الفصل الخامس
نتعلّق بشخصٍ ما، حتى يصبح هو دنيتنا كاملة، نبني حوله أحلامنا، ونربط به تفاصيل أيامنا.
ننسى أن لكل بداية نهاية، وأن القلوب مهما تشابكت قد تفترق.
وفي النهاية… قد يكون أكثر من أحببناه، هو ذاته من يعلّمنا معنى الفقد، لا لأن الحب كان خطأ، بل لأن بعض الأشخاص يأتون ليكونوا درسًا لا بقاء.
ـــــــــــــــــــــــــــالبدايةـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أبو فيصل (بغضب مكتوم):
"وش ذا يا أبوي من جدّه؟"
أبو مشاري (بحنق):
"كنت أدري إن هالحركة من خليل بس يا أنا، يا هو."
أبو فيصل:
"وش ناوي تسوي يعني؟"
ابتسم أبو مشاري ابتسامة ساخرة، وقال:
أنت خلّك بعيد... الموضوع ذا عليّ.
بعد ما انتهت الجلسة، وكل المعازيم راحوا، بقي أبو مشاري جالس في المجلس.
الهدوء اللي لف المكان ما كان مريح… كان ثقيل وقف قدّام الجد سلطان وخليل، ونبرته مليانة استنكار.
أبو مشاري:
"موب فاهم… كيف اقتنعت يا يبه تعترف ببنت غريبة؟"
خليل التفت له بعصبية، وصوته ارتفع بدون ما يحسبها.
"هي موب غريبة! هذي بنتي، بنت خليل. وإن زاد كلامك، زاد قل احترامي لك. أنت ما تشوف إلا اللي ما يعجبك."
شدّ أبو مشاري حواجبه.
"لا تنسى مع مين تتكلم أنا أخوك الكبير"
خليل قرب خطوة، وصوته هادي لكن حازم.
"ما نسيت ولا راح أنسى بس اسمعها مني زين عشان ريوف مستعد أوقف ضدكم كلكم"
قالها ومشى، تارك أبو مشاري يغلي من الغضب.
التفت أبو مشاري للجد سلطان.
"عاجبك اللي يصير؟"
الجد سلطان:
"لا والله مو عاجبني بس وش مشكلتك بالضبط؟ البنت ما سوت لك شي"
تنفّس أبو مشاري بحدّة.
"مشكلتي موب مع الطفلة مشكلتي كيف تكبر بين عيالنا وتورّث معنا وهي ما نعرف أصلها"
هزّ الجد سلطان راسه بثقل.
"كفاية يا أبو مشاري أخوك فرحان بالبنت، لا تخرب سعادته هو وحرّمته"
سكت أبو مشاري.
ما كان قصده يخرب سعادة أحد…
بس الخوف من الميراث كان أكبر من أي تبرير.
أصبحت ريوف كلّ حياة عبير وخليل…
لم تعُد مجرد طفلة دخَلت حياتهما صدفة، بل صارت قلب البيت وروحه.
كبرت بين أيديهما، بدلالٍ يشبه التعويض، وحبٍّ يشبه الخوف من الفقد.
كانا يناديان نفسيهما دون وعي:
أم ريوف وأبو ريوف،
وكأن الأسماء وحدها لا تكفي لوصف ما صارت عليه مكانتها في حياتهما.
كبرت ريوف، وكبر معها تعلّقهم بها،
ومع مرور السنين… هدأت اعتراضات العائلة،
وتحوّل الرفض إلى صمت، ثم إلى قبول،
ثم إلى اعتراف غير معلن:
ريوف واحدة منهم… وإن اختلفت الملامح، وإن اختلف الدم، وإن كان الأصل بعيدًا.
كانت منهم… وفيهم… وتتغلغل في قلوبهم يومًا بعد يوم.
بعد مرور 19سنة...
كانت أم ريوف في المطبخ،
ترتّب الفطور بعناية زائدة،
كأنها ما زالت تجهّز لطفلة صغيرة لا لفتاة جامعة.
وضعت كل ما تحبه ريوف، ثم نادت:
ام ريوف:
ريوووف الفطور جاهز!
لا رد
تنهدت، ومسحت يديها بمنديل،
وتوجهت لغرفة ريوف بخطوات تعرفها جيدًا.
فتحت الباب بهدوء…
وجدتها غارقة في نومٍ عميق،
شَعرها مبعثر على الوسادة، وملامحها هادئة كأنها ما زالت طفلة.
زفرت أم ريوف بقوة،
وجلست عند طرف السرير،
ومدّت يدها تمسح على رأسها بحنانٍ قديم وفجأة داهمتها الذكرى.
قبل 19سنه
في المستشفى طفلة صغيرة متروكة،
أمٌ تخلّت وقلب عبير الذي لم يتحمّل الفكرة. كيف تعلّقت بها كيف حملتها؟
كيف وقفت في وجه العائلة لأجلها؟
كيف صارت ريوف ابنتهم رغم كل شيء؟
ابتسمت دون أن تشعر وعادت للحظة الحاضر ومسحت على رأس ريوف مرة اخرى
ام ريوف: وقالت بصوتٍ أعلى:
"لسّا ما صحيتي؟ وراك جامعة، تراني ما راح أكرر!"
تحرّكت ريوف بتكاسل وعيناها ما زالتا مغمضتين.
"يمّه والله ما لي خلق أروح اليوم."
ام ريوف:
"وبعدين معك يا ريوف؟ لك كم يوم ما تروحين الجامعة!"
جلست ريوف على السرير النعاس لا يزال يثقل جفونها.
"يمّه، خلاص اليوم بعد ما بروح."
رفعت أم ريوف حاجبها وحاولت إظهار الغضب:
"ريوف إذا ما رحتي الجامعة صدقيني… راح أقطع عنك المصروف."
وقفت ريوف فجأة، متذمّرة لكن مستسلمة تتحدث مع نفسها
لو مشاعل موجودة اليوم بتكون وناسة…
بس لو ما جات يا تعاسة يومي!
لبست ريوف ملابس الجامعة،
فطرت على عجل ارتدت عبايتها
وغادرت مع السائق وعند بوابة الجامعة…
لمحت فيصل ومشاعل ركضت ريوف فورًا، ورمت نفسها في حضن مشاعل بفرحٍ صادق مشهد بسيط
لكن قلب فيصل لم يكن بسيطًا أبدًا.
تعلّقت عيناه بريوف دون وعي،
وتسارعت دقات قلبه كأن قربها يربكه ويهدّئه في الوقت نفسه.
رفعت ريوف نظرها إليه
وعيناها قالت أشياء لم تنطق بها.
ريوف:(بخجلٍ خفيف)
شلونك يا فيصل؟
فيصل:(أجاب بصوت يحمل دفئًا واضحًا)
"زين… وانتي؟"
ريوف:
"طيبة."
مشاعل نظرت إليهما ابتسامة خبيثة ارتسمت على شفتيها.
"أحم أحم. نسيتونا ولا شلون وبعدين يا ريوف، مو سامعة إشاعة الجامعة؟
يقولون إنك بعلاقة مع ابن عمك!"
احمرّ وجه ريوف فورًا وضربت مشاعل بخفة على كتفها.
ريوف:
"اسكتي!"
ودخلوا الجامعة معًا....
مشاعل:(بسخرية)
"وبعدين معاك؟"
ريوف:
"وش تقصدين؟"
مشاعل:
"لا تسوين نفسك ما تفهمين…
أنا ملاحظة كل شيء أنتِ وفيصل تحبون بعض."
ريوف:(وهي تحاول الهروب)
"وش تقولين ما في شيء هذا ابن عمي بس."
مشاعل:
"ما يحتاج تحلفين أنا عارفة كل شيء.
وش عارفة؟"
ابتسمت مشاعل وقالت بثقة:
"عارفة إنكم تحبون بعض"
ثم مشت وتركت ريوف واقفة…
بقلبٍ خائف وخجلٍ ثقيل وسؤالٍ واحد يدق في داخلها:
ماذا لو انكشف كل شيء؟
بعد الجامعة …
رجعت ريوف البيت وهي تشيل تعب اليوم على كتوفها أول ما دخلت، مرّت على جدّها سلطان، قبّلت رأسه بابتسامة دافية بادلها بابتسامة أدفأ…
ثم سلّمت على أبوها وأمها، وجلست بينهم جلسة عائلية بسيطة، مليانة ألفة، سوالف وضحك خفيف.
قطع الجد سلطان الحديث وهو يعدّل جلسته:
"ترى أفكّر بكرة أجمع عيالي وأحفادي، نسوي عزومة ونلمّ الشمل."
رفعت ريوف رأسها بحماس صادق:
"فكرة حلوة يا جدي."
أبو ريوف: وهو يهز رأسه موافق
"سم يبه."
اليوم التالي…
البيت كان غير.
فوضى جميلة، أصوات ضحك، سوالف متداخلة، أغاني شغّالة ريحة القهوة والبخور وكل زاوية تحكي حياة.
في الخارج كان مشاري يسوق، وفيصل جنبه الأغاني عالية وفجأة شغّل فيصل أغنية ماجد المهندس – حب وشوق.
لفّ مشاري عليه بنظرة مستغربة:
"وش فيك اليومين هذي؟ أحسك غير لا تقول داخل بعلاقة حب؟"
فيصل تجاهل السؤال، وهو يطالع الطريق:
"يعني وش تقصد؟"
ضحك مشاري بخفة، بس نبرته كانت جادة:
"ما أقصد شي بس أمس لما كنت بالحمام جاك تنبيه اسمها مكتوب حبيبتي والرسالة تقول. فيصل أنا خايفة لا تنفضح علاقتنا"
مشار:: سكت لحظة، ثم كمل بهدوء
"ما لي شغل بعلاقات بس أبي أفهم ناوي تخطب؟ ولا تلعب؟"
ابتسم فيصل ابتسامة قصيرة، ما قال شي بس داخله حمد ربه إن مشاري ما عرف مين صاحبة الرسالة.
مشاري كان يراقبه هو يعرف فيصل من سنين يعرف صمته، ويعرف متى يخبي.
وصلوا بيت عمهم نزل فيصل من السيارة،
وصاح مشاري من داخلها:
"بوقف السيارة وبجي'
دخل فيصل طرق الباب
ريوف فتحت، لابسة عبايتها وطرحتها.
أول ما شافته، ابتسمت دون وعي،
وقلب فيصل دق أسرع كأنه خايف وفرح بنفس اللحظة.
فيصل:
" شلونك يا ريو.ف"
كان صوتهم واطي، قريب قريب أكثر من اللازم.
مشاري كان واقف بعيد. يسمع وهنا
فهم كل شيء.
قالت ريوف بنبرة خوف صادق:
"أنا خايفة لو أحد درى، تصير مشاكل."
قرّب فيصل صوته:
"لا تخافين، ما أحد داري بس ادخلي الحين، قبل يجي مشاري."
ابتسمت ريوف ابتسامة شقيّة،
لفّت ظهرها وفجأة توقفت.
كانت بشاير واقفةعيونها حادة، صامتة، تراقب.
بشاير:
وش كنتِ تسوين مع أخوي؟
تجمّدت ريوف:
"آآ… أنا…"
بشاير:
"ومين غيرك؟"
قالتها بشاير بنبرة غضب مكتوم.
تدخلت مشاعل بسرعة:
"وش فيكم واقفين؟ يلا تعالوا."
دخلوا مجلس الحريم همست ريوف لمشاعل
ريوف:
"شكراً سرفتيها عني"
مشاعل:
"لا عليك بس بعدين تشرحيلي كل شي"
مجلس الرجال الكل مجتمع ضحك وسوالف لكن عين مشاري ما فارقت فيصل.
مشاري: قال فجأة:
"أبيك بموضوع."
فيصل: وهو متوتر.
"عسى ما شر؟"
مشاري:
"ما في إلا الخير. بس موضوع مهم."
فيصل:
"طيب، قول."
مشاري:
"ما ينقال قدام الرجال."
وقفوا.
سألهم الجد سلطان:
"وين رايحين؟"
تردد فيصل، نظر لمشاري وهمس:
"وش ناوي تسوي؟"
رد مشاري بثبات:
"جدي أنا وفيصل بنطلع شوي موضوع"
الجد سلطان:
"الله معكم."
طلعوا واتجهوا لمقهى قريب جلسوا
طلبوا قهوة وحلا لكن الطاولة كانت مشحونة.
قال فيصل:
"ها وش الموضوع المهم؟"
رفع مشاري عينه، نبرته تغيرت:
"ريوف."
انتفض قلب فيصل:
"وش فيها عسى ما شر"
مشاري:
"أنت فاهم قصدي."
فيصل:
"وضح أكثر"
مشاري:
"علاقتك بريوف وش آخرتها؟"
فيصل: بستغراب
"وأنت شلون دريت؟"
مشاري:
"مب ضروري أقول."
فيصل:
"لا ضروري"
تنهد مشاري:
"تصرفاتك الرسالة وكلامك معها اليوم
كل شي واضح"
حاول فيصل يغيّر الجو:
"يلا نرجع."
مشاري:
"لا تتهرب هذي علاقة محرمة، وش ناوي؟"
تنفس فيصل بعمق، وقال بصدق:
"أنت فاهم غلط إيه، نحب بعض
بس علاقتنا لها حدود وأول ما تخلص ريوف الجامعة بتقدّم لها وتصير زوجتي وأم عيالي."
سكت مشاري لحظة:
"مين يدري عنكم"
فيصل:
"ولا أحد غيرك."
هز مشاري رأسه:
"زين"
ابتسم فيصل يخفف الجو:
"وش رايك نطلع أنا وأنت وإخوانا للشاليه"
مشاري:
"سم وأنا أخوك."
مجلس الحريم…
ريوف جالسة جنب مشاعل.
قالت ريوف:
"وش رايك نطلع من الجو هذا؟"
مشاعل:
"يلا."
دخلوا غرفة ريوف قفلت مشاعل الباب،
مشاعل: ونظرت لها مباشرة:
"يلا قولي الحقيقة وش سالفتك أنتِ وفيصل"
ريوف:
"ولا شي."
مشاعل"
"لا تكذبين أنا عارفة."
احمرّ وجه ريوف:
" إحنا…"
مشاعل:
"حبون بعض؟"
ريوف:
"إيه."
مشاعل:
"وش يضمن لك إنه صادق؟
حتى لو كان أخو أنا أعرفه أسوأ واحد. بلحب هو"
رفعت ريوف رأسها بثقة هادئة:
"أنا أعرفه، وواثقة فيه."
مشاري:
"بس خلي لعلاقتكم حد."
ابتسمت ريوف:
" ما عليك."
كانت واثقة لكن القدر كان يجهّز طريقًا آخر طريقًا ما فيه حب ولا ثقة
بس فراق.
ــــــــــــــــــــــــــــالنهايةــــــــــــــــــــــــــــــــــ