صمود رجُل و غرور أنثى -2-
جابر بقرف نطق بمحاولة كتمان نبرة القرف : الله يحيك .. أي وصلت يا روحي
وئام بصوتها المشتاق قالت : الحمدلله على سلامتك يا حبيبي ، عساك مو جوعان ؟
جابر وهو ينظر إلى الساعة وكانت الـ٧:٣٠ مساءٍ يريد النوم فقط!
ونطق بملل : لا ماني جوعان ، وأن جعت اكلت ياروحي لا تشيلين هم
وئام وهي تردد بحماس : طيب ياروحي ، خلني أسولف لك وش سويت من يوم رحت انت
جابر وهو يتأفف بغضب لكنه نطق بتصنع الحماس : وش سويتي علميني
وبالفعل بدأت وئام تقول كل صغيرة وكبيرة حصلت بيومها بينما جابر قد سمع القليل من كلامها وكان ردهُ مختصر مثل " أيوا .. ياسلام"
واستمر هكذا بردوده حتى انتهت تفاصيل يوم وئام وقالت وهي تبتسم : وبس هذا كل اللي سويته اليوم
وصمتت تنتظر من جابر الرد .. لكن لم تسمع أي شيء! .. قالت بصوتٍ متسائل : جابر ؟ وينك ؟
ولم تسمع سوى صوت شخيره وحينها ضحكت عليه وأغلقت الهاتف بعدما قالت : ياحبيبي واضح تعبان .. نوم العوافي يا عمري
وأغلقت الخط .. وأكمل جابر نومه العميق ..
-
"ياسر "
قبل ساعتين ونصف نهض من نومه وكان بالفعل أفضل عن ذي قبل .
قبل نزوله إلى الدور السفلي قرر الاتصال على المستشفى والسؤال عن ' خفوت " وبالفعل عندما رفع هاتفه يريد سؤال الممرضة عن طفلته
سمع صوتها المتوتر يتردد في مسمعه : أهلين دكتور ياسر
ياسر بتساؤل : اهلين … بشريني عن خفوت عساها بخير ؟
الممرضة بصوتٍ يملؤه التوتر قالت : الحمدلله البنت بخير
ياسر بشك قال : صاير شي في خفوت ؟
الممرضة وهي على وشك الكلام لولا أن صوت بكاء و شهقات خفوت العالي وصل إلى مسمعي ياسر !
صرخ ياسر بانفعال عندما سمع علو صوت طفلته بهذا الشكل : وش فيها خفوت!!
الممرضة وهي تبكي بخوف : خفوت تضرب رأسها بالجدار
دون أي مقدمات نهض ياسر من على سريره وهو يرمي بهاتفه بعرض الحائط و يلبس ثوبه نازلا إلى الدور السفلي و انفاسه تعلو وتهبط بخوف على طفلته
عندما نزل إلى الدور السفلي لمحهُ جسار الجالس في غرفة المعيشة وعندما رأه حالة ياسر هكذا نطق جسار بقلق : ياسر وين رايح ؟ ووراك كذا مخروش
ياسر وهو ينظر ناحية جسار ويصرخ برجاء : جسار تعال سق عني .. بنتي بتموت عليهم مو قادرين يتصرفون
جسار بخوف نهض بكل سرعته قائلا بتسرع : خلاص خلاص رح سيارتي بجيب مفاتيحي وبجيك
وبالفعل خرج ياسر بكل سرعته إلى سيارة جسار ينتظر منه المجيء للذهاب إلى المستشفى
لا يستطيع ياسر القيادة بسبب مرضهُ الذي سوف تتعرفون عليه لاحقاً وفي الأحداث القادمة ..
ماذا سوف يحصل ؟ هل سوف يتراجع ناصر عن تزويج غرور ؟ وهل سوف نعرف مصير جابر و المصيبة التي سوف يجلبها مثلما قالت والدته " مزنه" ؟ سوف نعرف .
بعد مرور دقيقتين جاء جسار من الداخل وهو يركض متجه ناحية سيارة وركب وهو يلهث وقال : وش صاير في خفوت عسى مافيها شي
ياسر وهو يرتجف : بسرعه يا جسار تكفى .. روحي تتقطع عليها
وبالفعل دون أي مناقشة أخرى أدار جسار المحرك وذهب متجه إلى المستشفى بكل سرعته وهو متوتر خائف على ياسر الذي يرتجف و يديه زرقاء اللون
مسافة الطريق بين منزل ياسر و المستشفى الذي يعمل به هي " ربع ساعة " لكن من شدة سرعة جسار وصل بغضون " ١٠ دقائق "
فور وصولهم اوقف جسار السيارة لثوانٍ ونظر ناحية ياسر الذي لم ينزل وردد
باستغراب : انزل وش فيك جالس؟
ياسر وهو يلتفت على جسار ببطء.. وليته لم يلتفت ، فقد لمح شفايف ياسر الزرقاء
وملامحه الجامدة التي جعلت جسار يصرخ خوفاً ورعباً على حالته
و بكل سرعة منه نزل من السيارة وفتح الباب المجاور لمقعد السائق وانحنى بطوله الفارع إلى داخل السيارة وبدأ في الكلام مع ياسر بخوف ويسأله : ياسر قادر تتحرك ؟
ياسر و شفتيه تتحرك دون أن يسمع جسار ماذا ينطق! .. وبكل قوة منه أمسك بأكتاف ياسر لعله يستطيع إخراجه من السيارة
ولكنه كان ثقيل رغم أن وزنه خفيف وليس بتلك السُمنة المفرطة .. بصوتٍ يملؤه الرعب قال جسار : ياسر ساعدني عليك ، حاول تتحرك
ياسر ومازال يحاول النطق لكن لا جدوى.. بل قال شيءٍ واحد استطاع جسار سماعه من بين جميع كلامه الصامت : أطرافي مشلولة
لم يتحمل جسار حالة شقيقه هكذا وبكل قوة منه أمسك بذراعي ياسر و باستعمال كل قواه أخرجه من السيارة
وبصوتٍ مرتجي قال : تحمل تكفى .. وصلنا المستشفى
وبالفعل استند ياسر على كتف جسار وبدأ بجر قدميه لعله يستطيع المشي رغم أنه قد وقع أكثر من مرة دون أن يتركه جسار هكذا بل كان يحمله ويعاود بمساعدته في المشي حتى وصلوا إلى مكتب الإستقبال وبعلو صوته صرخ جسار وهو ينادي عليهم
و لحظاتٍ فقط حتى جاء أغلب الممرضين وهم خائفين على دكتورهم "ياسر"
وبكل سرعة منهم جلبوا له سرير لكي يستلقي عليه .. وبمساعدة منهم اجلسوا ياسر على السرير اخذين إياه إلى أقرب غرفة لفحص حالته
لكن عارض جسار ذلك وصرخ بهم بخوف على شقيقه : عطوه مسكن
وبالفعل ذهبوا تاركين جسار يقف في منتصف الممر وهو يدعو الله أن يتحسن ياسر ويصبح أقوى
أما عنه هو فقد اتجه ناحية غرفة " خفوت" يريد الاطمئنان على حالتها لكي لا يقلق ياسر عليها عند خروجه
سأل إحدى الممرضات عن غرفة خفوت واخذته بنفسها إلى هناك ، وعند وصوله حاول قدر الأمكان أن يهدأ وقبل دخوله التقط النظارة السوداء التي في جيب ثوبه ولبسها .. بعدما أبتسم ابتسامة هادئة مثلما يفعل ياسر
وهي لحظاتٍ فقط كانت كفيلة في أن يتقمص جسار شخصية شقيقه وعند استعداده التام دخل إلى الداخل .
لمح الطفلة التي تجلس في زاوية الغرفة وهي تبكي وكانت تضرب برأسها في عرض الحائط بكل قوتها
و بكل سرعة ورعب اندفع جسار ناحيتها حتى جثى على ركبتيه وأمسك بها قائلا بصراخ : خفوت!
نظرت خفوت ناحية الجالس أمامها وتمعنت النظر بوجهه وخاصة في عينه البنية والأخرى التي تلمع باللون الرمادي! هو ليس والدها لكنه كان يرتدي نفس نظارة ' ياسر ' السوداء ذات العدسة الشفافة فهو حتماً والدها
و بصوتٍ يملؤه الخوف قالت : بابا .. ليه تصارخ علي ؟
جسار وللتو أستوعب أنه صرخ بها من شدة خوفه عليها ، على عكس ياسر ذو الصوت الهادئ ونُطقه البطيء البارد
تكلم بنفس طريقة كلام شقيقه وقال بحنان : بسم الله عليك يا بابا .. ليه تضربين رأسك كذا ؟
خفوت وهي تبكي قائلة بانفعال : ماما جت ، ماما تبي تاخذني معها القبر
شعر جسار بالصدمة ونطق بهدوء على عكس صدمته : كابوس ؟
خفوت وهي تهز رأسها بانفعال ومازالت تبكي : كانت تناديني يا بابا .. تبي تاخذني معها
وبكت بأحضان جسار بينما هو لا يعرف ماذا يفعل ! لا يعرف كيف يتعامل ياسر معها ومن الممكن أن فَعل شيء خاطئ سوف تكتشف الطفلة بأنه ليس ياسر وبالتأكيد ستُجن ، لذلك فضل الصمت عن الكلام الذي لا نفع به .
" غرفة ياسر "
كان مستلقي على السرير بهدوء وعينيه مغلقة بينما يوجد في وريده إبرة المغذي المحقونة .. كان مُغمض عينيه وهو يبكي بكاء مرير و بصوتٍ خافت.. يبكي على ضعفه وحالته التي منذ صغره يُعاني منها
يبكي وهو يشعر أن عروق يده اليسرى التي يوجد بها المغذي تتقطع وتتصلب كما لو أنها حجارة
بكى بقهر شديد وهو يشعر بيده اليمنى ترتجف وتضرب على السرير بكل قوتها … صرخ بصوتٍ مكتوم و الألم يعتلي جسده بأكمله فقد كان مُتصلب لا يشعر به من شدة تصلبه و ثُقله .. فتح فمه يريد المناداة على جسار لكن مهما حاول الكلام أو صراخ يظل صوته مكتوم وهادئ لا حياة به
بدأ في البكاء بصمتٍ يدل على ضعفه .. ياليتني قادر على التخلي عن مرضي لأي غريب .. ياليتني أستطيع الصراخ لعل أي شخصٍ يسمع بكائي الصامت الضعيف .. تعالوا ! تعالوا اسمعوا صوت أوردتي وهي تبكي على حالي .. واضحكوا على حالتي شامتين بمرضي المُتعب الأليم .. تعال يا جسار تعال أنظر إلي كيف ابدو حزينٍ ضعيف .
وكانت كل الساعة والنصف التي مضت بقي ياسر على السرير الأبيض يأخذ مهدئ لتستقر حالته .. أما عن جسار فقد بقي مع خفوت يرعاها على أنه ياسر ليس
" جسار " .