مراهقة بنقص واحد😣
---
في المراهقة، لا يكون الغياب مجرد حزن،
يصبح سؤالًا.
كبرتُ، وبدأ العالم يطلب مني أشياء لم أكن مستعدة لها.
صرتُ أطول، أكثر وعيًا، وأكثر وحدة.
لم أعد تلك الطفلة التي تنتظر عودة أبي،
بل فتاة تعرف أنه لن يعود… وتحاول أن تتصرف وفق ذلك.
كانوا يقولون إن المراهقة صعبة على الجميع،
لكنهم لم يقولوا إنها أصعب حين تكبرين بلا أب.
أن تتعلمي كيف تثقين بنفسك دون صوت يقول لك:
“أنتِ بخير، أنا هنا.”
في تلك السنوات، كنت أراقب البنات الأخريات.
كيف يتحدثن عن آبائهن،
كيف يشتكين منهم ثم يضحكن،
كيف يغضبن ثم يجدن من يصالحهن.
أما أنا، فكنت أحتفظ بكل شيء في داخلي.
لم يكن لديّ رفاهية الغضب.
كنتُ أحتاجه في تفاصيل صغيرة:
حين أتأخر،
حين أخاف،
حين أشكّ في نفسي،
حين يخذلني أحد وأتظاهر بالقوة.
كنت أحتاج من يضع حدودًا للعالم نيابةً عني.
لكن العالم لم ينتظر.
دخل حياتي بلا استئذان،
وأجبرني أن أكون حذرة أكثر مما ينبغي لعمري.
في داخلي، كان هناك فراغ واضح.
ليس جرحًا مفتوحًا،
بل مساحة باردة،
كأن شيئًا كان يجب أن يكون هنا… ولم يكن.
تعلمتُ أن أعتمد على نفسي.
لا لأنني أردت ذلك،
بل لأن لا أحد آخر كان متاحًا.
صرتُ أختار كلماتي بعناية،
وأخفي ضعفي بابتسامة مدروسة،
وأقنع الجميع أنني قوية.
لكن الحقيقة؟
كنت خائفة.
خائفة من الفقد،
من التعلّق،
من أن أحبّ كثيرًا ثم أخسر فجأة.
أبي،
في المراهقة، احتجتك أكثر من طفولتي.
الطفل يحزن،
لكن المراهق يفهم.
يفهم أن الغياب دائم،
وأن بعض الأسئلة لن تُجاب.
كنت أتخيلك في رأسي.
أسألك قبل أن أقرر،
وأتخيل إجابتك،
ثم أتصرف على هذا الأساس.
ربما لهذا لم أضع تمامًا،
لأنك، بطريقة ما، بقيت دليلًا داخليًا.
في الليالي الصعبة،
كنت أنظر إلى السقف وأفكر:
كيف كانت ستكون حياتي لو بقيت؟
هل كنت سأكون أخف؟
أقل خوفًا؟
أكثر جرأة؟
ثم أعود وأتوقف.
لأن هذه الأسئلة لا تغيّر شيئًا،
سوى أنها تعلّمك كيف تتعايش مع النقص.
في المراهقة،
لم أعد أبكيك كثيرًا.
ليس لأن الشوق قلّ،
بل لأنه استقرّ في مكان أعمق.
صار جزءًا من تكويني،
من نظرتي للعالم،
من طريقتي في النجاة.
كنتُ ابنة بلا أب،
لكنني لم أكن بلا أثر.
كنت أحملك في داخلي،
وأحاول أن أكون الشخص الذي كنتَ ستطمئن إليه.
وهكذا عبرتُ تلك المرحلة:
بقلبٍ ناقص،
وعقلٍ أكبر من عمره،
وبذكرى أبٍ
لم يغادرني…
حتى وهو غائب.
---