الفصل السادس
الفصل السادس
الاسم الثالث لم يكن شخصًا واحدًا، بل معنى كاملًا.
كان مجموعة وجوه، تتبدّل لكنها تحمل الجوهر ذاته: التبرير. أولئك الذين يصنعون من القسوة موقفًا، ومن الظلم ضرورة، ومن الصمت حكمة.
لم يقترب منهم بغضب، بل بفهم. تعلّم لغتهم، استخدم مفرداتهم، وتحدّث بثقة تشبه ثقتهم. لم يعارضهم صراحة، بل تركهم يتحدثون أكثر مما ينبغي. كان يعرف أن من يكثر الكلام، يفضح نفسه.
قال أحدهم بنبرة استعلاء:
«نحن نفعل ما يجب فعله.»
أجابه بهدوء:
«أنتم تفعلون ما يريحكم.»
كانت الجملة بسيطة، لكنها علقت في الهواء كشوكة. بدأ التوتر يتسرّب، وبدأت الشكوك تتكوّن بينهم. كل واحدٍ صار يخشى أن يكون الآخر قد فهم أكثر مما يجب.
لم يسقطوا دفعة واحدة.
تفكّكوا.
تباينت مواقفهم، اختلفت رواياتهم، وتحوّل الاتفاق القديم إلى عبء. ومع أول مواجهة حقيقية، لم يجدوا سندًا. سقطوا بلا ضجيج، كما تسقط الأفكار حين تنتهي صلاحيتها.
كتب في دفتره تلك الليلة:
«حين تنهار الفكرة، يتعرّى من احتمى بها.»
لكن داخله لم يحتفل.
كان يشعر بثقلٍ بارد في صدره، ثقل من يدرك أنه تجاوز مرحلة الرجوع.
جلس طويلًا في العتمة، وسأل نفسه:
«لو عاد الزمن… هل كنت سأفعل الشيء ذاته؟»
لم يُجب.
أغلق الدفتر، وترك السؤال معلّقًا.