- صمود رجُل و غرور أنثى-
في صباح اليوم التالي ..
للتو رجعت من مدرستها وفور دخولها أغلقت باب المنزل خلفها وهي تصرخ بصوتٍ عالٍ : ماما .. خالي . أنا رجعت
ودخلت إلى غرفة المعيشة وهي تنظر حولها لعلها تلقى أحدهم لكنها لم تجد أحد
عقدت حاجبيها بتعجب أين ذهب الجميع !
وضعت حقيبتها على الأرض و رمت بعباءتها واتجهت إلى المطبخ لعلها تُلاقي الفتيات هناك
وبالفعل فور دخولها رأت كلا من " غرور" ووالدتها واقفات في منتصف المطبخ يطهون شيء ما من الممكن
اندفعت ناحيتهم ليالي وهي تردد بسعادة : السلام عليكم
التفتت والدة ليالي ناحيتها وهي تبتسم : وعليكم السلام ياهلا ببنتي
احتضنتها بكل قوتها وهي تردد بحب : وش تسوين يا ماما ؟
بصوتٍ هادي قالت : نسوي الغداء قبل يجي خالك
ليالي وهي تنظر ناحية غرور وتكلمت : عاد جوعانه مرهه
ابتسمت والدتها لها وقالت : خلاص يا ماما اطلعي فوق غيري مريولك و أن زان الغداء ناديتك
هزت رأسها ليالي وقبل أن تخرج من المطبخ نادت على غرور لكي تلحق بها تريد الحديث معها .
صعدت ليالي إلى الدور العلوي وبدورها غرور تبعتها وهي تُردد بتساؤل : وش فيك وش تبغين ؟
التفتت ليالي ناحيتها بوجه لا يُبشر بالخير يدل على أن غرور قد فعلت مصيبة : خالي يدري انك مفصولة من المدرسة ثلاث أيام ؟
غرور بخوف نطقت : لا مايدري! و ياويلك تفكرين تعلمين علي..
ولم تُكمل " غرور " كلامها حتى نطقت ليالي بصوتٍ خافت وهي تنظر خلف ظهر غرور : بس هو يعرف
بخوف وتردُد التفتت غرور الى الخلف وفجاة لمحت الطامة ! .. والدها يقف خلفها!
ابتلعت غرور ريقها وبصوتٍ يملؤه الخوف نطقت : هلا يبه بغيت شي ؟
كان كلا من ليالي و غرور ينظرون إلى " والد غرور" ذو العيون الحادة التي يقدح منها الشرار وكان يزفر بقوة كما لو أنه ثور هائج!
ارتعدت أجساد الفتاتين بخوف ورعب من منظره المُخيف! ونطق بصوتٍ عالٍ صارخًا في إبنته : مفصولة من المدرسة !
غرور بخوف نطقت بمحاولة تدارك للموقف : مفصوله ؟ لا يبه أصلاً ليالي تحب المزح الله يسعدها
تقدم والدها منها بكل غضب ودون أي مقدمات امسكها من شعرها وزمجر بها بغضب : تمزح اجل ؟؟ .. والخبر الي جاني ؟!
غرور وقد شعرت أنه سوف تقتل الليلة بدأت تبكي بتمثيل : وش الي جاك يبه؟ والله ماسويت شي والله
وبدأت تحلف مراراً و تكراراً لكن لا جدوى فقد أحكم قبضته على شعرها وصرخ بها بشكل أقوى : منحاشه من المدرسة يابنت اللذين ؟؟!
غرور وقد وقع قلبها بين قدميها من شدة خوفها و بدأت تبكي هذه المرة متألمة من احكامه بقبضته على شعرها : بس والله ماصار شي!
ليالي بخوف نطقت وهي مُترددة بالتدخل : صل على النبي يا خال .. ماصار شي..
التفت عليها " ناصر" قائلا بغضب بعدما صرخ بها : أنتِ لا اسمع حسك! مفصولة غرور لها ثلاث ايام وتوي ادري ؟؟
ليالي برعب اكتفت بالصمت وهي ترى خالها في حالة مُرعبة .. ، عندما لمح
" ناصر" أن ليالي اكتفت بالصمت ولم تُرادده بالكلام .. تكلم مع غرور مرة أخرى قائلا بتهديد ووعيد : قسم بالله ان دريت صار لك شي اول معرس يدق باب البيت لا ازوجك ياه
وبكل قوة منه رمى بها على الأرض وذهب متجه إلى المطبخ يريد الحديث مع
" والدة ليالي"
أما عن ليالي فقد انحنت إلى الأسفل حتى وصلت إلى مستوى غرور الواقعة على الأرض وقالت بخوف عليها : عسى ماتعورتي ؟
غرور بألم دفعت ليالي عنها وهي تبكي بقهر قائلة : وخري عني ! كان لازم يعني ترفعين صوتك ؟؟ وش يفهمه الحين أن مالي شغل
ليالي وهي تبكي بخوف ونطقت بأسف : غرور! لا تتكلمين معي كذا مالي ذنب ..
دفعتها غرور عنها وهي تمشي ذاهبة إلى غرفة المعيشة لعلها تعرف ما الذي سوف يحصل لها وكيف ستنتهي تلك المصيبة؟؟ .
-
كان واقفاً أمام المرآة وهو ينظر إلى انعكاسه بسرحان .. لم يلحظ أنه يقف أمام المرآة حتى الآن إلى ما يقارب الـ ٣ دقائق ، وماقطع تلك اللحظة الساكنة هو صوت زوجته الهادئ وهي تقول : خلصت حبيبي ؟
التفت عليها بعدما لمح البخور الذي تُمسكه بين يديها وقال بهدوء : خلصت
ابتسمت له بحب ونطقت : جبت لك البخور
ابتسم لها بهدوء وشكرها : شكراً ياروحي .. تسلم يدينك
ابتسمت له وبدأت في تبخيره وهي تتأمل به بتمعن حتى لمحها ونطق باستغراب : وش بلاك سرحانةٍ بي ؟
وئام وهي تبتسم بخجل : اناظر كشختك كيف زايدتك حلاوة
ضحك بثقل ونطق بتمثيل الغرور : وش شعورك لو عرفتي أن الليلة ملكتي ماهي بصفقة عمل ؟
وئام وهي ترفع المبخرة أمام وجهه قائلة بتصنع الغضب : كان خليتك أنت وياها تبلعون الجمر
ضحك من كل قلبه وبكل خفة قّبل رأسها قائلا : بسم الله علي وعليها
وئام وهي على وشك البكاء نطقت بزعل : جابر!!
ضحك جابر وهو يحمل حقيبته السوداء قائلا بجدية : امزح معك .. يلا انا ماشي ادعي لي بالتوفيق
وئام وقد تقدمت منه حتى قّبلت جبينه بنوعٍ من المحبة وقالت بصدق : رح الله يسهل امرك ويرزقك العوض الجميل ..
جابر وهو يبتسم لها قال : امين يارب
وخرج عزيزي جابر من الحُجرة والبيت بأكمله متجه إلى سيارته المركونة في الخارج .
قبل أن يُدير المحرك ويبدأ طريق سفره .. رن هاتفه عدة مرات مما جعله يرد على المتصل بغضب : نعم خير
بصوتٍ يملؤه التعب نطق المتصل : وينك فيه يا خال
جابر بتعجب نطق قائلا : ياسر ؟ وش بلاه صوتك
ياسر وهو يسعل بقوة وقال : تعبان بالحيل مسكتني سخونة
جابر وهو يضحك بشماتة : الظاهر جسار عداك يا يوسر
ياسر وهو يضحك بإرهاق : وينك فيه المهم
جابر وهو ينظر إلى الطريق أمامه و قد مشى بسرعة خفيفة ونطق بهدوء : ماشي الرياض عندي شغل
ياسر بتعجب قال : وش عندك هناك ؟
جابر وقد زاد بسرعته مبتعداً عن منزله وقال بنفس هدوئه : قلت لك عندي شغل هناك
ياسر : طيب وراك ما علمتني اجي اودعك
جابر وهو يضحك : شدعوه يا يوسر مانيب ميت .. هي ثلاث أيام وراجعٍ الشرقية وبقابل خشتك
ياسر وهو يسعل بتعب شديد نطق : الله يحفظك لامنك وصلت علمني ..
و بعدما ودع جابر إبن أخته أغلق الهاتف وهو يعتدل بجلسته لكي يسوق براحة و هدوء . . أمامه ما يقارب الـ ٣ ساعات حتى يصل إلى الرياض .
-
" ياسر "
أغلق هاتفه بعدما انتهى من اتصاله مع خاله " جابر" وكان ياسر للتو قد خرج من المستشفى راجعٍ إلى منزله وتحديداً إلى غرفته فهو لا يرى امامه من شدة إرهاقه وتعبه .. لكن لم يُنسيه تعبه سيرة " خفوت" فهو قد اوصى الممرضات عليها قبل ذهابه
وبالفعل هو لم يذهب حتى تأكد أن خفوت نائمة بعمق منذ ليلة أمس ، خرج من المستشفى واتجه ناحية سيارته وهو يُترنح من الحمى التي فجأة استولت على جسده
ركب سيارته وقادها بصعوبة متجه إلى منزله ..
بعد مرور ربع ساعة وصل إلى منزله ولم يشعر على نفسه حتى وجد نفسه واقفاً في منتصف الردهة وهو يسمع صوت صراخٍ أتى من الداخل وعلى ما يبدو انه يوجد مشكلة بين الخادمات
تأفف ياسر بتعب ومشى متجه إلى غرفته دون أن يأبه للاصوات المرتفعة هذه
لكنه لن ينجو! .. نعم لقد نادى عليه صوتٍ غاضب مشتط : ياسر!!
التفت ياسر بوجهه الشاحب المرهق قائلا بتساؤل : هلا
نطقت بصوتها العالي الغاضب : وين كنت فيه أمس ؟
ياسر وهو يتمعن النظر في وجهها المليء بالتجاعيد وقال بهدوء : في المستشفى عندي شغل
لاحظ ياسر ملامح وجهها الغاضبة قد تبدلت بثوانٍ إلى معالم القلق عليه وقالت : بسم الله عليك وش بلاك وجهك أسود ؟
ياسر وهو يتنهد بصوتٍ خافت قال : مافي شي يا جده بس تعبان خليني ارقى فوق وانام
تقدمت منه جدته وهي تُمسك بوجهه قائلة بقلق : يا حبيبي شكلك تعبان و وجهك حار شكلها حمى جعلها بضلوعي
ياسر وهو يبتسم بتعب واضحٍ عليه : مافيني الا العافية جعلني ماخلا منك بس تعب بسيط
الجدة نظرت له بنصف عين بمعنى لا اصدقك ونطقت بحنان : طيب يا وليدي
ارقى غرفتك .. وأنا بلحقك
ياسر وهو يهز رأسه بهدوء وابتعد عنها بالفعل متجه إلى غرفته في الدور العلوي وكان يسحب قدميه بالقوة حتى تتحمل المشي ولو قليلاً لعلها تُوصله إلى باب
غرفته .
أما عن الجده " مزنه" ، فكانت تقف في منتصف المطبخ وهي تأمر خادماتها :
يا بنيه وين الكمادة مانيب اشوفها!
الخادمة وهي تركض لكي تجلب الكمادة لها فهي غاضبة وخائفة على حفيدها ..
وبعد أن صرخت بهم و هزئتهم لأكثر من مرة جلبن الخادمات كل شيءٍ تحتاجه الجدة وكانت الأغراض هي " شوربة الدجاج ، كمادات ووعاء يوجد به ماء بارد "
وعندما انتهوا الخادمات من جميع طلباتها قالت مزنه بسعادة : تسلم هاليدين يا حليلتس أنتِ وياها تبردون الكبد
ضحكوا الخادمات بخجل فهن يعشقون كلام الجدة اللطيف هذا .. وحينها أمرتهم أن يأخذون الطعام وباقي الاغراض إلى غرفة ياسر
ولبوا طلبها ذاهبين بالطعام إلى غرفة ياسر وهي تمشي خلفهم ، عندما دخلت الجدة مزنه إلى غرفته ، رأته وهو نائم على الجهة اليمنى والتعب واضح عليه ..
تنهدت بضيق وهي تضع يديها على صدرها قائلة بحسرة : يا ويل قلبي على وليدي حبيبي. . نام وهو تعيبان ياعساها بضلوع عدوينه
ابتسمت إحدى الخادمات الثلاث وقالت بصوتٍ هادئ : ماما مزنه انتي في يعرف أن دكتور ياسر تعبان .. خليه ينام مافي مشكله
التفتت مزنه وقالت بغضب ولكن بصوتٍ خافت : اشش! قصري حسك
وليدي لا يقوم ويزود تعّبه !
وبالفعل اكتفت الخادمة بالصمت ، أما عن مزنه فقد أمرتهم مرة أخرى أن يتركون الطعام والكمادات وحتى وعاء الماء البارد على الطاولة وأن ينصرفون .
جلست مزنه بجانب حفيدها وأصبحت تضع على جبينه الكمادة الباردة وهي تُسمي عليه وتتأمل به كيف التعب استحله فجأة لابد أن " جسار" قد نقل العدوى له
وبعد مرور إلى ما يقارب الـ ١٠ دقائق
دخل شخصٍ ما إلى الغرفة وحينما رفعت مزنه رأسها تلاقت عيونها في عيون
بنية اللون الجميلة
بشرة حنطية و شعر يصل إلى أسفل رقبته كثيف و أسود اللون .. جسد رياضي وقامة طويلة لا تقل عن ١٨٥ سم
نطقت مزنه بترحيب لكن بصوتٍ خافت خشية من أن تُزعج ياسر : يا هلا بحبيب جدته
بصوتٍ يملؤه التعجب تقدم من جدته وعينيه ترتكز على ياسر : وش فيه ياسر عسى ما جته الحالة ؟
مزنه وهي تمسح على شعر ياسر بحسرة وقالت : جاء من برا وهو تعبان .. الله يصلحكم يا عيالي تجهَدون انفسكم وتجوني ما تشوفون الدرب من التعب
جسار وهو يجلس على الأرض ووضع رأسه في حِجرها وقال بصوتٍ حنون : ومن لنا غيرك يا جده يهتم فينا و يحبنا ؟
مسحت مزنه على شعر جسار الناعم الكثيف وتبتسم بحزن : بتلاقون بنات الحلال اللي مايقصرون معكم بشي ..
جسار وهو يهز رأسه بالرفض دون أن يبتعد عنها : وحتى لو لقيناهم .. محد زي حنانك يمه
مزنه وهي تبتسم بتمعن وبصمت .. تارة تمسح على شعر جسار .. و تارة أخرى تمسح على رأس ياسر وتقرأ عليه ما تيسر من آيات القرآن .. حتى شعرت أن جسد ياسر ارتخى وتعرق بحمد الله فهذا دليل أنه بخير .
حينها تكلم جسار مُقاطعاً ذلك الصمت الطويل قائلا بتساؤل : سمعت أن خالي جابر سافر الرياض
مزنه ومازالت تقرأ القرآن على ياسر وتنفث عليه .. لكنها عندما سمعت كلام جسار نطقت باستغراب : و وش عنده رايح الرياض بدون مايجي و يودعني ؟
جسار وهو يبتعد عن أحضان جدته وقال : يوم اني سألته قال عندي شغلة بخلصها وأرجع
مزنه بعدم راحة : جابر ولدي واعرفه .. أن ما رجع الشرقية ومعه مصيبة مايكون اسمي مزنه .
جسار بإحساس عدم الراحة قال : الله يستر يا جده عاد كل شي الا واحساس العجايز ذا .
ضحكت مزنه عليه وهي تنهض بهدوء : قم بس الله يصلحك نطلع برا لا يقوم اخوك
وبالفعل خرج جسار وجدته مزنه معه ، فور ما خرجوا التفتت مزنه ناحية جسار قائلة بتساؤل : عسى حرارتك خفت ؟
جسار وهو يبتسم : اي الحمدلله مافيني الا العافية
مزنه وهي تُقبل جبينه بحب ونطقت بحنان : يلا يمه انزل تحت الغداء جاهز وأن كأنك بخير رح دوامك
هز رأسه جسار وبالفعل نزل إلى الدور السفلي بينما الجدة مزنة ذهبت إلى غرفتها كي ترتاح .
-
" والدة ليالي "
كُنت أضع الصحون والأطباق على الطاولة في المطبخ فقد استوى الغداء .. وبينما أنا أزين السفرة بهدوء قطع ذلك الهدوء المُوحش هو صوت " شقيقي" الذي قد ارتفع صوته في غرفة المعيشة ! و ابتلعت ريقي أشعر بصوته يقترب أكثر فأكثر .. حتى دخل إلى المطبخ!
دخل ناصر إلى المطبخ و وجهه لا يُبشر بالخير .. تقدم مني حتى وقف أمامي و زمجر بغضب : كنتي تدرين أن غرور مفصولة من مدرستها لها ثلاث أيام ؟؟
بصوتٍ يملؤه التلعثم نطقت : غرور ؟ لا ما.. ماكنت ادري
ناصر وهو يصرخ بعصبية : وكيف ليالي تدري ؟؟ ولا بتقعدين تكذبين علي يا
بسمة ؟!
بسمة برعب نطقت : والله العظيم اني ما كذبت عليك يا ناصر ! .. جعل لساني القطع أن كاني كذبت
بكل غضب من ناصر ابتعد عنها وهو يخرج من المطبخ صارخاً بصوتٍ عالٍ : سندس!
جاءت سندس تركض من الدور العلوي وهي ترتجف بخوف : هلا بابا .. وش فيك ؟
ناصر وهو يحاول تهدئة نفسه وبتصنع للهدوء قال : انزلي بكلمك
سندس وهي تردد بسعادة : يلا بجي يا بابا ..
وبالفعل نزلت سندس من على السلالم بكل دلع وخفة حتى وصلت إلى " ناصر"
وصارت واقفه أمامه
وبصوتٍ ناعم قالت : عيوني يا بابا شفيك ؟
ناصر وهو يبتسم بتصنع : سؤالين بس وجاوبي عليهم بصراحة لا اطلع الدلع ذا من عيونك
سندس بخوف قالت : بسم الله وش صاير ؟ وأبشر بقول الصراحة
ناصر بعدما أخذ نفس عميق ليهدأ قليلاً قال : اليوم رحتي الجامعة ؟
سندس هزت راسها بنعومه : أي رحت
ناصر وهو يُكمل استجوابه : و غرور اختك راحت اليوم المدرسة ؟
سندس وقد بان عليها معالم التوتر والخوف عندما لمحت عمتها " بسمة " تقف خلف والدها وهي تُلوح بمعنى قولي " لا لم تذهب " .. لكن من شدة غباء سندس و خوفها من والدها قالت : أي راحت
عندما نطقت سندس بذلك .. شعرت بوجه والدها يُصبح أسود اللون وعينيه حمراء على وشك الإنفجار !
امسك ناصر بذراع إبنته ونطق بشر الدنيا كُلها : اشوفكم تسترون عليها وأنا يا غافل لك الله مادري عن شي!
أمسكت سندس بدموعها في مقلتيها كي لا تفيض وتُصبح ضعيفة أمام والدها الغاضب العصبي وبصوتٍ يملؤه التلعثم قالت : ما سترنا عليها بشي يبه..
قاطعها ناصر وهو يترك ذراعها بقوة والتفت على بسمة أمراً إياها بصرامة : خلي البنات يتغدون وهي نص ساعه بس ! نص ساعه وراجع أخذ غرور المستشفى
بسمة بتوتر نطقت : بس يا ناصر البنت مافيها شي
ناصر صرخ بتعب وغضب من الحاصل : قلت لك يا بسمة غدي البنات وبدون أي صوت!
ارتجف جسد بسمة بخوف عندما لمحته يصرخ بهذا الشكل .. لأول مرة ترى شقيقها بهذه الحالة
وحينها خرج ناصر من المنزل بأكمله ذاهب للخارج لعله يهدأ قليلاً و يتدارك المصيبة التي وقعت على رأسه فجأة ! .
أما عن عزيزتي بسمة فقد كانت خائفة على الفتيات من عصبية " ناصر" فقد كان
كلا من " ليالي ، و غرور" واقفات عند الردهة ينظرن إلى الحاصل بالداخل
وفور ما لمحوا ناصر خرج من المنزل اندفعوا ناحية " بسمة" وهن خائفات
وبصدرٍ رحب عانقت بسمة كلا الثلاث فتيات وهي تهدأ بهن فقد انخرطوا ببكاء صامت اتضح به أن عصبية ناصر تؤثر بهن وجداً .
بصوتٍ حنون نطقت بسمة وهي تسمح على ظهورهن : الله يصلحك يا غرور .. ياكثر مصايبك يابنتي
غرور وهي ترفع رأسها من بين أحضان عمتها وهي تبكي بانفعال : والله ثم والله يا عمتي ما صار فيني شي ! .. اللي معي هم الي طالعين أنا ما سويت شي انا..
وقطع كلامها شهقتها المؤلمة التي اتضح بها القهر والخوف من المستقبل القادم .
بسمة وهي تمسح على رأسها قائلة بحزن على حالها : خلاص يا روحي اهدي ،
ابوك ماهو مسوي شي
غرور وهي تهز راسها بالرفض وتبكي بقوة : سمعته يقولها .. والله لا ازوجك أول واحد يطق الباب
بسمة وقد بان عليها القلق لكنها لم تُفضل أن توضح ذلك لـ غرور المنهارة وبكل حنان نطقت : ابوك وتعرفينه يابنتي .. لا عصب ما يدري وش يقول
وكانت بسمة تهدأ بها وبكلماتها الحنونة التي تدخل القلب دون استئذان ..
أمرت الفتيات أن يذهبون للمطبخ ليأكلوا طعامهم ومن ثم يتجهزون للذهاب إلى المستشفى برفقة غرور .
وهي نصف ساعة فقد حتى انتهوا الفتيات من طعامهم رغم أنهم اكلوا رغماً عنهم
بسبب خوفهم على " غرور " وماذا سوف يحصل بها!
كانت بسمة جالسة في غرفة المعيشة وكل الفتيات جالسات معها ينتظرون أن يأتي " الغاضب " وهو " ناصر " وبالفعل خمس دقائق فقط!
وسمعوا صوت باب المنزل الداخلي يُفتح .. وانتفض جسد غرور مع تسكيرة الباب القوية تلك
بصوتٍ يملؤه الخوف نطقت غرور موجهة كلامها لـ عمتها : تكفين ياعمه قولي له مابي أروح ..
بسمة وهي على وشك الكلام لولا أن ناصر قد دخل إلى غرفة المعيشة وبصوته الهادي نطق : السلام عليكم
رددوا جميعهم السلام وبنفسٍ خائفة : وعليكم السلام والرحمة
ناصر وهو ينظر إلى الجميع وبنظرة ثاقبة قال ببرود : جاهزات البنات ؟
بسمة بهدوء قالت : أي خلصن
ناصر وهو يتقدم حتى جلس على الأريكة المجاورة للفتيات ونطق بهدوء : حلو..
قومن فسخن عِبيكم
بسمة بتعجب نطقت : و المستشفى ؟ عسى الله هداك و كنسلت الفكرة ؟
ناصر وهو يضحك بغموض : لا يا عين خيك .. لقيت لها معرس
نهضت بسمة بكل صدمة من على الأريكة وهي تصرخ : نعمم ؟؟
ناصر بنظرة باردة نطق بنفس غموضه : ايه .. لقيت لها معرس يستر على مصيبتها الله يقلعها
عندما سمعوا الفتيات ذلك الكلام .. بدأت غرور تبكي وهي ترتجي والدها : يبه وش قاعد تقول ؟ .. وش المصيبة اللي انا سويتها؟ ، احلف لك على القرآن أن اللي جاك من كلام كله كذب في كذب
ناصر وهو يتمعن بها النظر كيف ترتجيه وتبكي باندفاع : ومن صغرك يعني ؟ عمرك ٢٠ و ساقطة مرتين في الثانوية بلاش دراما
غرور وهي تندفع ناحية والدها حتى وقعت عند اقدامه تبكي بصوتٍ يملؤه الغصة :
يبه تكفى لا تظلمني! .. والله أن الكلام اللي وصلك كله كذب و افتراء علّي
ناصر تمعن بها بصمت دون أن يتكلم و كان ينظر لها و للباقيات وكلهن كن يبكن خوفاً على " غرور "
غرور وهي تُكمل كلامها محاولة إثبات براءتها : تكفى يبه كل شي ألا الزواج .. لا تضيع عمري مع رجالٍ ما أعرف منهو
ناصر ببرود قال : بتعرفين منهو بكره الفجر ، واظن انتهى الموضوع
وحينها بكل هدوء نهض من على الأريكة ينوي الذهاب إلى غرفته لينام لكن ما استوقفه هو غرور عندما تعلقت بطرف ثوبه تبكي مُنهارة قائلة برجاء : يبه تراي بنتك! .. تكفى يبه ولو تبي تحللني رحت المستشفى بس كل شي الا الزواج .. كل شي ألا وعمري يمضي مع غريبٍ ما اعرفه
لكن ابعدها عنه بكل قوة ونطق بصرامة : قسم بالله يا غرور لو ما تسوين الي اقولك عليه لا يجيك شي مايسرك
وخرج من غرفة المعيشة تاركاً إبنته تبكي بإنهيار وهي تضرب نفسها وتنوح على حظها العاثر ! ..
يبه وماهزك بكاي ورجاويي الكثيرة؟
و دمعة عيني تطيح وهي ترتجيك حزينه؟
يابوي و ياكيف تكسر قلبٍ توه بدروب الحياة ماله حيلة؟
وانا اللي من عقب قسوتك اصبحت كسيرة
يبه وخليتني من بعد روحتك بحيرةٍ طويلة
تقل مالي في دنياي من بعد ربي غيرك قوة لي و حيلة .
أمضت غرور تلك الساعات الماضية في البكاء و النواح .. بينما تجلس بجانبها اختها الكبرى " سندس " و إبنة عمتها " ليالي" أما عن بسمة" عمتها" فقد كانت مع ناصر لعلها تستطيع تغيير رأيه عن تزويج إبنته الصغيرة !
-
" الساعة الـ ٤ عصراً "
كانت " سيدرا " جالسة في غرفتها تتمعن النظر في جدران غرفتها البيضاء .. الى متى سوف ابقى هكذا ؟ إلى متى وأنا أعاتب نفسي ؟ من يهتم يا سيدرا بحق الله
من يهتم في حُزنك وضيقك هذا سوى الله الأعلم بمدى ضيقك ؟ .. انهضي وعودي سيدرا التي يعرفها الجميع
وبالفعل نهضت سيدرا من على سريرها وهي تخرج من غرفتها بأكملها متجهة إلى الدور السفلي مُنادية على والدتها : ماما ..
واستمرت بالمناداة حتى وصلت إلى الدور السفلي وصارت واقفة في منتصف الممر الفاصل بينها وبين غرفة المعيشة
أوشكت على الدخول عندما سمعت صوت والدتها تتكلم لكن ما استوقفها هو الكلام الذي يُقال بالداخل
توقفت سيدرا في مكانها وهي تسمع والدتها تقول : والله ان صدري ضايق عليها
.. لا عاد منتي بصاحيه! كيف تبيني ازوَجها " سعيد" واقول ماهو باخوك ، وانتي أصلاً منتي بنتي!
شعرت سيدرا أن الدنيا سوداء بعينيها و الأرض التي تقف عليها تهتز كما لو أن زلزال يهتز تحتها ! .. ما الذي تتفوه به والدتي ؟؟ كيف أنا لستُ إبنتها ؟ وكيف تريد تزويجي لـ سعيد وهو أخي بالرضاعه !
ارتجفت يدها عندما تردد صوت والدتها من جديد قائلة بصوتٍ يملؤه الحزن :
والله اني مادري يا خيتي .. البنت واضح محدٍ يبيها وعندها حظ يا كافي الشر
مو راضي يتعدل . . وفوقها سيدرا مابها من الحلا شي وكل الي جايين يخطبونها شيبان .
بكت سيدرا وهي تضع كفها على شفتيها بصدمة وتبكي بكاءٍ مرير يملؤه القهر
أمي وتتكلم عني هكذا ؟؟ .. تتكلم عن سوء حظي الذي ليس بيدي ؟ .. جعلتني أمام صديقتها كما لو أنني أبشع خلق الله .. لماذا يا والدتي ؟ لماذا ؟
الكثير والكثير من الأسئلة التي راودتها وهي تبكي بصمتٍ بقهر شديد .. استدارت تنوي الرجوع إلى غرفتها والانغماس في عزلتها يكفي الذي قد سمعته
لكنها فور ما التفتت لمحت الواقف خلفها وكان آخر شخص تمنت أن تراه " سعيد ".
كان يتمعن بها النظر و بنبرة هامسة كي لا تسمعهم " وداد ، والدة سيدرا " قال
: سيدرا.. كنتي تبكين ؟
سيدرا وهي تريد الذهاب دون الرد عليه لكنه أمسكها من ذراعها وسألها بتعجب : تكلمي .. كنتي تبكين ؟
سيدرا بصوتٍ باكي تكلمت وهي مخفضة رأسها : بروح غرفتي .. خلني يا سعيد
سعيد وهو يشد بقبضته على ذراعها قال بصرامة : تكلمي وش فيك ، تبكين عشان اللي صار أمس ؟؟
سيدرا وهي ترفع رأسها وبكت بقهر : مانيب اختك صح ؟
تغير وجه سعيد وبانت على معالم وجهه التوتر وبصوتٍ متلعثم قال : وش قاعده تقولين ؟ لا تقَومين تخربطين
سيدرا وهي تسحب ذراعها من بين قبضته بقوة ونطقت بضعف : خلاص عرفت الجواب .. بس مستحيل اتزوجك وتحرم علي ليوم الدين يا سعيد
سعيد وقد تحول هدوئه إلى غضب وهذه المرة أمسك بها من كتفيها قائلا بغضب :
احرمَ عليك ؟ .. ما ياخذك غيري يا سيدرا و حطيها ببالك .. سعيد لك وانتِ له أن طال العمر أو قصر
دفعته سيدرا عنه وهي تصرخ : قلت لك مابيك .. و حطها ببالك ما اشوفك طول هالسنين ألا أخو لي وبس
سعيد وهو ينوي قتلها على ذلك الكلام لكن ما قطع تلك المشادة الكلامية
هو وداد عندما خرجت من غرفة المعيشة بكل سرعتها وتسأل عن الحاصل : وش صاير ؟؟ بسم الله عليكم
سعيد وهو يلتفت عليها قائلا بغضب : شوفي ذي وش قاعده تقول
وداد نظرت ناحية سيدرا وهي مستغربه : وش فيك يا سيدرا تصارخين كذا ؟
سيدرا وهي تبكي بقهر و رجفة يديها تزداد قوتها : وش فيني ؟ .. أنتِ الي وش فيك ؟ وش سويت لك انا عشان تطلعين كل عيوبي عند صاحبتك؟؟
طلعتيني قدامها أقبح خلق ربي و اسوأ البنات .. أو عادي بالنسبة لك عشاني مو بنتك أصلاً؟!
بان على معالم كلا من سعيد و وداد الصدمة من كلامها و نطقت وداد بتوتر :
سمعتي كلامي ؟
سيدرا وهي تصرخ بألم و تبلع غصتها قائلة بشعور الضعف : ولك عين تتكلمين وتتأكدين أني سمعتك؟ .. طول عمري ومن صغري كنت أقول ما أشبهكم وما احس بانتماء .. وطلعت ماني بنتكم أصلاً ..
وداد وهي تقترب من سيدرا تحاول تهدئتها لكن صرخت بها سيدرا بانفعال وهي تبكي : لا تقربين لي !! وخري عني .. و حطيها حلقة بأذنك زواج من سعيد والله ما اتزوج لو هو آخر الرجال في الدنيا
وبكل سرعة منها ركضت على السلالم وهي تدخل إلى غرفتها وأغلقت على نفسها الباب وقفلته .
بينما كانت ردة فعل سعيد و وداد هي الصدمة وعدم التصديق كيف عرفت سيدرا إنها ليست إبنة وداد ومن الأساس سعيد يُحبها ويريدها زوجة له .
يمه و رجفة قليبي صارت بايديا .. يوم رجفتهَ ما وصلت عروقه
يمه وهرجك سكاكينٍ في صدري تراكت طعونه .. يوم أنه ماطاوعني بحزنه
يكتم جروحه
و لا يغرك يمه ضحكي و انتِ توحين صوت بكايا .. يا ميمتي و جرحك في وسط صدري طعونه .
_
" جابر "
وصل العاصمة للتو … وكان يشعر بالإرهاق جداً ، نظر إلى ساعته وكانت " ٥:٣٠"
لم يتبقى شيءٍ على آذان المغرب عليه أن يُسرع ويذهب إلى شقته ليرتاح ومن ثم يذهب للمسجد و يُصلي
وبالفعل ذهب جابر إلى الحي الذي توجد به شقته وفور دخوله لها وبالتحديد
لـ غرفته رمى بنفسه على السرير وأغمض عينيه وهي دقائق فقط حتى غرق و نام بعمق دون أن يشعر بنفسه .
وتناسى كل شيء جاء للعاصمة من أجله .. طالبا للراحة والنوم ..
مرت ساعة ونصف وساعتين حتى نهض جابر برعب عندما سمع صوت هاتفه يرن مراراً وتكراراً كما لو أن مصيبة قد حّلت !
أمسك بهاتفه وهو ينظر بتعب إلى أسم المتصل وكانت " وئام " تأفف بملل وتنحنح لكي لا يتضح أنه كان نائم
وبصوتٍ يملؤه الهدوء نطق جابر : هلا
وئام بصوتها الناعم قالت بسعادة : هلا بحبيبي هلا .. بشرني ياعمري وصلت؟