الفصل السابع عشر
"الوصول إلي مملكة الفيروز"
مرّ يومان كاملان منذ أن غير سليمان ونزار مسار القافلة بأمرٍ عاجل بعد النداء الروحي كانت الطرق الغربية طويلة تكسوها التلال والسهول، لكنها آمنة مقارنة بالشرقية التي كان ينتظرهم فيها الفخ. ومع إشراقة صباح جديد شرقت شمس النهار كأنها ترحب بالوافدين الجدد، وكان الطريق الطويل قد أنهك القافلة، لكن لحظة ظهور أسوار مملكة الفيروز أنستهم كل تعب.
الأسوار كانت عالية، مصقولة بحجارة زرقاء وخضراء تعكس الضوء فتبدو كأنها مرصعة بأحجار الفيروز الحقيقية. أبراج شامخة ترتفع في السماء، وعلى قممها أعلام ضخمة تتمايل بألوان براقة، يتوسطها شعار الأسد الذهبي رمز القوة والهيبة لملكها هاشم بن حماد.
اقتربت القافلة ببطء، يتقدّمها الملك فهد على جواده الأبيض، وعن يمينه سليمان ممتطيًا جوادًا أسود يلمع جلده كالفحم، وعن يساره نزار بوجهه الهادئ الذي يخفي قلقًا لا يراه أحد. خلفهم جنود النور مصطفون بصفوف منضبطة، كأنهم لوحة من الحديد الصلب.
عند البوابة الكبرى، وقف حراس الفيروز بصفوف متقابلة، يقرعون الطبول بأيدٍ قوية، فيما دوّت الأبواق بإيقاع ملكيّ يعلن أن لحظة تاريخية على وشك أن تبدأ. ثم انفتح الباب الهائل ببطء، صريره يرن في الهواء، وكأنه يقول: "ادخلوا عهدًا جديدًا."
في الداخل، كان الملك هاشم بن حماد ينتظرهم. رجلا مهيب في منتصف الخمسينيات له لحية قصيرة مصففة بعناية، عينان حادتان بلون العسل، وابتسامة تجمع بين الصرامة والترحاب. ارتدى عباءة فيروزية مطرزة بخيوط ذهبية، وتاجًا بسيطًا لكنه مشع بالهيبة.
خطا خطوات واثقة للأمام، ثم فتح ذراعيه مرحبًا:
هاشم (بصوت جهوري):
– أهلًا أهلًا بملك النور، وأهلًا برجاله الذين حملوا الصدق في قلوبهم والسيوف في أيديهم. لقد طال انتظار هذا اللقاء.
ترجّل الملك فهد من على جواده، وعندما اقترب من هاشم، انحنى قليلًا باحترام، ثم قال:
فهد:
– جئنا نحمل معًا راية التحالف، يا هاشم، ليكون بين مملكة النور ومملكة الفيروز عهدٌ لا تنكسر أواصره
تقدّم هاشم بخطوة وعانق فهد عناقًا قصيرًا لكن عميق المعنى، ثم ارتفعت أصوات الحراس في
الساحة بهتاف مدوٍ:
– عاش ملك النور! عاش ملك الفيروز!
في الخلف، كان سليمان يراقب المشهد بعينين متأملتين. شيء في داخله لم يهدأ منذ سمع نداء العرافة. كان قلبه يخبره أن ما ينتظرهم هنا ليس فقط حفلًا وتحالفًا، بل أمرًا أكبر، وربما أخطر.
اقترب نزار قليلًا وهمس بجانبه مبتسمًا:
نزار:
– ها قد وصلنا بسلام، لولا تحذير تلك العرّافة لكنا الآن في قبورنا على الطريق الشرقي
لم يرد سليمان للحظة، فقط أبقى نظره معلّقًا ببوابة القصر، ثم قال بصوت منخفض وكأنه يخاطب نفسه:
سليمان:
– أحيانًا النجاة من موت واحد يانزار تعني أننا نمشي بخطى ثابتة نحو موت آخر…
ابتسم نزار بخفة، لكنه شعر بثقل الكلمات.
في تلك اللحظة، التفت إليهما الملك هاشم بابتسامة عريضة وأشار إلى القصر الفخم المزين بحدائق خضراء ونوافير مياه متلألئة:
هاشم:
– تفضّلوا أيها الضيوف الأعزاء…فالحفل في انتظاركم... قالها وهو ينظر طويلا لسليمان متأملا به
ومع دخولهم البوابة تحت وقع الأبواق والطبول، أعلن المنادي بصوت عالٍ:
– وصول ملك النور وضيوفه الكرام إلى قصر الفيروز!
الجموع تهتف، الأبواب تنفتح، والساحة تستقبل خطواتهم، لكن داخل قلب سليمان ظل شعور غامض يهمس له:
"هنا، ستُكتب بداية فصل جديد… وربما بداية المؤامرة."
"الأستقبال في قصر الفيروز"
كانت الأبواب العظيمة لقصر الفيروز مفتوحة على مصراعيها، تفوح منها رائحة العود والمسك، وتتصاعد الأصوات من داخل القاعات المزينة بالحرير والستائر الموشّاة بخيوط ذهبية. أرضيات من الرخام اللامع تعكس بريق الشموع التي انتشرت في كل زاوية، والجدران مُطعمة بالأحجار الكريمة، وكأن القصر نفسه يروي قصة عن عظمة صاحبه.
دخل الملك فهد يتقدّم وفده بخطوات واثقة، يتبعه نزار، ثم سليمان الذي بدا هادئ الملامح لكنه متأهّب في أعماقه. كان في القاعة الكبرى صفّان من النبلاء وكبار الحاشية، ينحنون احترامًا ويحيّون الضيوف بهتافات مهيبة.
أما الملك هاشم بن حماد، فقد سار بجانب فهد، يحدّثه بصوت واضح تسمعه القاعة كلها، عن أمجاد التحالف وأهمية الاتحاد في وجه الطامعين. لكن بين الكلمة والأخرى، كانت عيناه تعودان مرارًا إلى سليمان.
نظرة ليست عابرة، ليست نظرة ملك إلى جندي ضمن الوفد، بل نظرة حادة، كأنها تفكك ملامحه وتحاول أن تلتقط شيئًا من وراء هدوئه.
كان سليمان يلاحظ ذلك، لكنه لم يُبدِ أي ردّة فعل. كلما التفتت إليه عيون هاشم، ردّ بابتسامة صغيرة بالكاد تُرى، وكأنه اعتاد أن يكون موضع التساؤل دون أن يُفشي سره.
جلس الجميع في المقاعد المخصصة، وبدأت الولائم تُقدّم، والأنغام تتصاعد من آلات العود والناي. ومع ذلك، ظل هاشم يُلقي بنظرات خاطفة نحو سليمان، حتى ضاق صبر الملك فهد.
انتظر فهد حتى خفّ ضجيج القاعة قليلًا، ثم مال بجسده نحو هاشم، وهمس له بصوت منخفض لكنه حازم:
فهد (بابتسامة تحاول إخفاء جديته):
– أراك تحدّق برجل من رجالي، يا هاشم… حتى كدت أنسى وجودي بجوارك. أهناك ما يثير فضولك فيه؟
ضحك هاشم ضحكة قصيرة، ثم ارتشف رشفة من كأسه ووضعه بهدوء على الطاولة، وقال:
هاشم (بنبرة غامضة):
– لا عجب إن أثار هذا الرجل فضولي… عيناه لا تشبهان عيون الجنود، ولا جلوسه يشبه جلوس التابعين. كأنك تُخفي بين رجالك أسدًا يتنكر في جلد قطيع.
رفع فهد حاجبه، لكنه لم يبدُ منزعجًا، بل أجاب بثبات:
فهد:
– نصر الدين… قائد من خيرة قادتي. أثق به أكثر مما أثق بكثير من أمراء الدم والذهب.
ابتسم هاشم بخفة، لكنه لم يقتنع تمامًا. عاد بنظره إلى سليمان، ثم قال وهو يمرر يده على لحيته:
هاشم:
– قائد إذًا… هكذا تسميه؟ غريب أن يحمل القادة تواضع الجنود ووقار الملوك في آنٍ واحد. شيء ما في داخلي يقول إن وراءه قصة لم تُروَ بعد.
هنا، تدخل نزار الذي كان يتابع الحديث بصمت، وقال بابتسامة دبلوماسية وهو يرفع كأسه:
نزار:
– أليس هذا ما يميز الرجال العظماء يا مولاي؟ أن يتركوا من يتأملهم في حيرة، عاجزين عن تحديد مكانتهم الحقيقية؟
ضحك هاشم ضحكة رنانة، لكنها لم تُخفِ نظراته الثاقبة نحو سليمان. أما سليمان، فقد اكتفى بابتسامة هادئة وهو يطرق رأسه قليلًا، وكأنه يترك الغموض يتحدث عنه بدلًا من أن يفضحه الكلام.
وبينما كانت الألحان تعلو، والضحكات تنتشر في القاعة، ظل هاشم ينظر من بعيد… ولسان حاله يقول:
"هذا الرجل… سيكون له شأن عظيم، أو كارثه عظيمة."
"غفران ونداء الشوق"
في بيتها الصغير على أطراف مملكة النور، جلست غفران قرب النافذة، والليل يفرش بساطه المظلم فوق السماء. القمر نصف مكتمل، يرسل ضوءًا خافتًا يتخلل شعرها الطويل المنسدل على كتفيها. كانت يداها مشبوكتين في حجرها، وعيناها تائهتين في البعيد، كأنها تفتش عن ظلّ تعرفه بين النجوم.
منذ أيام لم ترَ نصر الدين… أو سليمان كما سمعت قلبها يهمس رغم جهلها بالحقيقة. كل لحظة تمرّ تُثقل صدرها، كأن الزمن لا يمضي إلا حين تراه، ولا يلين إلا حين تسمع صوته.
همست مع نفسها، وكأنها تحادث غيابه:
غفران (بصوت خافت يرتجف):
– لماذا أشعر وكأنك بعيد… بعيد جدًا؟ كنتَ هنا… تضحك، وتقول لي إنك تجد الراحة حين نكون سويًا، وإنك ترى فيَّ ما لم يره غيرك… والآن؟ الآن كل ما حولي صامت إلا قلبي، يصرخ باسمك.
أغمضت عينيها، وعاد صدى كلماته الأخيرة التي ما تزال محفورة في ذاكرتها:
– غفران… تذكري دائمًا أنّ قوتك ليست في سيفك وحده، ولا في شجاعتك التي تحكي عنها العرافة. قوتك في قلبك. لا تدعي أحدًا يسرق هذا القلب منك حتي لو كان أنا
تسارعت أنفاسها، وابتسمت رغم دمعة سالت من عينيها، كأن الشوق يذيبها بين دفء الذكرى ومرارة الغياب.
وفي تلك اللحظة، دخلت سهام الغرفة بخطوات هادئة، لكنها توقفت عند عتبة الباب حين رأت غفران تحدق في الفراغ بعينين يملؤهما اللهيب. تقدمت وجلست إلى جوارها، وضعت يدها برفق على كتفها، وقالت بنبرة قلقة:
سهام:
– ما بكِ يا غفران؟ منذ أن غاب نصر الدين وأنتِ شاردة هكذا، تبتسمين تارة، وتبكين تارة أخرى… كأنك لم تعودي هنا معي.
ارتبكت غفران، لكنها لم تستطع أن تُخفي ضعفها أمام شقيقتها التفتت إليها وعيناها تلمعان:
غفران:
– سهام… هل جربتِ أن يسرق أحدهم قلبك بكلمة، ثم يرحل دون أن تدري متى يعود؟ كأن روحك معلّقة به، وإن ابتعد شعرتِ أن الدنيا تخونك؟
صمتت سهام قليلًا، ثم احتضنتها بحنان، وقالت بصوت رقيق:
سهام:
– ربما غاب الجسد يا غفران… لكن من يدخل القلب لا يغيب. اصبري، لعل الأيام تحمل لكِ ما يطمئن روحك
أجهشت غفران في حضن شقيقتها، دموعها تختلط بابتسامة صغيرة، وكأنها وجدت في كلمات سهام عزاءً مؤقتًا. ومع ذلك، ظل قلبها يرفرف بشوق لا يُطفئه سوى رؤية عينيه من جديد
"سليمان وذكريات الوصية"
كان الليل هادئًا في قصر الفيروز، أصوات الاحتفالات في الخارج ما زالت تتردد أصداؤها بين الجدران، غير أنّ سليمان اختار عزلته في جناحه الواسع. وقف عند الشرفة العالية، عيناه تسبحان في الأفق البعيد، وكأنهما تبحثان عن طيف يعرف أنه لن يراه الآن.
ريح الليل داعبت عباءته، ولكن ما حرّك قلبه لم يكن النسيم، بل صوت في داخله عاد يتردد كأنه لم يغادره لحظة… كان صوتها هي، غفران مع رجفة قلبه حينما قالت له:
– عد سالمًا، يا نصر الدين… فهذا يكفيني أن أراك مجددا
أغمض عينيه، فارتسم وجهها أمامه بضحكتها العفوية ونظرتها التي كانت تفضحه أكثر مما يفضح نفسه. شعر بشيء يعتصر صدره، خليط من الشوق والحنين والخوف أيضًا.
سليمان (بهمس إلى نفسه):
– أيّ قلب هذا الذي تركته خلفي؟ وكيف أحتمل أن أعود كل يوم إلى هذا الصمت من دونك؟
جلس على مقعد خشبي في الشرفة، وأسند رأسه إلى راحتيه. استرجع صوت ضحكتها، قوتها حين تتحدّى، دموعها حين تختفي بعيدًا عن الآخرين، وكيف لم تعد بالنسبة له امرأة عابرة، بل صارت وطنًا، ملاذًا يهرب إليه من كل ما يطارده.
طرق الباب بخفة، فدخل نزار على استحياء، لكنه توقف عند العتبة حين لمح ملامح صاحبه الغارقة في الشرود. ابتسم نزار نصف ابتسامة وقال:
نزار:
– يبدو أن جسدك في الفيروز، لكن قلبك ما زال هناك.
رفع سليمان رأسه ببطء، وفي عينيه لمعة حنين لا يخفيها:
سليمان:
– وكيف يعود القلب إن وجد نصفه في مكان آخر؟
لم يعلّق نزار، لكنه تقدم وجلس إلى جانبه، تاركًا الصمت يحكي عنهما، فيما كان القمر يرسم على ملامح سليمان صورة رجلٍ بدا أقوى من الجميع… إلا أمام قلبه.
"خيبة الأمل"
في قاعة العرش بمملكة اليمامة، كان الملك بلال جالسًا على عرشه الفخم، متكئًا على مسندٍ من العاج، وحوله الخدم والحرّاس يصطفون بوجوه جامدة، بينما الأجواء مشبعة بالتوتر بعد أن وصلته الأخبار الأخيرة.
فتح الباب الكبير بخطوات متثاقلة، ودخل راجح، وجهه شاحب من الغضب والانكسار، وكتفاه منحنية بثقل الفشل. تقدم حتى منتصف القاعة، ثم انحنى قليلًا دون أن ينطق كلمة.
رفع بلال حاجبيه بحدة، وصوته دوّى كالرعد:
بلال:
– ها أنت أمامي يا راجح… ولكنك لا تحمل في ملامحك خبرًا يرضيني. تكلّم، ماذا جرى؟
تنفس راجح ببطء، ثم قال بصوتٍ مثقل:
راجح:
– يا مولاي… لقد عبروا. لقد وصلوا إلى مملكة الفيروز بسلام، ولم تنجح خطتنا في اعتراض طريقهم. كأنهم محاطون بظلٍ يحميهم من كل كمين. رجالنا في الجهة الشرقية وقعوا في فخّ ارتباكهم، فيما هم سلكوا طريقًا لم نتوقعه… وكأن أحدًا حذّرهم.
ضرب بلال مقبض العرش بقبضته، فارتجّت القاعة، وصاح:
بلال:
–حذرهم؟! هذا هراء... من الذي يجرؤ على إفشال خططي؟ أكنتَ أعمى يا راجح؟ أرسلتك لتقطع الطريق على سليمان ونزار، فإذا بي أراك تعود بخيبه تملأ المكان!
خفض راجح رأسه، يحاول التماسك، لكنه قال بصوت خافت متوتر:
راجح:
– يا مولاي… كل الاحتمالات واردة. ربما هناك عيون تسبقنا إليهم، أو… العرافة. تلك المرأة الغامضة، التي تدعي كارمن، تردّد اسمها كثيرًا بين الناس في الاونه الاخيرة.
ظل بلال صامتًا لحظة، عيناه تضيقان كمن يزن كلام راجح. ثم مال بجسده إلى الأمام، صوته صار أكثر برودًا:
بلال:
– إذن تعتقد أن مجرد ساحرة هي من تتدخل؟ حسنًا… سواء كانت هي أو غيرها، لن أترك هذا العبث يستمر سليمان ذلك الملك المتخفي المنقلب سيعلم قريبًا أن بلال لا ينهزم.
رفع يده وأشار لحرسه:
بلال (بغضب حاد):
– أرسلوا عيوني في كل مكان. أريد أن أعرف كل حركة لهم في الفيروز. وأنت يا راجح… لن تنجو من غضبي إن خذلتني مرة أخرى.
تراجع راجح خطوتين إلى الوراء، يجرّ خيبته معه، بينما في داخله كانت نيران الغضب لا تقل عن غضب سيده، لكنه أخفى ذلك خلف انحناءة مطيعة، وهو يردد:
راجح:
– أمرك، يا مولاي.
وغادر القاعة، تاركًا بلال وحده يحدّق في الفراغ، وعيناه تلمعان بظلال مؤامرة جديدة تتشكّل في أعماقه
"حديث جانبي بين الملكين"
كانت قاعة العرش في قصر الفيروز مهيبة، تضج بأصوات الحرس والوزراء الذين يتهيأون لحفل التحالف الكبير. الأضواء المتلألئة من المشاعل انعكست على الجدران المزخرفة بالفيروز، فزادتها فخامة وجلالًا.
جلس الملك هاشم بن حمّاد على عرشه العالي، وإلى جواره على مقعد موازٍ جلس الملك فهد، الذي بدا أكثر هدوءًا مما توحي به الأحداث. تبادلا كلماتٍ بروتوكولية أمام الحاضرين، ثم أشار هاشم بيده ليصرف الخدم والوزراء، وبقي المكان شبه فارغ إلا من الحرس البعيدين.
مال هاشم بجسده قليلًا نحو فهد، ونبرته هذه المرة لم تكن علنية، بل جانبية، محمّلة بالفضول:
هاشم:
– أخي فهد… ذلك الرجل الذي يسير بجوارك دائمًا، صامتٌ أكثر مما ينبغي… ملامحه ليست ملامح قائد عادي. من هو بالضبط؟
ابتسم فهد ابتسامة صغيرة، وقد توقّع السؤال من اللحظة التي رآى فيها نظرات هاشم تلاحق سليمان منذ دخوله القاعة. أجاب بلهجة مراوغة، كمن يضع طبقات من الغموض فوق الحقيقة:
فهد:
–قلت لك سابقا يا هاشم إنه… نصر الدين، قائد من خيرة رجالي. شجاع، صادق، لا يلين أمام الصعاب. رجل أثق به أكثر مما أثق بكثيرين من حولي.
رفع هاشم حاجبيه، يرمقه باهتمام أكبر:
هاشم:
– نصر الدين؟ غريب... في عينيه سرّ لا يشبه عيون القادة نظرته تشبه الملوك أكثر مما تشبه الجنود.
ضحك فهد بهدوء، وأخفى توترًا داخليًا لم يرد لهاشم أن يلمسه، ثم قال:
فهد:
– ربما قرأتَ ما لا يراه غيرك يا هاشم لكن الأسرار لا تُكشف كلها في ليلة واحدة… أعدك أنك ستعرف عنه ما يكفي حين يحين الوقت.
تأمل هاشم صديقه الملك لحظة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة متفحصة، وكأنه التقط ما وراء الكلمات:
هاشم:
– إذن هو أمر يستحق الصبر؟ حسنًا… سأنتظر
أطرق فهد برأسه قليلًا، يخفي ابتسامةً غامضة في ثنايا صمته، ثم قال بنبرة هادئة:
فهد:
– ثق بي يا هاشم… الوقت كفيل بكشف كل شيء
وبينما تبادلا نظرات صامتة، كان في قلب كل منهما يقينٌ مختلف: هاشم يزداد فضوله لمعرفة من يكون "نصر الدين"، وفهد يتمسك بأن تبقى الحقيقة في وقتها المناسب… الحقيقة التي يعلم أنها قد تغيّر ميزان القوة بين الممالك كلها
"كارمن والبلورة"
في كوخها الصغير على أطراف الغابة، حيث يتناثر دخان الأعشاب المشتعلة في أوانٍ فخارية، جلست كارمن العرّافة أمام بلورتها الكبيرة التي تتلألأ بضوء غامض. كانت الغرفة هادئة إلا من همسات الريح التي تسللت عبر الشقوق، وصوت طقطقة النار.
وضعت كفّيها النحيلتين على حواف البلورة، وأغمضت عينيها لحظة، ثم همست بصوت متقطّع:
كارمن:
– أروني ما جرى… أروني الخيط الذي حاولوا نسجه
اشتعلت البلورة فجأة بوميض أزرق، وتداخلت الصور بداخلها. رأت راجح وهو يدخل على بلال في قاعة اليمامة، ملامحه غاضبة، صوته يحمل خيبة أمل بعد أن أخبره بفشل خطتهم لإيقاع سليمان ونزار. ثم ظهر بلال يزمجر غضبًا، يضرب بيده على عرش اليمامة، وهو يتوعد ويعيد التفكير في المؤامرة.
فتحت كارمن عينيها ببطء، وعلى وجهها ارتسمت ابتسامة ماكرة، مزيج من الفرح والشماتة. همست وكأنها تحدّث البلورة نفسها:
كارمن:
– ها أنتما… تتخبطان مثل ذئاب جائعة لا تعرف أين الفريسة. خططكما تتهاوى كأوراق الخريف… ولن تدركا أنكما مجرد بيادق في رقعة أكبر مما تظنان.
انحنى رأسها قليلًا، وضحكت بخفوت، ضحكة لم تكن خبيثة فحسب، بل مليئة بالرضا. رفعت يدها فوق البلورة، مرة اخري، فأظهرت الصورة وجهها هي نفسها، وكأن البلورة ترد لها انعكاسًا يؤكد قوتها.
كارمن (بصوت حازم وهادئ):
– اللعبة لم تنتهِ بعد… لكن النصر يميل لمن يعرف متى يزرع الشك في قلب عدوه. وسليمان… ما زال أمامك الكثير لتراه.
تراجعت إلى الخلف، تسند ظهرها إلى كرسيها الخشبي، وهي تبتسم بثقة، وقد بدا وكأنها وحدها من يرى الخيوط كلها تتحرك حولها.