القوة التي ولدت بعده💔🫀
.
---
بعد ذلك اليوم،
بعد أن هدأ البيت،
وبعد أن تعلّمتُ شكل الغياب،
بدأ شيء آخر يتكوّن داخلي…
شيء لم أكن أعرف اسمه آنذاك.
لم أنهض قوية فورًا.
القوة لا تأتي مباشرة بعد الفقد،
بل تتسلّل ببطء،
حين تكتشفين أن لا أحد سيحملك عنك.
في الأيام الأولى،
كنت أظن أن القوة تعني ألا أبكي.
أن أتماسك أمام أمي،
أن أجيب حين يسألونني:
“كيفك؟”
بكلمة واحدة:
“بخير”.
كنت صغيرة،
لكنني فهمت بسرعة أن حزني إذا ظهر
سيزيد حزن الآخرين.
فخبأته.
وهكذا بدأت أولى طبقات القوة:
الصمت.
مرت الأيام،
وعاد العالم يطلب مني أن أعيش.
المدرسة،
الواجبات،
الابتسامات المتوقعة.
ولم يكن هناك خيار سوى الاستمرار.
هناك،
في تلك الاستمرارية القسرية،
تعلّمت أول درس حقيقي:
أن الحياة لا تتوقف احترامًا لوجعك.
القوة التي جاءت بعد أبي
لم تكن شجاعة،
كانت اعتيادًا.
أن أستيقظ رغم الثقل،
أن أمشي رغم الفراغ،
أن أعتاد غياب اليد التي كانت تسندني.
تعلمت أن أهدئ نفسي وحدي.
حين أخاف،
أجلس مع خوفي وأسايره.
حين أضعف،
أتماسك لأن لا أحد غيري سيفعل.
كنت أرى الأطفال الآخرين
يشتكون،
يبكون،
يُدلّلون.
وأتساءل بصمت:
هل يحق لي ذلك أيضًا؟
ثم أجيب نفسي:
ليس الآن.
كبرتُ وأنا أحمل نسختين مني:
طفلة تريد أن تبكي في حضن أبي،
وفتاة تقف أمام العالم وتقول:
“أنا قادرة”.
القوة التي أصبحتُها
لم تكن قاسية،
كانت متعبة.
قوة تعرف كيف تنحني دون أن تنكسر،
وكيف تبتسم رغم الارتجاف الداخلي.
تعلمت الاعتماد على نفسي،
ليس فخرًا،
بل حذرًا.
لأن من يفقد أباه صغيرًا
يتعلم أن الأمان قد يختفي فجأة.
أبي،
غيابك لم يترك فراغًا فقط،
ترك مسؤولية.
مسؤولية أن أكبر،
أن أحمي نفسي،
وأن أكون سندًا لنفسي حين لا يكون أحد.
واليوم،
حين يقولون لي إنني قوية،
لا أشرح لهم.
لا يعرفون أن هذه القوة
لم تكن خيارًا،
بل نتيجة.
نتيجة فقدٍ مبكر،
ونجاة طويلة،
وابنة
كان يجب أن تُحمى…
فتعلّمت كيف تحمي نفسها.
---