجية - الكسندر بوشكين
لم یكن أحد في البیت یعلم بمشروع الھروب. أحرقت الرسالتان اللتان كانت قد كتبتھما في عشیة الھرب، ولم
تخبر وصیفتھا أحداً بشيء خوفاً من غضب السید والسیدة. والتزم القس، وضابط الفرسان المتقاعد، ومساح
الأرض المشورب، والفارس الشاب من الخیالة الخفیفة جانب الرزانة. ولیس دون مقابل. أما الحوذي تیریشكا فلم
یحدث أن أفضى بشيء زائد عن اللزوم، حتى وھو سكران .وھكذا كتم السر أكثر من نصف دزینة من
المتواطئین. إلا أن ماریا غفریلوفنا نفسھا أفشت السر في ھذیان مستدیم. ولكن كلماتھا كانت متنافرة جدا، حتى أن
أمھا التي لم تغادر فراشھا لم تستطع أن تفھم منھا إلا أن ابنتھا كانت متیمة بفلادیمیر نیقولایفیتش، وأن الحب،
ربما، كان السبب في مرضھا .وتشاورت مع زوجھا، ومع بعض الجیران، وفي آخر الأمر انتھى الجمیع إلى
قرار بالاجماع ھو أن ھذا كان حظ ماریا غفریلوفنا، على ما یبدو، وأن الانسان یتزوج مَنْ كُتِبَ لھ أن یتزوجھ
وأن الفقر لیس نقیصة وأن الانسان یعیش مع انسان ولیس مع ثروة، وما شابھ ذلك. وأحكام الأخلاق قد تكون
وخلال ذلك أخذت الآنسة تتماثل إلى الشفاء. وظل فلادیمیر منقطعا عن بیت غفریلا غفریلوفیتش فترة طویلة.
قرروا أن یستدعوه ویبلغوه بالخبر السار المفاجئ: الموافقة على الزواج. ولكن كم كانت دھشة أصحاب ضیعة
نینارادوفو عظیمة حین تلقوا منھ في الرد على دعوتھم رسالة شبھ جنونیة! فقد أبلغھم أن قدمھ لن تطأ عتبة دارھم
أبدا، وطلب أن ینسوا البائس الذي یبقى الموت الأمل الوحید لھ. وبعد عدة أیام عرفوا أن فلادیمیر قد رحل إلى
ظلوا زمنا طویلا یكتمون ھذا الخبر عن ماشا الناقھة. ولم تكن ماشا تذكر فلادیمیر قط. وبعد بضعة أشھر وجدت
اسمھ في عداد مَنْ أبلوا بلاء حسنا قرب بورودینو وجرحوا جراحا بلیغة. فأغمى علیھا: وخشى أھلھا أن تعود
ونزلت بھا فاجعة أخرى. فقد قضى غفریلا غفریلوفیتش نحبھ، وخلقھا وریثة وحیدة للضیعة كلھا. إلا أن المیراث
لم یُسرِّ عنھا، فشاطرت براسكوفیا بیتروفنا التعیسة مصابھا عن اخلاص، مقسمة الیمین على ألا تفارقھا أبدا .
وفي ھذه الضیعة أیضاً حام الخطاب حول الآنسة الحلوة الثریة، إلا أنھا لم تعط أحدا منھم أي أمل. كانت أمھا
تقنعھا أحیانا بأن تختار لھا صاحباً؛ إلا أن ماریا غفریلوفنا كانت تھز رأسھا ، وتغرق في تفكیر. وكان فلادیمیر
قد فارق الدنیا، فقد توفي في موسكو عشیة ھجوم الفرنسیین. وصارت ذكراه مقدسة عند ماشا؛ وعلى أقل تقدیر
حرزت على كل شيء یذكرھا بھ: الكتب التي قرأھا، ورسومھ، والنوطات والأشعار التي استنسخھا لھا. وعندما
عرف الجیران بكل ذلك، أعجبوا ببقائھا على العھد، وانتظروا بفضول البطل الذي لا بد أن ینتصر، أخیرا ، على
وفي غضون ذلك انتھت الحرب مكللة بالمجد، وعادت أفواجنا من خارج الوطن .وخرج الناس لاستقبالھا.
وعزفت الموسیقى أناشید البلدان المغلوبة علیھا * Vive Henri-Quatre :وألحان الفالس التیرولیة، ومعزوفات
من اوبرا جوكوندا .والضباط الذین خرجوا في الحملة، وھم صبیان تقریبا، عادوا وقد نضجت رجولتھم في جو
الحرب، وھم یعلقون النیاشین في صدورھم. وكان الجنود یتحدثون فیما بینھم مرحین، تتخلل كلامھم كلمات
ألمانیة وفرنسیة من حین لآخر. فیا لھ من زمن لا ینسى! زمن المجد والفرح الفاخر! ما أشد خفقان القلب الروسي
حین كان یسمع كلمة وطن! وما أعذب دموع اللقاء ! وبأي اجماع كنا نربط بین مشاعر الفخر الشعبي والحب
كانت النساء ، النساء الروسیات، آنذاك لا یُضارعن. اختفت برودتھن المألوفة. وكانت نشوتھن فتانة حقا، حین
مفیدة فائدة مذھلة في الأحوال التي نكون فیھا غیر قادرین على أن نبتكر تبریرا لأنفسنا.
الجیش. وكان ذلك في عام ١٨١٢.
الحمى إلیھا. إلا أن الإغماء، والحمد الله، لم یخلف عواقب.
وتركت كلتاھما نینارادوفو، موطن الذكریات الالیمة، وسافرتا لتعیشا في ضیعة ن...
الوفاء المفجع لارتمیزا* العذراء.
نحو القیصر! ثم أیة لحظة عظیمة كانت للقیصر!
كن یھتفن مرحى! لدى استقبالھن الظافرین.
وألقین القلنسوات في الھواء.
ومَنْ من الضباط آنذاك لا یقربانھ كان مدینا للمرأة الروسیة بأفضل وأثمن جائزة؟..
في ذلك الزمن الزاھي كانت ماریا غفریلوفنا وأمھا تعیشان في ولایة ك..، فلم تریا كیف احتفلت العاصمتان بعودة
القوات. إلا أن الفرحة العامة في الأقضیة والقرى ربما كانت أشد. فإن ظھور ضابط في تلك المناطق كان
كنا قد ذكرنا أن ماریا غفریلوفنا ، رغم برودتھا، كانت محاطة بالخُطّاب كالعادة. ولكن الجمیع اضطروا إلى
التراجع حین ظھر في حصنھا العقید الجریح بورمین من سلك الفرسان، وقد علق في عروتھ وسام غیورغي،
وران على وجھھ شحوب لطیف، كما قالت الأوانس ھناك. كان في نحو السادسة والعشرین من العمر. وحضر
في الاجازة إلى ضیعتھ المجاورة لقریة ماریا غفریلوفنا. قود فضلتھ ماریا غفریلوفنا كثیرا على الآخرین. كان
استغراقھا المعتاد یزایلھا في حضرتھ. لا یصح أن یقال أنھا كانت تغازلھ؛ ولكن لو لاحظ الشاعر سلوكھا لقال:
كان بورمین، في واقع الحال، شابا لطیفا جدا ، وكان لھ ذلك العقل الذي یعجب النساء: عقل یتسم بالرزانة
والملاحظة، دون أي ادعاء، مع مسحة من الدعابة غیر المكترثة. وكان سلوكھ مع ماریا غفریلوفنا بسیطا وعلى
السجیة. إلا أنھ كلما قالت قولا أو فعلت شیئاً كانت روحھ وبصره یتابعانھا. كان ذا مزاج ھادئ متواضع، الا أن
مھرجانا حقیقیا لھ، والمعشوق في ثیاب مدنیة سيء الحظ إلى جواره.
* ....؟Se amor non e, che dunque
اشاعة سرت تؤكمد انھ كان في أحد الأوقات ماجنا مسرفا، ولم یضر ذلك بھ في نظر ماریا غفریلوفنا التي كانت
ولكن أكثر.. أكثر ما شحذ فضولھا وخیالھا (أكثر من رقتھ، وأكثر من عذوبة حدیثھ، وأكثر من شحوبھ اللطیف،
وأكثر من ذراعھ المشدودة) ھو صمت ھذا الفارس الشاب. إنھا ما كانت لتستطیع أن تفكر أنھ قد أعجب بھا
كثیرا؛ ومن المحتمل أنھ ھو أیضاً، بما وھب من عقل وخبرة، ما كان یستطیع أن یغفل أنھا كانت تخصھ بعنایتھا،
فكیف لم تره حتى الآن راكعا على قدمیھا، ولم تسمع منھ بوحا لھا بالحب؟ ماذا كان یمنعھ؟ الوجل الذي لا نفصل
عن الحب الحقیقي، أم ھي الأنفة أو دلال زیر نساء؟ كان ذلك لغزا لھا. بعد أن تروت في الأمر قررت أن الوجل
ھو السبب الوحید لذلك. وعزمت على تشجیعھ باھتمام شدید، وحتى بالرقة، اذا اقتضت الظروف. وأعدت لھ
تدبیرا غیر متوقع تماما، وانتظرت بنفاذ صبر لحظة المكاشفة الرومانسیة. والسر، مھما یكن نوعھ، یثقل على
قلب المرأة دائما. وأتت عملیاتھا العسكریة بالنجاح المطلوب: على الأقل، سقط بورمین في استغراق، وكانت
عیناه السوداوان تصوبان على ماریا غفریلوفنا نارا حامیة حتى بدا أن اللحظة الحاسمة وشیكة الوقوع. وأخذ
الجیران یتحدثون عن الزفاف، وكأنھ أمر مفروغ منھ، وفرحت براسكوفیا بیتروفنا الطیبة بان ابنتھا عثرت أخیرا
وذات مرة كانت العجوز جالسة وحدھا في غرفة الجلوس تستخیر ورق اللعب، حین دخل بورمین الغرفة، وسأل
في الحال عن ماریا غفریلوفنا. أجابت العجوز "إنھا في الحدیقة. اذھب إلیھا، وسأنتظركما أنا ھنا". خرج بورمین
وجد بورمین ماریا غفریلوفنا تحت شجرة صفصاف عند البركة ، وفي یدیھا كتاب، وقد ارتدت فستانا أبیض،
مثل بطلة روائیة حقیقیة. وبعد الأسئلة الأولى كفت ماریا غفریلوفنا عن مجاذبة الحدیث عامدة، لتزید بذلك
الارتباك المتبادل الذي لا یمكن التخلص منھ إلا بمصارحة مفاجئة حاسمة. وھذا ما حصل: فان بورمین، وقد
شعر بحراجة موقفھ، أعلن أنھ كان یتحین منذ وقت طویل فرصة أن یفتح قلبھ لھا ، وطلب أن تصغي إلیھ لحظة.
قال بورمین: "أنا أحبك، متیم بك.." (توردت ماریا غفریلوفنا، وزادت من اطراقة رأسھا.) "تصرفت بلا حذر،
وأنا أستسلم لعادة حلوة، عادة أن أراك وأسمع صوتك كل یوم..." (تذكرت ماریا غفریلوفنا رسالة سانت بریھ
الأولى.) والآن فات الأوان لمقاومة نصیبي؛ ذكراك، صورتك الفریدة الحبیبة ستكون منذ الیوم عذابا وفرحا
لحیاتي. ولكن بقي عليّ أن أقوم بواجب صعب، أن أكشف لك عن سر رھیب، وأن أضع بیننا عقبة منیعة.." أفلت
من ماریا غفریلوفنا بحیویة: "انھا كانت موجودة دائما. وما كان في وسعي أن أكون زوجتك قط .." أجابھا
بخفوت صوت: "أعرف، أعرف أنك كنت تحبینھ ولكن موتھ وثلاثة أعوام من الحزن.. یا ماریا غفریلوفنا الطیبة
الحبیبة! لا تحاولي أن تحرمیني من عزائي الأخیر: "التفكیر بأنك من الممكن أن توافقي على اسعادي لو لا ..
اسكتي، بحق الرب، اسكتي. انك تعذبینني. نعم. أنا أعرف، أشعر بأن من الممكن أن تكوني لي، ولكنني أتعس
(مع جمیع الشابات عامة) تغفر الشقاوات التي تنم عن جرأة الرجل وتوقده.
على عریس لائق.
ورسمت العجوز علامة الصلیب ، وفكرت مع نفسھا: یبدو أن الأمر سینتھي الیوم!
أغلقت ماریا غفریلوفنا الكتاب، وأطرقت إمارة على الموافقة.
- أنا متزوج ، متزوج منذ أربعة أعوام، وأنا لا أعرف من زوجتي ، ولا أین ھي، وھل سألتقي بھا یوما
مخلوق.. أنا متزوج!"
حدقت ماریا غفریلوفنا فیھ منذھلة.
وتابع بورمین كلامھ:
ھتفت ماریا غفریلوفنا:
ما!
- ماذا أنت قائل؟ ما أغرب ذلك! تابع كلامك؛ وسأخبرك فیما بعد.. تابع، أرجوك.
قال بورمین:
- في بدایة عام ١٨١٢ ھرعت إلى فیلنو ، حیث كان فوجي. وذات مساء وصلت إلى المحطة في ساعة
متأخرة، فطلبت ان تعد الخیول سریعا، واذا بعاصفة ثلجیة مریعة تھب فجأة. فنصحني المراقب والحوذیة بأن
أتریث. فاستجبت لكلامھم، إلا أن قلقا غامضا استبد بي، كأن شخصا ما كان یدفعني دفعا. وفي غضون ذلك لم
تھدأ العاصفة الثلجیة؛ ولم اصطبر ، وطلبت ثانیة أن تعد الخیول، وخرجت في قلب العاصفة. عنّ للحوذي أن
یسیر بمحاذاة النھر الذي كان یجب أن یختصر طریقنا مسافة ثلاثة فراسخ. كانت شواطئھ مخفیة، وفات الحوذي
بالموضع الذي كان یجب أن نخرج منھ إلى الطریق، وبذلك وجدنا أنفسنا في ناحیة غریبة. كانت العاصفة لم تھدأ
بعد، ولمحت ضوءاً، فطلبت منھ أن یتجھ إلیھ. ودخلنا قریة، ورأینا الضوء مشتعلا في كنیسة خشبیة. وكانت
الكنیسة مفتوحة، ووراء السیاج بعض الزلاجات. وكان الناس یسیرون في رواق الكنیسة. وصاحت عدة أصوات
"إلى ھنا ! إلى ھنا ". طلبت من الحوذي أن یقترب. قال لي أحد الناس: "عجبا أین ضعت؟ العروسة في غیبوبة،
والراھب لا یعرف ماذا یفعل. وكنا نھم بأن نعود أدراجنا، اسرع". قفزت من الزلاجة صامتا، ودخلت الكنیسة
المضاءة بشمعتین أو ثلاث ضوءا باھتا. كانت فتاة تجلس على مصطبة في ركن من الكنیسة مظلم؛ وكانت فتاة
أخرى تفرك لھا صدغیھا. قالت ھذه "حمداً الله أنك جئت أخیرا. كادت الآنسة تموت". واقترب القس العجوز مني
سائلا " قل لي ھل نبدأ؟" أجبت أنا في ذھول "ابدأ ، ابدأ ، یا ابانا". وانھضوا الفتاة. فرأیتھا جمیلة... نزق مبھم لا
یغتفر.. وقفت إلى جنبھا أمام مقرأ الكتاب المقدس؛ وكان القس على عجالة من أمره؛ وكان ثلاثة رجال ووصیفة
یسندون العروسة، وینشغلون بھا وحدھا. وعُقِد قراننا . وقالوا لنا: "تبادلا القبل". حولت زوجتي إليّ وجھھا
الشاحب. وھممت بتقبیلھا... واذا بھا تصرخ "یاه، لیس ھو! لیس ھو!"، وأغمي علیھا. سدد الشھود عليّ عیونھم
المذعورة. استدرت وخرجت من الكنیسة، دون أن یعترضني أحد، وألقیت نفسي في العربة، وصحت "انطلق!"
- یا إلھي ! وأنت ألا تعرف ماذا حصل لزوجتك المسكینة؟
صاحت ماریا غفریلوفنا:
أجاب بورمین:
- لا أعرف ، لا أعرف اسم القریة التي تزوجت فیھا، ولا أتذكر المحطة التي جئت منھا. في ذلك الوقت
لم أُول اعتبارا كبیرا لشقاوتي الآثمة حتى أنني غفوت بعد مغادرتي الكنیسة، واستیقظت في صباح الیوم التالي،
وأنا في المحطة الثالثة. والخادم الذي كان معي آنذاك مات أثناء الحملة، ولھذا فلیس لي حتى أمل العثور على تلك
التي عبثت معھا ھذا العبث القاسي، فانتقمت الآن ھذا الانتقام القاسي.
- یا إلھي ، یا ألھي ! إذن ، كنت أنت ! وأنت لا تعرفني ؟
قالت ماریا غفریلوفنا، وھي تمسك یده:
شحب بورمین ... وارتمى على قدمیھا ...