رواية تاج في الظل - الفصل السادس عشر - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: رواية تاج في الظل
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السادس عشر

الفصل السادس عشر

"لقاء قبل الرحيل" كان الفجر ينساب بهدوء على أزقة مملكة النور، والضوء الذهبي يلامس الأسوار العالية قبل أن يغمر الساحة الواسعة. الجنود يتحركون استعدادًا لرحلة الملك فهد ورجاله إلى مملكة الفيروز حيث سيُقام الحفل الكبير، أما سليمان فكان يسير بخطى مترددة نحو الطريق المؤدي إلى بيت غفران. كان قلبه مثقلًا بما دار بينهما من قبل، بما سمعه من أسرارها وما رآه في عينيها من قوة وجرح في آنٍ واحد. شعر أنّه لا يستطيع أن يرحل قبل أن يراها، قبل أن يسمع صوتها مرة أخرى. طرق الباب بخفة، فخرجت غفران مسرعة، وعندما وقع بصرها عليه توقفت في مكانها، بدت المفاجأة على وجهها: غفران (بهمس متوتر): – نصر الدين؟! ما الذي جاء بك في هذا الوقت المبكر؟ ابتسم سليمان ابتسامة خفيفة، لكن عينيه كانتا تعكسان شيئًا أعمق: سليمان: – قبل أن أرحل… كان لابد أن أراكِ. ارتبكت غفران، لم تكن تدري ما تقول، لكنها تنحت قليلًا لتفسح له مكانًا، فأشار بيده بأنه لا يريد الدخول: سليمان: – لا… لن أطيل. أردت فقط أن أطمئن أنك بخير غفران (تقترب منه بخطوات حذرة): – بخير… لكنك تتحدث وكأنك ذاهب لزمن طويل. إلى أين سترحل؟ تردد سليمان، ثم قال بصوتٍ منخفض: سليمان: – إلى مملكة الفيروز. سيُقام هناك حفل عظيم يجمع الملوك… عليّ أن أكون حاضرًا مع جنودي بصفتي قائدهم تسمرت غفران في مكانها، عيناها امتلأتا بظلٍ من القلق والدموع معا: غفران: – ومتى تعود؟ ابتسم ابتسامة مترددة وهو يراها تحاول أن تخفي دموعها: سليمان: – قريبًا… أعدك. لكنني لا أعلم كيف سيكون شكل هذا "القريب". صمت لحظه، ثم تابع بجديه: سليمان: – غفران… تذكري دائمًا أنّ قوتك ليست في سيفك وحده، ولا في شجاعتك التي تحكي عنها العرافة. قوتك في قلبك. لا تدعي أحدًا يسرق هذا القلب منك حتي لو كان أنا خفضت غفران رأسها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة حزينة: غفران: – ولماذا تقول لي هذا الآن؟ أتعلم أنّ كلماتك تزيد قلقي أكثر مما تطمئنني؟ اقترب منها خطوة واحدة، وصوته أصبح أهدأ وهو يمسح دمعه زرفت منها: سليمان: – لأنني أخشى… أن يطول الغياب أكثر مما تحتملين. رفعت عينيها إليه، وكانت تلك النظرات مليئة بأسئلة لم تجرؤ على لفظها. اكتفت بأن تهمس: غفران: – عد سالمًا، يا نصر الدين… فهذا يكفيني أن أراك مجددا ظل يحدق فيها لحظة طويلة، وكأن الزمن توقف، ثم ابتسم ابتسامة أخيرة قبل أن يستدير ويرحل. تركها واقفة أمام بيتها، وقلبها ينبض بقوة كأنها شعرت أن هذا اللقاء قد يكون بداية لشيءٍ أكبر مما تتخيل. " الأستعداد للرحيل" كان قصر النور يعجّ بالحركة منذ ساعات الصباح الأولى. أصوات الجنود تتعالى في الساحة الواسعة، صليل السيوف، وقع أقدام الخيول، وصوت القادة يطلقون التعليمات. بدا وكأن المملكة كلها تستعد لرحلة ليست كاباقي الرحلات في البهو الكبير للقصر، جلس الملك فهد على عرشه المؤقت، وحوله وزراؤه وأقرب قادته، بينما كان نزار يتنقل بين الجنود يراجع أوامر السفر ويوزع المهام. دخل سليمان بخطوات ثابتة، رغم أن قلبه ما زال عالقًا عند اللقاء الذي جمعه بغفران قبل ساعات. ابتسم الملك فهد حين رآه: فهد: – ها قد جاء قائد جنودي. أظن أن الجميع باتوا جاهزين؟ انحنى سليمان قليلًا احترامًا، ثم قال: سليمان: – نعم يا مولاي، الجنود على أهبة الاستعداد، والمؤن محمّلة، والخطط موضوعة تحسبًا لأي طارئ على الطريق. تدخل نزار، وهو ينظر إلى سليمان نظرة فاحصة: نزار: – وضعت خطة حماية إضافية يا مولاي، بحيث يسير قسم من الجنود أمام القافلة، وقسم خلفها، بينما يظل القادة في الوسط تحسبا لأي شئ هزّ فهد رأسه موافقًا، ثم التفت إلى سليمان بنبرة مملوءة بالثقة: فهد: – أعتمد عليك كثيرًا يا نصر الدين أنت ونزار إيضا الحفل ليس مجرد دعوة للترف، إنه تحالف قد يغيّر وجه الممالك كلها نريد أن نثبت أننا أقوياء وموحدون ظل سليمان صامتًا لحظة، ثم قال بصوت هادئ يخفي ما في داخله: سليمان: – سأفعل كل ما بوسعي ليبقى اسم مملكتك مرفوعًا بين الملوك. اقترب منه نزار، وكأنه التقط في صوته شيئًا غامضًا: نزار (بابتسامة جانبية): – يبدو أن قلبك مشغول بشيء آخر غير الرحلة يا صديقي. عيناك لا تخفيان اضطرابك نظر سليمان إليه نظرة حادة، ثم خفف من حدتها بابتسامة مصطنعة: سليمان: – لا تشغل بالك كثيرا يا نزار… كل ما هناك أنني أراجع تفاصيل الطريق في ذهني هذا كل شئ ضحك فهد بخفة، وقال وهو ينهض من مجلسه: فهد: – دع عنك هذا الجد الزائد يا نصر الدين، ستنهك نفسك قبل أن نصل! أريدك في كامل قوتك ثم التفت إلى الجميع بصوت جهوري: فهد: – أيها الرجال! اليوم نرحل إلى مملكة الفيروز هناك سنُظهر قوتنا، وهناك ستُحاك خيوط التحالفات الجديدة. أريدكم أن تكونوا مرآة لمجد النور، فلا تخذلوني. تعالت هتافات الجنود في الساحة: – نحيا لأجل ملك النور ولأجل المملكة كلها ! بينما كان سليمان واقفًا، يحاول أن يخفي ما في صدره من قلق. لم يكن قلقه على الرحلة أو على الحفل… بل على ما تركه خلفه، على تلك النظرات التي لم تفارقه منذ أن ودّع غفران. "لقاء في قصر اليمامة" كان الليل قد أسدل ستاره على مملكة اليمامة، والقصر يغرق في أجواء هادئة لا يكسرها سوى وقع الخطى في أروقة الحرس. لكن داخل قاعة العرش، لم يكن الهدوء سوى قناع يخفي خلفه نارًا تتأجج. جلس الملك بلال على عرشه العالي، وعيناه تقدحان بشرر، ينتظر ضيفًا استدعاه على عجل. فتح الباب الكبير، ودخل راجح بخطوات مترددة أولًا، قبل أن يثبت نفسه كعادته، يضع يده على صدره وينحني قليلًا: راجح: – السلام على ملك اليمامة… لقد جئت مسرعًا فور استدعائك، فما الأمر الذي يستحق أن أترك رجالي ورائي؟ أشار بلال بيده إشارة حادة، فأغلق الحراس الباب خلف راجح، وبقي الصمت يخيّم على القاعة. ارتسمت ابتسامة باردة على شفتي بلال، ثم قال بنبرة غامضة: بلال: – الأمر أكبر من رجالك يا راجح… إنه أمر يخص الممالك نفسها قطب راجح حاجبيه، يقترب بخطوة للأمام: راجح: – وضّح كلامك… لا أحب الألغاز أجاب بلال وهو يعتدل في جلسته، يميل قليلًا للأمام: بلال: – سمعت بما يجري في مملكة النور؟ الملك فهد يستعد لحفل كبير في مملكة الفيروز، هناك حيث سيتحالف مع ملك آخر تعرف من هو ملك الفيروز اذن؟ راجح (بقلق): – من هو لا تقول انه هاشم بن حماد بلال (بنفاذ صبر): نعم انه هو … وما يقال أنه سيكون بداية لتحالف أوسع يشمل أكثر من عرش تغيرت ملامح راجح بسرعة، وصوته ارتفع قليلًا: راجح: – تحالف؟! وماذا عنّا؟ أيريدون أن يُقصونا خارج اللُعبه؟ ابتسم بلال ابتسامة ساخرة، وقال بصوت حاد: بلال: – ليس فقط يُقصونا، بل إن من يقف بجوار فهد الآن… هو عدونا الأول سليمان ومعه مستشاره نزار تأكدتُ بنفسي انهم في مملكة النور التابعه لفهد.. تجمدت ملامح راجح، عيناه اتسعتا بدهشة حادة: راجح: – اللعنه... سليمان؟! ذلك الشبح الذي قلب كل مكان مرّ به رأسًا على عقب؟ كنت أظنه قد اختفى… والآن يظهر في صف فهد؟ اقترب بلال، صوته انخفض لكن نبرته ازدادت ثِقلاً: بلال: – نعم. وها نحن أمام فرصة لا تعوض. إن تركناهم يُبرمون هذا التحالف، سيصبحان معًا قوة لا تُقهر. لهذا استدعيتك. أريد خطّة سريعة، خفية، تعطل هذا الحفل وتُفشل هذا التحالف قبل أن يولد. وقف راجح، يضع يده على ذقنه، يفكر للحظة ثم ابتسم ابتسامة مائلة للخُبث: راجح: – أفهم قصدك… أن نضرب قبل أن يجتمعوا، قبل أن تتشابك خيوطهم. لكن أخبرني… هل أنت مستعد للمخاطرة؟ ارتفع صوت بلال، عينيه تلمعان كاللهب: بلال: – سأخاطر بكل شيء، لكن لن أسمح لفهد وسليمان أن يضعوا يديهم على الممالك من حولي. اليمامة لن تنحني أبدًا ولن تعد ل سليمان مجددا حتي لو كان الثمن روحه أطرق راجح قليلًا، ثم رفع رأسه بابتسامة مريبة: راجح: – إذن… فلنكتب فصلاً جديدًا في هذه اللُعبة، فصلاً تغرق فيه دماء جديدة، وتتهاوى فيه تحالفاتهم قبل أن تبدأ. أطبق بلال قبضته على مسند العرش، وقال بصوت كالرعد: بلال: – لتكن البداية إذن من مملكة الفيروز. ساد الصمت، بينما كان الاتفاق يولد بينهما كسمّ يتسلل في الظلام "كوخ كارمن" على أطراف مملكة النور، حيث يسكن الصمت الكثيف بين الأشجار، ارتفع دخان خفيف من كوخ قديم متواضع، ينبعث منه رائحة أعشاب محترقة، وصوت همسات خافتة. جلست كارمن العرّافة وسط الظلال، عينها تلمع كجمر مشتعل، تقرأ خطوط الرمل أمامها، وتتنقل بأناملها بين أوانٍ صغيرة تحوي حجارة ملونة وأعشاب مجففة. توقفت فجأة، تجمّد جسدها، وانحنت أكثر نحو الخطوط التي ارتسمت في الرمل. ارتعشت أناملها، ثم رفعت رأسها، وعيناها اتسعتا بدهشة ممزوجة بغضب مكتوم وانفاسها تتسارع كارمن (بصوت خافت كأنها تخاطب نفسها): – بلال… وراجح… اجتمعا إذن. خطٌ أسود يلتف حول آخر… نواياهم كالسمّ… يريدان أن يقطعوا الحبل قبل أن يُعقد. نهضت ببطء، تسير في الكوخ جيئة وذهابًا، ثوبها الأسود يتمايل مع خطواتها، ووجهها يزداد قسوة. تناولت بلورة صغيرة من فوق الطاولة، رفعتها أمامها، تمعّنت في ومضات ضوء انعكست داخلها. ارتسمت أمامها صور: عرش بلال، ملامح راجح المتوترة، وخرائط قصر الفيروز. كارمن (تتمتم وكأنها ترى ما وراء البلورة): – مؤامرة تُحاك في الظلام… هدفها قلب الموازين قبل أن تُبنى. يريدان تعطيل الحفل، يريدان قطع الطريق على فهد… وسليمان. اقتربت من النافذة الخشبية الصغيرة، تنظر للسماء تغمض عيناها وكأنها تدخل الأن داخل عقل سليمان مباشرة: كارمن: – أيها الملك المتخفي… أيها الممزق بين قلبك وسيفك… الوقت يضيق. لا بد أن تعرف ما ينتظركم، وإلا ستقع الطعنة حيث لا تظن راحج وبلال يتأمران للوقوع بكما غيروا المسار الآن إلي الجهه الغربيه تتقدم نحو الطاولة، تجلس من جديد، تمسك بحجر أزرق وتغرسه في الرمل، كأنها توثق وعدًا: يسود الصمت في الكوخ، إلا من صدى كلماتها الأخيرة، بينما في الخارج كان الغراب الأسود يحطّ فوق السقف، ينعق كأنه ينذر بعاصفة قادمة "النداء الروحي" كان الطريق الممتد بين بساتين الزيتون والنخيل هادئًا، لا يسمع فيه سوى وقع أقدام الأحصنة وصرير العجلات وهي تلامس الحجارة. كان سليمان ممتطيًا جواده يسير بجانب نزار، والجنود يتبعونهم على مسافة قريبة، والريح تداعب أطراف معطفه الثقيل. لكن فجأة… تجمّد داخله وكأن سهمًا اخترق صدره دون أن يمسّه أحد. ارتفع صدًى خافت في أعماق رأسه، كأنه قادم من بئر سحيق، ثم تبلور ليصبح صوتًا مألوفًا، صوتًا عرفه من قبل… صوت العرّافة. الصوت في عقله (عميق، مهيب): – أيها الملك المتخفي… أيها الممزق بين قلبك وسيفك… الوقت يضيق. لا بد أن تعرف ما ينتظركم، وإلا ستقع الطعنة حيث لا تظن. تشنجت يداه فوق لجام الحصان، واتسعت عيناه بذهول. التفت نزار ناحيته، وقد لاحظ ارتباكه: نزار (بقلق): – ما بك يا نصر الدين؟ وجهك شاحب هل حدث شئ؟! لكن سليمان لم يرد… الصوت استمر يخترق عقله، كأنه يخاطبه وحده: الصوت: – راجح… وبلال… يتآمران للوقوع بكما الآن لن تُنقَضَ العهود، بل ستُكسر بخيانة غادرة. غيروا المسار الآن… إلى الجهة الغربية، وإلا ستجدون أنفسكم في فخ لا خلاص منه انقطع الصوت فجأة كما بدأ، تاركًا خلفه فراغًا يصمّ أذنيه. شعر سليمان بقطرات العرق تتجمع على جبينه رغم برودة الليل. نزار (بحزم): – نصر الدين ! ماذا هناك؟! أجبني أمسك سليمان بلجام جواده بقوة، ثم نظر إليه بعينين تحملان مزيجًا من الاضطراب والحزم: سليمان (بصوت متوتر): – لقد سمعت صوتها… العرّافة. إنها تحذرنا… تقول إن علينا تغيير المسار فورًا إلى الجهة الغربية ساد الصمت لحظة بينهما، ثم عقد نزار حاجبيه، يحدق في عينيه ليتأكد من صدقه: نزار: – هل أنت متأكد؟ أيمكن أن يكون وهمًا من إرهاقك؟ سليمان (بصرامة): – لا، يا نزار… كان صوتها واضحًا كأنها تقف بجانبي الآن. قالت إن راجح وبلال يتآمران علينا إن لم نغير مسارنا… سنسقط في الفخ تبادل نزار وسليمان نظرات طويلة، كأنهما يقرآن قلوب بعضهما البعض. ثم رفع نزار يده وأشار للجنود من خلفهم: نزار (بصوت حازم): – غيروا المسار! نتجه غربًا الآن! بدأت القافلة بالانعطاف، وارتفع غبار الطريق تحت حوافر الأحصنة. وبينما كانوا يتجهون غربًا، رفع سليمان عينيه نحو السماء، يتمتم في داخله: سليمان (بهمس داخلي): – أيها القدر… هل ستظل دائمًا تسبقني بخطوة؟ هل ستظل تحميني دائما شكراً لك يا الله وتلاشى الليل حولهم، لكن كلمات العرافة ما زالت عالقة في ذهنه كجرس لا يتوقف عن الرنين "فخ الشرق" جلس الملك بلال على عرشه، متكئًا إلى الخلف، وعلى وجهه ابتسامة باهتة تحمل مزيجًا من السخرية والدهاء. دخل راجح بخطوات حذرة، لكنه كان متشوقًا لسماع ما جمعهما هذه الليلة. بلال (بصوت خافت لكنه ممتلئ بالثقل): – أخبرتني العيون أن سليمان ونزار في طريقهما مع فهد إلى مملكة الفيروز لحضور الحفل. والآن… حان وقت ضربتهم. اقترب راجح أكثر، وعيناه تضيقان باهتمام: راجح: – وهل سننتظرهم في منتصف الطريق؟ الطرق كثيرة، ولا نضمن أيّهما سيسلكون. ابتسم بلال ابتسامة ماكرة، ثم مال إلى الأمام، صوته كهمس الأفعى: بلال: – سيظنون أنهم يسيرون في أمان، لكننا سنغلق أمامهم الطريق نحو الجهة الشرقية وهناك… سيكون الفخ في انتظارهم رفع راجح حاجبيه بدهشة: راجح: – الجهة الشرقية؟! طريق الوديان الضيقة؟ ذاك المكان لا يرحم أحدًا… أي كمين صغير فيه كفيل بأن يبتلع قافلة كاملة أومأ بلال برأسه وهو يضغط على مسند العرش بقبضته: بلال: – بالتأكيد سننشر رجالنا بين الصخور، نغلق عليهم الممرات، ونجعل الأرض نفسها سجنًا. لن يخرجوا منه إلا موتى أو منكسرين ظل راجح يراقب بلال للحظة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة ماكرة تشبهه: راجح: – خطة شيطانية بحق السماء… الفخ ليس في السيوف فقط، بل في اختيار المكان. لن يحتاج الأمر إلى جيش كامل، بل إلى قلة مدربة تعرف كيف تضرب في الظلام نهض بلال من مقعده، واقترب من النافذة المطلة على ساحة القصر حيث كان القمر نصف مكتمل، يرسل ضوءًا بارداً فوق الرمال البعيدة. قال بصوت متوتر لكنه ممتلئ بالحزم: بلال: – لن نسمح لهذا التحالف أن يتم. سليمان يجب أن يُكسر قبل أن ينهض من جديد. سأجعل الجهة الشرقية مقبرة لهم جميعا وليكن القمر شاهدًا على ذلك ضحك راجح ضحكة قصيرة، ثم قال وهو يستدير متجهًا إلى باب القاعة: راجح: – إذن ليلتهم ستكون هي ليلتهم الأخيرة… وسأكون هناك لأتأكد أن الفخ يغلق عليهم بإحكام وقف بلال خلفه، عيناه تقدحان شررًا، وكلماته الأخيرة خرجت كطعنة: بلال: – لا تترك لهم منفذًا. لا سليمان، ولا نزار، ولا حتى فهد. الجهة الشرقية ستبتلعهم جميعًا. سكتت القاعة من جديد، وكأن الجدران نفسها حفظت سرّ المؤامرة… في حين أن هناك، بعيدًا على الطريق، كان النداء الروحي قد وصل بالفعل إلى عقل سليمان يحذره من ذلك الفخ الذي يحيكه أعداؤه الآن "قلب يتوجس" في بيت غفران البسيط على أطراف مملكة النور، كانت الليلة هادئة، والسماء صافية تعكس ضوء القمر على جدران الطين العتيقة. جلست غفران بجوار النافذة، ذراعاها تحتضنان ركبتيها، وعيناها معلقتان بالسماء البعيدة. كانت في داخلها رجفة غريبة، كأن قلبها يهمس لها أن هناك خطرًا يقترب دخلت سهام بهدوء، تحمل في يدها قنديلًا صغيرًا يبدد شيئًا من ظلام الغرفة. لاحظت شرود شقيقتها، فتقدمت وجلست بجوارها. سهام (بقلق): – غفران… مابكِ؟ منذ أن عاد القمر إلى السماء وملامحكِ لا تعرف الطمأنينة رفعت غفران رأسها ببطء، نظراتها شاردة كأنها تنظر إلى ما وراء الأفق: غفران (بصوت خافت): – لا أعلم يا سهام… شيء ما يعتصر قلبي، كأنني أسمع صدى بعيدًا يناديني. أشعر أن نصر الدين…ليس بخير قطبت سهام حاجبيها، ومدت يدها تمسك بكف شقيقتها: سهام: – أهو عنه ثانيا؟ ألهذا الحد صار يشغل بالكِ؟ ربما هو بخير، إنه قائد قوي، والجنود من حوله أغمضت غفران عينيها للحظة، تنهدت تنهيدة عميقة ثم همست: غفران: – القوة لا تحمي القلب من الخطر، يا سهام. حين أغمض عيني… أراه يسير في طريق مظلم تحيطه الظلال وكأن هناك فخًّا يُحاك ضده وضعت سهام القنديل على الأرض، ثم أمالت رأسها لتقابل وجه شقيقتها بعينين دامعتين: سهام: – أخبرتني يومًا أنك لا تخافين من شيء، وأن الشجاعة هي سلاحك. فما الذي يجعلكِ خائفة الآن؟ أطرقت غفران رأسها، ابتسامة حزينة ارتسمت على شفتيها: غفران: – لأن الأمر هذه المرة ليس عن نفسي، بل عنه. لا أعلم ما السر الذي يخفيه، ولا أعلم حتى من يكون هو حقًا… لكن قلبي يخبرني أن حياتي ارتبطت بحياته، وأن مصيره سيغيّر مصيري للأبد ساد الصمت بينهما للحظة، لا يُسمع سوى صوت الريح يتسلل من الشقوق. ثم رفعت سهام يدها لتلمس شعر شقيقتها بحنان: سهام: – إن كان قلبكِ صادقًا يا غفران… فربما يشعر هو أيضًا بكِ الآن. ادعي له… فربما يصل صوتك إليه، كما يصل صوته إليك رفعت غفران بصرها إلى السماء، والدمعة اليتيمة تنحدر على خدها. همست بصوت مرتعش، كأنها ترسل دعاءها إلى البعيد: غفران: – احفظه يا الله… لا تجعل اي شئ يؤذي او يبتلعه… لا تجعلني أفقده لن اتحملها وفي تلك اللحظة، ارتجف قلبها بقوة حتى كادت تسمع نبضاته… وكأن الأرواح عبرت بينها وبينه في مكان آخر بعيد، تحمل التحذير ذاته الذي سمعه هو في عقله للتو.