-فنجان قهوة -
جاءت الفتاة التي من المفترض انها عروستي .. جاءت بعباءتها السوداء المفتوحة
وفستانها الخمري الجميل كان فضفاض لا يوضح أي شيء من جسدها ، كان قوامها طويل ورشيق لكن عندما نهضت وصرتُ قبالها باتت كالقزم أمامي
ابتسمت لها بتوتر برهبة من أن تكون هي أيضاً خائفة مني .. لم استطع التمعن بها من شدة توتري بل بحركة عفوية نهضت من مكاني وأخذت من بين يديها الصينية قائلا بلطف : تفضلي ياعروستي
ومن شدة غبائي تلامست أصابعنا وشعرت أن الكهرباء تسري بجسدي حتى أوشكت أن تقع من بين يدي الصينية
تقدمت عروستي الرقيقة وجلست أمامي بينما أنا وضعت الصينية على الطاولة وجلست بالقرب منها على الأريكة المجاورة
كانت تنظر لي بصمت ولكن نظراتها غريبة شعرت أنها مستنكرة وجودي وشكلي وحتى تصرفاتي معها
لا الومها فأنا على حسب علمي وعلمها " زوجها المستقبلي " وهي " زوجتي
المستقبلية "
تكلمت عندما شعرت أن الشوفة الشرعية ستنقلب عزاء على هذا الصمت والهدوء المُخيف ..
بنبرة لطف قُلت : وش اسمك ؟
رفعت سندس رأسها المخفض وتلاقت عيونها في عيون جابر وقالت بهدوء :
سندس ناصر
جابر أبتسم ونطق بنوعٍ من المغازل : سبحان من خلاك أسم على مسمى ..شوفتك تبهر الحضور و ترضي غروري
لاحظ جابر صدمة سندس عندما احمرت وجنتيها ونطقت بخجل : وأنت وش اسمك ؟
شعر جابر بالخجل من نفسه والذي احرجه أكثر هو سندس التي لم تعطي لـ ثنيه على أسمها أي ردة فعل فقال : اسمي جابر آل حمد
سبحان من خلاك أسم على مسمى
شوفتك تبهر حضوري ومقامي
سبحان من زينك وستر حلاك بغطى
يستر جمالك يا حِرم جابر و عمره .
أن قلت انك غلطة عمر بصير اقسى !
لكنك أجمل صِدف العُمر بحياتي
عانقيني بين اهدابك ولو اني العنى
ياخوفي عثرات الصدف بكره تفرقنا ! .
سبحان من خلاك أسم على مسمى
تبهرين قلبي ويميل لك غروري .
رفيع شأن ماكنه قدامك يتملى
ويهز غرور قلبي و ثبوتي !
يا مرحباٍ بك وجابر ما بعمره تسلى
غير بعيونك و مستحاك يا دلوعة قلبه .
كانت سندس هادئة وهذا ما جعلني أريد النهوض وسؤالها بكل صدق هل أنتِ راضية عن زواجنا الإجباري هذا أم كُنتِ مغصوبة مثلي!
لكن ما جعلني اتراجع عن تلك الفكرة هو صوتها عندما سألتني بصوتها الخجول :
كم عمرك ؟
نظرت لها و جاوبتها بهدوء : عمري " ٣٢ "
لاحظت على معالم وجهها الصدمة .. لا بأس أعرف بأنني اكبرك بـ ١١ عاماً
لكن لا بأس لازلنا في البدايات عزيزتي .
سندس وهي تبتسم بخوف :العمر كله …
جابر مُكمل للحديث بنفس الهدوء ونطق : وأنت كم عمرك ؟
سندس وهي تبتسم بخجل وقالت بنعومة : عمري ٢٣ سنة
تعجب جابر كيف عمرها " ٢٣ ووالدها قال أن إبنته تبلغ من العمر ٢٠ عاماً !"
لم يوضح تعجبه بل تكلم بتصنع الهدوء : العمر كله يارب
قاطع تعرفهم على بعضهم البعض هو ناصر عندما دخل مُردداً بسعادة : السلام عليكم
رد كلا من جابر و سندس السلام ، وتقدم ناصر حتى جلس بجانب سندس وهو يبتسم موجه كلامه لـ جابر : ها بشروني عسى القلوب على بعضها للحين ؟
جابر بنفس لطفه قال : أي ابشرك .. يالله لك الحمد
ناصر والدنيا لا تسعه من شدة سعادته وقال لـ سندس : ها وأنا ابوك عساك مرتاحه له ؟
نظرت سندس ناحية والدها ونطقت بهمس دون أن يسمعها جابر : يبه والله يخوف .. احسه بياكلني
ضحك ناصر .. أما جابر فقد سمعها وقال بسخرية : مانيب ماكلك يابنت الحلال
من قايلك أكل لحوم بشر
ضحك ناصر أما عن سندس فقد شعرت بخجل وتمنت أن تنشق الأرض وتبلعها
قال ناصر وهو يغمز لـ جابر : تراها دلوعة قلبي .. لا تخوفها
جابر بنبرة استهزاء قال : حتى أنا دلوع امي.. لا تخوفني هي بعد ..
ابتسم ناصر وقال لابنته بمداعبة ومزاح : شفتي كيف حتى هو حساس زيك انتبهي عليه
سندس بخجل ضربت يد والدها بخفة وقالت بدلع: بابا !!
عندما سمع جابر نبرة سندس التي ملؤها الدلع وهي تنطق " بابا " بهذا الشكل تمنى لو أنه ناصر وتناديه هكذا .. ابتلع ريقه محاولاً تمالك نفسه .
لكن ما جعله يتوتر أكثر هو صوت هاتفه الذي بدأ في الرنين .. أخرجه وهو يدعي أن لا يكون المتصل هي " وئام " .. لكن من شدة تعاسة حظه كانت بالفعل
وئام ! .. أخذ نفس عميق وهو ينظر إلى ناصر ولمحه ينظر له باستغراب وقال : وراك ماترد يا ولدي ؟
جابر بتوتر نطق : لا بس مكالمة مو مهمة
ناصر وهو يحثه على أن يرد : رد يا ولدي يمكنه شي مهم
هز رأسه جابر ونهض بعدما استئذان منهم وخرج من الملحق قاصداً الفناء الخارجي للمنزل .
عندما خرج أجاب على إتصال وئام بنبرة غضب وقال : ها وش تبين
وئام بدلع نطقت : صباح الخير ياروحي
جابر وهو يتمالك نفسه نطق بملل : صباح النور وش تبين
وئام بزعل واضح قالت : وش فيك تنافخ علي
جابر بملل من دلعها الذي لا يليق عليها فقال : وئام حبيبتي اختصري علي وش بلاك
وئام بصوتها الناعم قالت : ولا شي سلامتك .. بس اعلمك ان خالتي مزنه
عازمتنا بعد رجعتك من الرياض
جابر بتساؤل : ووش سبب العزيمة ؟
وئام وهي تضحك : أكيد عشان سلامتك وجيتك من السفر
جابر تنهد بملل وقال : أي زين …يلا توصيني على شي ؟
وئام باستغراب من استعجاله وقالت : وش فيك قرفان نفسك ؟ أحد مزعلك
بشي ؟
جابر ودون شعور صرخ بصوتٍ مكتوم : وئام وش تبغين ! .. لا تقومين تتدلعين علي مانيب " سلطان " و مستحيل اصير هو .. و قرفان نفسي لا تكلميني
وئام وبنبرة حزينة : طيب ، الله يستر عليك وأن مشيت الشرقية علم أمك أقل شي
جابر بقسوة قال : ما يخصك من أعلم ومن اخلي .. ويلا مع السلامة
وبكل سرعة منه أغلق الخط و عندما التفت ينوي الرجوع إلى الداخل لمح الواقف خلفه وكان ' ناصر '
جابر وهو يدعي من كل قلبه أن ناصر لم يستمع إلى ذلك النقاش الحاد لكن من الواضح أنه سمع ومما جعل جابر يتأكد هو سؤال ناصر : مرتك الأولى ؟
جابر هز رأسه و يتصنع الهدوء رغم غضبه : ايه
ناصر وهو يريد سؤاله أكثر عن الحاصل لكنه فضل عدم التدخل وغير مجرى الحديث قائلا : غيرت موعد عقد القران وبيصير الليلة بالليل
جابر بدون أي رد اكتفى بهز رأسه وقال : زين .. انا برجع شقتي أرتاح وبجيك الليلة قبل لا يجي الشيخ
ناصر وهو يبتسم له : عطني رقمك والله يحفظك رح
وبالفعل أعطى جابر " رقمه" لـ ناصر وقبل أن يذهب رجع جابر للملحق وهناك لمح سندس جالسة بصمت
أخذ أغراضه وقبل خروجه تكلم بلطف : مع السلامة …وانتبهي على نفسك يا حرمتي
سندس نظرت ناحيته ونهضت قائلة بخجل : بتروح ؟
جابر وهو يبتسم يالله ما ارقها كيف لعلي اغضب وهذه الجميلة تتغنج علّي هكذا!
بنبرة تملؤها السخرية قال جابر : لا بس اشوف بتفقديني أو لا
شعرت سندس بالقهر وقالت : وأنت بعد انتبه على نفسك
ودعها جابر وقال بابتسامة ساحرة : رقمي مع ابوك .. أن بغيتي شي علميني
وخرج تاركاً إياها تنظر ناحيته بتعجب يالا غرابة هذا الرجل كيف بدأ يُعاملها كما لو أنها زوجته بالفعل و صار بينهما كل شي رسمي .. الحمدلله أنه من نصيبي وليس من نصيب غرور الغبيه فهو عاقل وهادئ وهي على عكسه تماماً .
_
" سياف "
كانت الساعة الـ ١٢ ظهراً
يجلس بجانبي عزام الذي يقع على كتفي بين الفينة والأخرى من شدة نعاسه
أما عن مطلق فقد كان غير موجود
تمعنت النظر في المكان الذي نحن به …منزل مهجور مُخيف لكننا لم نلقى مكان أفضل من هذا
قطع تأملي و صمت عزام النائم هو صوت بكاء شخص ما وصوته الذي داهم هدوئنا ، ضربت كتف عزام بقوة ونطقت : قم نشوف وش اللي حاصل
وبلمح البصر نهضت ومعي عزام خارجين للفناء .. عند خروجنا لمحنا مطلق مُمسك بفتى لا يقل عمره عن الـ ١٤ عاماً
وقفت مكاني أنظر ناحية مطلق الذي كان يُمسك بالفتى من ياقة قميصه ويصرخ به : قلت لك وين اللي سرقته!
بكى الفتى مُردداً برجاء : والله اني ما سرقت شي
مطلق وهو يشد بقبضته على ياقة الفتى قائلا بصرامة : قلت لك طلع اللي سرقته احسن لك
كان الفتى يرتجيه ويبكي وعندما شعرت أن مطلق صارم جداً تقدمت منهما مُمسكاً
بيد مطلق محاولاً تهدئته : يابن الحلال أذكر ربك وخل البزر
مطلق وهو ينظر ناحيتي بغضب وقال : وخر يا سياف أنا متأكد أنه سارقٍ شي
بكل قوة مني جذبت الفتى ناحيتي مُحرراً إياه من قبضة مطلق وتكلمت بغضب :
و وش بيسرق يعني ؟ علمني
مطلق بتهديد نظر في عيون الفتى : طلع السلاح لا يجيك شي مايسرك يا ولد
بان على ملامح وجهي الرعب والتفت ناحية الفتى وسألته : معك سلاح!!
الفتى وهو يُنكر ويبكي : مامعي شي.. مطلق يتبلى علي
ولم يُكمل كلامه حتى شعرت بمطلق يُمسك بالفتى جاذبا إياه من خلفي حتى طرحه على الأرض وصرخ به : قسم بالله ان اللي في السلاح لا يتفرغ براسك أن
ماطلعته بالطيب
بكل قوة من الفتى صرخ من شدة الألم وهو يرتجيه : تكفى لا تضرني.. تكفى
جثى مطلق على ركبتيه حتى صار قريب من الفتى وهو ينوي قتله لولا ذلك الصوت الذي جاء من مسافة قريبة مننا قاطعاً الجريمة التي أوشكت على الحصول
جميعاً رفعنا رؤوسنا
ورأينا امرأة تركض ناحيتنا مرتدية عباءتها السوداء وتردد بصوتٍ عالٍ : خلوه الله ياخذكم!
زاد تعجبي أنا و عزام عندما ادركنا أنه كلما اقتربت أكثر اتضح لنا انها قصيرة وليست سوى طفلة!
لكنه اختلف الأمر عندما صارت تقف أمام مطلق وهي تصرخ به بجرأة : نعم تضرب اخوي الله يكسر يدك!
مطلق وهو ينظر لها باحتقار : ومن حضرتك أنتِ عشان تقولين ليه امد يدي
عليه ؟
نطقت الطفلة بجرأة غريبة على طفلة مثلها : تبي اعلمك من أنا يا ابو خشم
طويل ؟؟
صُعقنا عندما قالت هكذا لكنني رغم ذلك حاولت كتم ضحكاتي المكتومة عندما لمحت وجه مطلق المصعوق الغير مدرك أن هذه الطفلة قد قللت من هيبته أمامنا!
نطق مطلق بغضب وتكلم : أنا خشمي طويل! الظاهر السلاح بيتفرغ براسك أنتِ ويا اخوك
نطقت الفتاة بصوتها العالي الجريء : أن عاد مديت يدك على اخوي ماراح يسرك الي بيجيك
مطلق وهو ينظر لها ويبتسم بعناد : ووش بتسوين لو قلت ماني فاكه شري ؟
الفتاة بنفس العناد : بخلي خشمك ذا ماله وجود وبقطعه
عندما شعر مطلق أن هذه الفتاة تعدت حدودها بكل غضب أمسك بالفتى الذي يُدعى اخوها و ضربه على وجهه صارخاً به بتهديد : طلع السلاح يا عماد لا اخلي اختك اليوم تشهد على موتك
عماد بعناد واضح يبدو أنه صار أقوى عند حضور اخته وقال : مانيب مطلعه
ابتسم مطلق ببرود وقال : زين يا عماد زين
وبكل قوة من مطلق ثنى يد عماد حتى صار يصرخ بألم.. وبكل خفة من مطلق سحب السلاح الموجود في جيب بنطاله راميًا إياه ناحيتي حتى أمسكت به بصدمة من خفة مطلق .
عندما تأكد مطلق من أنني أمسكت بالسلاح وصار بين يدي رمى بعماد تحت اقدام اخته قائلا بتهديد : لا تقربني يا عماد.. لا تلعب بالنار ثم تقول " اح" احرقتني!
بكى عماد بألم وهو ما زال واقعا تحت اقدام شقيقته المصدومه وتكلم ببكاء صامت : ابشر
ابتسم مطلق بانتصار والتفت ناحية سياف و عزام قائلا : يلا يا شباب خلونا ندخل داخل
عزام بعدم اهتمام نطق بنعاس : يلا .. ماشبعت نوم
ضحك مطلق عليه وأمر سياف قائلا : ادخل ودخل معك ذا الخبل
أوشك عزام على الدخول هو و سياف لولا صوت شقيقة عماد التي صرخت بغضب : مطلق يا حيوان!
عم صمت مخيف .. والمخيف أكثر هو مطلق عندما التفت ناحيتها ببطء جعل انفاس عماد تتباطأ ! كيف تجرؤ على التلفظ على مطلق بهذا الشكل !
نظر ناحيتها مطلق وقال بنبرة غاضبة لكن هادئة : ايش ؟ ماسمعت وش قلتي عيدي
تقدمت منه بكل سرعتها حتى وقفت أمامه ونطقت بجرأة : قلت انك حيوان
شد مطلق على اسنانه بمحاولة كبت رغبته في تقطيعها وقال : ولك عين تعيدين ؟؟
نطقت الفتاة بنفس العناد والجرأة : أي بعيد و بعيد .. ما عاش من يهين اخوي قدامي ولو أنك مطلق
تقدم سياف من مطلق وتكلم بعقلانية : خلاص يا مطلق … أمش داخل يكفيك مشاكل
مطلق وهو يدفع سياف عنه وبكل قوته صرخ في الفتاة بتهديد : وش تبغين
مني ها ؟؟ تستقوين علّي بلاك بنت وأنا ما أمد يدي على بنات!!
قالت الفتاة بسخرية : اي ما تمد يدك بس تغلط وتسب و تستقوي على الضعيف
.. تراك ولا شي يا مطلق ولا شي ، لا يغرك جمالك و هيبة حضورك
نظر في عينيها مطلق .. كانت ترتدي نقابها الأسود و عيونها الـ الزرقاء تتمعن به
بتحدٍ وعناد ..
تكلم مطلق ببرود وقال بتحدي : ما غرني جمالي ولا هيبة حضوري .. لكن الأيام بيننا والشوارع تجمع اثنينٍ .. و حطيها ببالك أن ما جاء يوم وهزك جمالي وهيبة حضوري ما كون مطلق .
وجدان بنبرة قرف قالت : و التراب … الله لا يجعلنا من اللي جمعتهم الشوارع .
ابتسم لها مطلق ابتسامة باردة وقال : زين … يلا مع السلامة
وادار ظهره راجعاً إلى الداخل تاركاً كلا من سياف و عزام بحالة ذهول من شخصية مطلق الغريبة !
لا يغرك جمالك وهيبة حضورك
وأنت سفيهٍ ذبحَك غرورك
لا يغرك عذوبة صوتك وطولك
وانت بعيون الغير بدويٍ كلمةٍ تهز ثبوتك .
عليها عيونٍ يا عون الله تذبح خفوقك
و صوتٍ يهز كيان بدويٍ ذابحه غروره!
عنيدة كنها ليالي البرد لا هزت متونك
ورقيقة صوت ياعونة الله تِسهر عيونك .
ساعدت وجدان شقيقها عماد في النهوض عندما رأت مطلق و أصحابه ذهبوا
وفور ما صار عماد واقفاً وهو يستند على وجدان
تكلمت وقالت بغضب : مستانس ذليت نفسك قدام ذا كنه نعمان اللي في سمسم!
عماد بنبرة قهر قال : خلاص يا وجدان مو وقتك
ومشى سابقاً إياها بالخطوات لولا أنها سحبته من ياقة قميصه من الخلف وقالت بصرامة : لا ماهو خلاص .. قسم بالله يا عماد لو ما تسترجل لا اعلمك المرجله بنفسي يا سلوقي .
نظر لها عماد بقهر واكتفى بالصمت .. أما عن وجدان فقد ذهبت متجهة إلى منزلهم وعماد يلحق بها وهو متألم ومذلول .
_
دخل مطلق إلى المنزل وهو يصرخ بغضب مُخاطبًا سياف : كم مرة اقولك يا سياف لا تدخل!
سياف بنبرة برود قال : شوي وتذبح الولد وماتبيني اتدخل ؟
مطلق بتهديد والشر يشع من عينيه : أي بذبحه … بذبحه واذبحك معاه أن عاد تدخلت
سياف دون أن يرد عليه تكلم مع عزام : انت ارقد الحين ورانا بعد العصر طلعه والأفضل ما يجي معي مطلق
عزام بنعاس قال : يصير خير
مطلق نطق بقهر شديد : وليه ماتبيني اجي معك يا ولد الأمير ؟!
سياف بنفس البرود متعمد إغاظة مطلق : لأني مابيك على ذي العصبية و المنافخ
مطلق بعدما أخذ نفس تكلم بهدوء : خلاص .. نروح انا وانت ماعلينا من عزام
سياف نطق بالرفض : انا ابغى عزام معي ما ابغيك
تحول هدوء مطلق إلى غضب ورفع صوته بقهر : رح ياشيخ الله يرفع ضغطك زي ما رفعت ضغطي
ابتسم سياف بانتصار : أي حس كيف تغثنا بأسلوبك يا مستفز … ومالك حق يوم أنك تقهر البنت في اخوها وتذله قدامها!
مطلق بنبرة سخرية : أذله قدام اخته ؟ … الله يا الحنيه اللي بك يا سياف الله
سياف بنبرة قهر : حنيه ؟ الدعوى ماهيب حنية يا مطلق مهما يكون هذا طفل
مطلق وهو يتقدم من سياف وأخذ المسدس قائلا ببرود : مايخصك في اللي اسويه .. وفر حنيتك لـ نفسك … أنا مطلق وهذي طبايعي
سياف بنبرة سخرية قال : وأنا سياف ، أن كأنك ماتعرف طبعي تراي اقشر والعن منك … بس الفرق بيننا اني ماعمري ذليت مخلوق
بحركة غير متوقعة من مطلق رفع المسدس الذي بين حوزته حتى وضعه على مقدمة رأس سياف قائلا بتهديد ووعيد : تربينا مع بعض يا سياف ومضى العمر فينا سراقين دراهم .. و ننهب الصغير قبل الكبير .. و لا تحدني انهي اخّوتنا بهرجٍ ماله اول وتالي
سياف وهو يضع يده على مقدمة المسدس وضغط عليه قائلا بتحدي : سوها … سوها وانهي أخوتنا أن كأنك مطلق صاحب عمري
تمعنوا النظر في أعينهم البعض لمدة لا تقل عن ثواني وما قطع تلك النظرات هو عزام الذي صرخ بغضب : نزل السلاح من يدك يا مطلق
نظروا له كلا من مطلق وسياف وبصوتٍ واضح ونبرة صرامة صرخوا به : لا تتدخل!
تأفف عزام وقال بملل : الشرهه علي افرق بينكم يا عيال البدو .. ان شاءالله تتذابحون انا بنام
ضحكوا عليه وحينها انزل مطلق المسدس من على جبين سياف ونطق بهمس يملؤه الوعيد وبضحكة : مانيب اللي ينهي عشرة سنين عمره كذا … يا اني اقص رقبتك أو ما اعتبرها نهايةٍ ترضيني
ضحك سياف عليه وطبطب على ظهره قائلا بسخرية : اصيل يا مطلق أنشهد
أنك أصيل
وضحكوا مع بعضهم البعض كما لو انه لم يحصل أي شيء .. فهذا هو مطلق وهذا طبع سياف ، لا يُفرق بينهما أي شيء ..
_
" سيدرا "
خرجتُ من غرفتي لأول مرة بعد أن حبست نفسي منذ ليلة أمس دون خروجي
نزلت إلى الدور السفلي انوي الذهاب للمطبخ للبحث عن طعام
أشعر أن بطني فارغة .. لكني هذه المرة ارتديت طرحتي السوداء ووضعتها على رأسي لكي اتجنب نظرات سعيد لي
دخلت إلى المطبخ وأنا التفت يميناً وشمالا خوفاً من الاقي " وداد " أو حتى
" سعيد" موجودين في المطبخ أو في البيت
لكن من حسن حظي لم الاقي أحدهم .. دخلت إلى المطبخ بكل سرعتي واتجهت إلى الثلاجة وأنا أريد التهام كل شيء من شدة جوعي
وعندما فتحتها لمحت كل ما تطيب له النفس وبدأت دون شعور التهم كل شيء في الثلاجة حتى أوشكت على أكل الملعقة الموجودة في صحن الكريمه
بينما أنا غارقة في الأكل سمعت صوت خطوات شخص ما وصوته الذي تردد في مسامعي وهو يقول بضحكة : عسى اعجبتك الكريمه؟
التفتُ بخوف ورعب.. وعند التفاتي لمحتُ " سعيد " يقف خلفي وهو يبتسم
بكل سرعة مني رميت الملعقة التي في فمي على الأرض ونطقت بتوتر : وش تبي ؟
سعيد وهو يقترب مني قائلا بهدوء : جاي اشوفك
بصوتٍ يملؤه التلعثم نطقت : وخر ..لا تقرب مني
سعيد وهو يقترب مني أكثر فأكثر قائلا بتساؤل وصوته الخافت زادني توتر :
وليه ما اقرب ؟ … نسيتي القُرب اللي كان بينا من سنين ؟ ولا نّستك الحقيقة عشرتنا ؟
بصوتٍ يرتجف قُلت : سعيد وخر .. وخر عني دام النفس عليك طيبه
سعيد بنفس الصوت الخافت والعيون التي يملؤها التساؤل قال : صارحيني، علميني من انا بالنسبة لك و ببعد عنك
نظرت في عينيه وفي قلبي كره الدنيا كلها ناحيته لكني جاوبته لعله يبتعد عني :
وش اصارحك فيه
سعيد وهو يقترب مني اكثر حتى صار يُحاصرني بجسده الأضخم مني بكثير وبنبرة صارمة وقال : علميني من أنا بقلبك
شعرت أن كل اكسجين الكون اختنق عندما صار هكذا يحاصرني وتمنيت لو أستطيع الصراخ لكن لا مفر منه وجاوبته بنبرة متلعثمه : ولا شي
سعيد وعينيه السوداء على وشك أن تخرج من مكانها فور سماعه إجابتي وصرخ بي : ولا شي ؟؟ ما تشوفيني شي؟
شعرت أن كل قوة الدنيا استحلت جسمي فجأة! وبكل قوة مني دفعته عني وصرخت مثلما صرخ بي : أي ولا شي … تبيني اقولك اعتبرك كل دنيتي وامثل شعور مو شعوري ؟
سعيد وهو يتنفس بانفعال وقال بتساؤل وبصوتٍ عالٍ : ما بغيتك تكذبين … أنا سألتك وش انا بالنسبه لـ قلبك وتقولين ولا شي! أنا ولا شي يا سيدرا انا ولا شي؟!
عندما شعرت به يقترب مني أكثر ويزيد غضبه بكل مرة أتحدث بها انا ويزداد جنونه
شعرت بأنني مُهددة بالضرب أو اي شيء من هذا القبيل لذلك تكلمت بهدوء محاولة كتم خوفي : وين امي ؟
لمحت حينها كيف تبدلت معالم وجهه إلى الخبث ونطق بهدوء : طالعه مع خالي من الصبح … وحاب اقولك محد بالبيت غيري أنا وانتِ
عرفت حينها أن ملامح الخبث تلك لم تخرج عبث .. وبكل سرعة مني اتجهت إلى درج السكاكين وقبل أن أخذ السكين شعرت به يُمسك بي من ذراعي ساحبا
إياي إلى أحضانه وقال بخبث : وش بتسوين ياحلوه ؟ … لا تتهورين لا يجيك شي ما يعجبك
كان مُمسكاً بي بكل قوته وكان يُحكم على جسدي معانقا إياي إلى صدره وكان يمسح على شعري من فوق حجابي
أشعر بالقرف منه لكني حاولت الصمود فأنا اقف الآن وخلفي يوجد درج السكاكين
عندما شعر سعيد بصمتي تكلم وقال بقهر : اهخ يا سيدرا والله اني احبك من سنين … سنين وانا انتظر تكبرين واتقدم لك بس أنتِ ما تبيني!
كنت أقول بداخلي " الله ياخذ حُبك ويأخذك معه يا مريض " وأكمل سعيد كلامه وهو يتنهد ويعانقني له أكثر : وافقي يا سيدرا ، وافقي تكفين ووعد اعيشك ملكة ، وصدقيني بعمرك ماراح تلقين اللي مثلي يحبك ويصونك
تركته يتكلم مع نفسه كالحمار بينما أنا واضعة يدي بداخل الدرج حتى أخرجت السكينة واضعة إياها خلف ظهري لكي اطعنه أن تمادى معي في اللمسات
وبالفعل عندما شعرت بيده تلمس كتفي ويريد خلع حجابي .. دفعته بقوة عني وانا اصرخ به موجهة السكين أمام وجهه قائلة بتهديد : قرب لي … والله ما بينك وبين الموت الا سكيني …بس فكر تقّربني مجرد فكرة
لمحت معالم الصدمة على وجهه وهذا ماجعلني أريد قتله ، لكنه فاجأني عندما نطق بتمسكن : ترضينها ؟ يهون عليك ؟
صرخت به وأنا على وشك البكاء : سعيد وخر عني … وخر الله ياخذك أنا زي اختك كيف تحبني وتبي تأذيني!
اقترب سعيد مني ينوي إكمال كلامه و معانقتي مجدداً لكن ما جعله يتوقف هو صوت جاء من خلفنا ..
نظرت خلف ظهر سعيد ولمحتُ حبيب روحي و مُنقذي واقفاً ينظر إلى الحاصل بصدمة
بكل سرعة مني رميت بالسكين على الأرض واندفعت له حتى عانقته وانا اشهق بالبكاء : خالي … تكفى وخره عني
نظر خالي ناحية سعيد بصدمة وصرخ به : وش تسوي مع البنت بالبيت بروحكم ؟
سعيد وبنبرة توتر قال : وش بسوي يعني ؟ .. اختي ذي وش ذي الشكوك يا خالي؟؟
صرخ خالي به مجدداً وهو يرجعني خلف ظهره وقال : سعيد ، تعرف وش اقصد وش تسوي مع سيدرا هنا؟؟
سعيد وهو على وشك الكلام لولا صوتي الذي قاطع تبريره وتكلمت بخوف وأنا أبكي : حاول يقرب لي يا خالي .. تكفى وخره عني ماعاد ابي أعيش هنا
نظر لي خالي بحزن شديد وبكل حنان قّبل جبيني قائلا بهمس يملؤه الوعيد : والله لو أن ولدي اللي من لحمي ودمي فكر يأذيك لا اقص يده قبل يلمسك بشر
تمعنت النظر في عينيه وأنا أبكي برجاء قائلة : لا تسوي له شي يا خال .. بس تكفى
طلعني من ذا البيت ، ماني بنتهم ليه ابقى هنا كني فرد زايد ؟
تمعن خالي النظر في عيني التي تلمع بالدموع ونطق بتساؤل : وانا يا بنتي ؟ ماتبيني ؟
بكيتُ بكيت من شدة ضعفي من شدة قهري وقهر الحياة لي .. لعن الله سعيد
و وداد ومعهم انا .. لعن الله حياتي التي دُمرت بسببهم
تكلم خالي عندما استشعر صمتي الطويل وقال : خلاص اطلعي غرفتك .. انا بتفاهم مع ذا
وبالفعل دون أي مناقشة خرجت من المطبخ ذاهبة إلى غرفتي في الدور العلوي .
نظر سعيد ناحية خاله ونطق بتساؤل : وش فيك ؟
بلمح البصر ودون أن يشعر سعيد تقدم خاله منه وبكل قوة منه لطمه على وجهه حتى وقع على الأرض
صرخ سعيد بألم وهو يرفع عينيه ولمح خاله يبصق عليه قائلا بغضب : الله ياخذ من رباك يا عديم المرجله … تقرب لـ بنت تعتبرها اختك من سنين!
سعيد وهو يتألم صرخ وقال : ذي حبيبتي والله لا اخذها
الخال تكلم بغضب وهو موجه إصبعه السبابة ناحية وجه سعيد قائلا بتهديد :
والله ثم والله ان شفتك قريب منها ما تعين مني خير يا سعيد .. سيدرا بنتي ولو أنها ماهيب بنتي بس ما ارضى عليها الأذية حتى لو منك
وصرخ : تفهم!!
سعيد وهو ينظر له دون أن يجاوب أو يقول شيء .. أما عن الخال فقد خرج من المطبخ تاركاً سعيد مرمي على الأرض وهو يتحلف في سيدرا .