الفصل الرابع والعشرين
الليل كان دخل فعلاً، والساعة عدت وقت الخروج بكتير. المكاتب بدأت تفضى، وصوت الكعوب وهي ماشية في الطرقة بدأ يختفي تدريجياً لحد ما ساد الهدوء في الدور كله. فاي كانت خلاص جهزت شنطتها وعدلتها على كتفها، ولبست المعطف الجلد البني بتاعها وهي مستعدة تمشي.. بس عينيها راحت تلقائي لغرفة المكتب الكبيرة.
الباب كان مقفول من الصبح، ومن ساعة ما "كاسبار" اكتشف المشكلة اللي في الحسابات وهو ما خرجش، ولا حتى عشان يشرب مية. فاي لاحظت إن الموظفة اللي "بترسم عليه" عدت كذا مرة النهاردة، بتتمخطر قدام المكتب على أمل إنه يفتح الباب أو يطلب حاجة، بس هو كان في عالم تاني خالص ولا عبرها .
فاي قالت في سرها
"مش هخسر حاجة لو سألت بدافع المهنية، عشان ضميري بس."
راحت دقت الباب ودخلت. المنظر جوه كان فوضى عارمة؛ أوراق في كل حتة، أكواب قهوة فاضية، وكاسبار منكب على الملفات بتركيز هي أول مرة تشوفه فيه بالعمق ده.
سألته بصوت هادي "كاسبار بيه.. أنا خلصت شغلي، حضرتك تأمر بحاجة تانية قبل ما أمشي؟"
هو من غير ما يرفع راسه، رد بصوت مرهق
"لا يا فاي.. اتفضلي إنتي، وشكراً جداً على تعبك النهاردة "
فاي لفت عشان تمشي، بس في حاجة جواها وقفتها. لفت تاني في آخر لحظة وسألت
"لو حضرتك محتاج مساعدة في ترتيب الأوراق دي أو محتاج رأي تاني.. أنا موجودة."
هنا كاسبار رفع راسه فجأة وبص لها باهتمام، فاي للحظة ندمت وبخت نفسها
"أنا إيه اللي دخلني بس، مانا كنت ماشية!" بس المفاجأة إن كاسبار ابتسم وقال
" فكرة مش وحشة أبداً، تعالي."
فاي رجعت لوضعها الرسمي "المسطرة"، قلعت المعطف الجلد وحطته هو والشنطة على طرف الكرسي، وقربت من المكتب بدأت تبص على جبل الورق.
كاسبار بدأ يتكلم بلهجة عملية سريعة
"بصي يا فاي.. اللي وصلت له لغاية دلوقتي يجنن. المشكلة في 'توزيع الميزانيات'. إحنا بنصرف مبالغ ضخمة على خدمات في فنادق أصلاً نسبة الإشغال فيها ضعيفة، وبنهمل فنادق تانية هي اللي شايلة الشغل كله. التقارير المركزية مطلعانا كسبانين لأنها بتجمع كله على بعضه، فالفندق الرابح بيغطي على الخسران، وده بيخلينا ناخد قرارات استثمارية غلط تماماً.. إحنا بنحرق فلوس في الهوا بس لسه مش عارف أوصل لصيغة تخلينا نعيد التوازن ده من غير ما يحصل هزة في الرواتب أو الخدمات الأساسية."
فاي ركزت في الأرقام شوية وبعدين قالت
"طيب يا فندم، ليه مانعملش 'نظام تكلفة مرن'؟ يعني الفندق اللي نسبة إشغاله تقل عن ٤٠٪، ميزانية الصيانة والدعاية بتاعته تتحول أوتوماتيك لخدمة العملاء في الفندق اللي فوق الـ ٨٠٪؟ ونعمل دمج للعمالة الفنية بين الفنادق القريبة من بعض بدل ما كل فندق يبقى عنده جيش لوحده؟"
كاسبار فكر شوية وقال لها
"فكرة الدمج دي عبقرية وهتوفر كتير، بس 'نظام التكلفة المرن' فيه مخاطرة، لو هملنا صيانة فندق خسران، ممكن يقع تماماً وميرجعش يشتغل تاني.. دي محتاجة دراسة أدق."
وفضلوا على الحال ده، الساعة بتمر وهما غرقانين في الجداول والرسوم البيانية. الشركة بقت فاضية تماماً، والأنوار انطفت ماعدا ضوء مكتب كاسبار، وضوء القمر اللي كان راسم خيوط فضية على الأرض من خلال القزاز العريض للمكتب، والجو بقى فيه مزيج غريب من التوتر العملي والهدوء اللي بيجمع اتنين قرروا يشيلوا شيلة كبيرة سوا.
_____
فاي كانت مندمجة جداً، القلم في إيدها مابيبطلش تدوين، وعمالة ترسم دوائر وتوصل خيوط بين الأرقام بكل جدية وكأنها في معركة. كاسبار في اللحظة دي شال النظارة من على عينه، وحس بتقل مش طبيعي في جفونه من كتر ما شاف أرقام وجداول النهاردة؛ رغم إن ده صلب شغلته كمسؤول العلاقات المالية، بس النهاردة كان "اليوم العالمي للأرقام" بلا منازع. سحب نَفَس طويل وأسند راسه لورا على الكرسي الفخم وغمض عينيه.
فاي خلصت تدوين فكرة معينة، ورفعت راسها عشان توريهاله: "كاسبار بيـ..." لكن الكلمة وقفت في زورها.
اتسمرت مكانها وهي بتبص له؛ كان ملامحه مسترخية تماماً، هدوءه في اللحظة دي كان غريب ومختلف عن "الماسك" اللي بيلبسه طول النهار.
فضلت باصة له لثواني طويلة من غير ما تحس، لكن فجأة، ومن غير ما يفتح عينيه ولا يحرك شعرة، طلع صوته الهادي وهو بيقول بتسلية بريئة
"هو أنا وسيم للدرجة دي ؟"
فاي اتخضت ووشها احمر، بس فوراً استرجعت برودها العملي، وقررت تقطع عليه سكة المغازلة اللي متعود يوزعها على الكل وما بيعنيش منها حاجة، وردت بجمود
"مش ده الموضوع خالص يا فندم.. الموضوع إني تقريباً لقيت الحل اللي بندور عليه."
كاسبار فتح عينيه واعتدل في قعدته فجأة، وبص لها باهتمام حقيقي
"سمعيني.. وريني الذكاء الرمادي ده هيوصلنا لإيه."
فاي بدأت تشرح وهي بتشاور بالقلم على الورق
"بص يا فندم، إحنا مشكلتنا إننا بنتعامل مع الفنادق ككتل خرسانية ثابتة، والحل في 'اللامركزية المالية المؤقتة'. إحنا هنعمل صندوق طوارئ مشترك بيتم تمويله من نسبة 5% من أرباح الفنادق اللي محققة طفرة، والصندوق ده مش هيكون ملك للشركة الأم، ده هيكون 'قرض دوار' بين الفنادق وبعضها. يعني الفندق اللي بيعاني من عجز بسبب تكاليف الصيانة ياخد من الصندوق ده بفاائد صفرية ويسدد لما يوصل لموسم الذروة بتاعه. وبكدة إحنا ما بنحملش ميزانية الشركة الأم مبالغ إضافية، وفي نفس الوقت بنخلي الفنادق 'تشيل بعضها' قانونياً ومالياً.. وكمان نقدر نطبق نظام 'الحوافز التبادلية'، يعني الموظف اللي في فندق هادي في الشتا، يتنقل انتداب لفندق شغال نار في الشتا، وبكدة نوفر بند 'العمالة المؤقتة' اللي بياكل تلت الأرباح!"
كاسبار فضل باصص لها، عينه كانت بتتحرك مع كل كلمة بتقولها، وبعد ما خلصت، سكت لثانية وقال بنبرة فيها إعجاب حقيقي
"إنتي فعلاً ذكية يا فاي.. واضح إن وصفي ليكي بالمسطرة وقلم الرصاص مكنش غلط أبداً، إنتي فعلاً كدة."
فاي عقدت حواجبها بعدم فهم، وبصت له باستغراب "مسطرة وقلم رصاص؟ هو حضرتك بتوصفني بالأدوات المكتبية؟ أنا مش فاهمة إيه العلاقة."
كاسبار حس إنه "عك الدنيا" وإنه ممكن يكون جرح مشاعرها الرقيقة كأنثى، فقام من مكانه بسرعة وقال بلهجة فيها اعتذار حقيقي
"أنا آسف يا فاي.. مكنتش أقصد أقلل منك، أنا بس قصدي إنك دقيقة جداً ومنظمة لدرجة تخـ..."
لكن فاي صدمته تماماً؛ ملامحها الجادة اختفت وحل مكانها ابتسامة، وبعدين انفجرت في الضحك.. ضحكة صافية وخفيفة وهي بتكرر
"قلم رصاص؟ والله الوصف ده عبقري! قلم رصاص يعني ممكن يكتب أحلام كبيرة وممكن يمسح غلطات أكبر.. وكمان دايماً جاهز للشغل. ده أحلى وصف سمعته عن نفسي فعلاً!"
كاسبار فضل واقف مكانه، مبهور بضحكتها اللي بتظهر لأول مرة، ومبهور أكتر بإنها شافت "المدح" في كلمة هو كان فاكرها "ذم".. وبدت فاي في اللحظة دي، تحت ضوء القمر، أجمل بكتير من كل الموظفات اللي حاولوا يلفتوا نظره النهاردة.
_____
الليل كان ساد في القصر، والهدوء اللي بره مكنش بيوحي أبداً بالعاصفة اللي بتطبخ جوه. كاريلا كانت طالعة من أوضتها بخطوات حذرة، رجلها لسه بتوجعها بس الملل والفضول كانوا أقوى من الوجع. وهي بتبص من فوق الدرج، لمحتهم داخلين؛ فؤاد في المقدمة ووشه مفسر غضب مكتوم، ووراه ماركوس ببروده اللي بيفزع، وديمتري في الآخر كأنه خيالهم الأسود.
فؤاد سابهم وطلع لمكان تاني، بينما ماركوس شاور لديمتري وراحوا ناحية مكتب ماركوس. ماركوس في اللحظة دي كانت الأفكار في دماغه بتغلي.. هو شايف إن والده بدأ يبقى عائق قدام طموحه. كل خطوة ماركوس خطط لها من سنين كانت محسوبة؛ من أول ما أمر ديمتري يخلص على "ريتو"، مكنش بس عشان يفضّي الساحة، كان عشان يجر رجل "كيرت" ويخليه تحت طوعه.
ماركوس مكنش واثق في ديمتري بس، لا.. ده اختاره "عمداً" للمهمة دي، لأنه عارف إن ديمتري هو الوحيد اللي هيقدر يقف قدام انتقام "إيميل" لو حصل، وفعلاً اللعبة كملت رغم "غلطة" دخول كاريلا في النص. دلوقت "إيميل" لازم يفضل رهينة، عشان "كيرت" يفضل خاتم في صباع ماركوس، وأسرار المافيا كلها تبقى في جيب الغريري الصغير.. بس العقدة دلوقت في "فؤاد".
دخلوا المكتب، وماركوس من استعجاله وقلقه ساب الباب موارب، مكنش مقفول للاخر. كاريلا كانت بتمشي قريب في نفس الاتجاه.
ديمتري وقف في نص المكتب، صوته الرخيم طلع بوضوح "البوص (فؤاد) أمر بإنهاء إيميل فوراً يا ماركوس.. أخلص عليه دلوقت وأقفل الملف ده؟" ديمتري كان بيسأل ببرود، بس كان مستغرب تأجيل ماركوس.
ماركوس قعد ورا مكتبه، وشبك صوابعه قدام وشه وقال بنبرة واثقة تخوف
"لسه يا ديمتري.. إيميل لو مات دلوقت، كيرت هيفلت من إيدي، والمافيا هتدور على راس جديدة ننتقم منها. إيميل حي بيساوي كنوز معلومات، وموت ايميل مش في مصلحتنا أبداً دلوقت."
ديمتري رفع حاجبه
"والبوص؟ هتقوله إيه لما يسأل إيميل مات ولا لسه؟"
ماركوس ابتسم ابتسامة باهتة وعينيه بتلمع بشر
"سيب البوص عليا.. أنا هعرف إزاي أطلعه من الحكاية دي وأقنعه إننا نفذنا أمره بطريقتي. المهم دلوقت سيبه حي عندك ..."
ديمتري ماكانش باين عليه الاقتناع ، لكنه اومأ براسه وطلع .
كان شايفها واقفة قريبة من الغرفة وللحظة شك انها كانت بتتنصت عليهم ، وبدون مالف وشه ورا يشوف ماركوس
اتقدم بخطوات سريعة وسحبها من ذراعها لدرجة انها اطلقت آهة ، سحبها بعيد وهي بتحاول تثبت خصوصا انه رجلها كانت تستعمل العكازة
ديمتري فضل ساحبها لغاية ما دخلوا ركن ضلمة بعيد عن الممرات الرئيسية، وزقها براحة بس بصرامة ناحية الحيطة. كاريلا كانت بتنهج، وشها أحمر من الغيظ والوجع، وعدلت العكازة بتاعتها وهي بتبص له
وسألها مباشرة بصوت واطي ومرعب
"سمعتي إيه ؟ انطقي!"
كاريلا، رغم دقات قلبها اللي كانت مسموعة، رسمت علامات الاستغراب على وشها وقالت
"سمعت إيه؟ هو فيه حاجة اتقالت جوه المفروض مسمعهاش؟"
ديمتري ضيق عينيه ومال عليها أكتر
"بدأنا نتذاكى؟ "
وفكر بينه وبين نفسه
"الأرنب الصغير اللي كان بيعيط في غرفة العذاب بتاعي بدأ يطلع له ضوافر؟ هي كدة طول عمرها ولا دي تمثيلية جديدة؟"
هنا كاريلا قررت تلعب بأعصابه، قربت منه لدرجة إنها بقت بتهمس في ودنه وأنفاسها الحارة لمست رقبته وقالت
"فيه سر بسيط لازم تعرفه.. لو فاكر إني هنسى اللي حصل في شقة أمي، أو إني هبطل تدوير وراك وورا اللي مشغلك، تبقى غلطان. أنا هعرف مين اللي حماه قلبك وطلب منك تخوف أمي أو تقتلها.. هعرفه وهجيبه يا ديمتري."
سحبت نفسها وبصت له بابتسامة بريئة مستفزة. ديمتري ملامحه اتصلبت، وفي حركة سريعة ومفاجئة، رفع إيده وضرب الحيطة اللي وراها بقوة عملت صوت "هبدة" مكتومة، وحاصرها بين دراعه وجسمه.
مال براسه وهمس بفحيح مرعب
"إنتي فاكرة إنك بتلعبي مع عيل صغير؟ فاكرة إن الكلمتين دول هيخوفوني؟ إنتي بتدوري ورا الموت يا ارنب والموت في البيت ده ملوش وش واحد.. ليه مفكرتيش إن الحقيقة ممكن تكون أوحش بكتير من اللي عقلك الصغير ده متخيله؟"
وبعدين رسم على وشه ابتسامته السيكوباتية المشهورة وقال
"طب إيه رأيك بقى.. لو قولتلك إن أنا اللي خططت لكل ده من دماغي؟ لا حد أمرني ولا حد وزني.. أنا اللي كنت عاوز أشوف الرعب في عينيكي وفي عين أمك.. هتعملي إيه وقتها؟"
كاريلا فضلت باصة له بثبات للحظات، ومن غير ما تتهز قالت الكلمة اللي طفت الابتسامة من على وشه وخلت إيده المفرودة على الحيطة ترتخي ببطء
"لأ.. مش إنت. ممكن تكون نفذت، ممكن تكون دخلت الشقة وإنت عارف هي مين أو متعرفش.. بس الأكيد إنك مش إنت اللي خططت لده."
ديمتري استغرب ردها، وسألها بنبرة غريبة
"وليه واثقة أوي كدة؟"
تابع بشوية سخرية
" ولاعشان ساعدتك شوية فكرتي اني ...اسمعي انا ..."
قاطعته ببرود
"مجرد إحساس.. وهتأكد منه قريب جداً."
وفجأة، صوت خطوات رجلين بدأت تقرب من الطرقة. كاريلا ارتبكت وعينيها زاغت، المنظر كان يبان "مريب" جداً؛ ديمتري محاصرها في ركن ضلمة وهي رجلها متصابة.
ديمتري في ثانية، ومن غير ما يفكر، سحبها لجوه "دخلة" باب جانبية مضلمة، وحط إيده على بوقها بقوة عشان ماتطلعش نفس، وضغط بجسمه عليها عشان يداريها تماماً في ضله.
الخطوات قربت وظهرت "خادمة" ماشية ومعاها صينية، كانت بتدندن بصوت واطي وماخدتش بالها من أي حاجة وعدت من جنبهما بسلام.
ديمتري فضل مثبت كاريلا لثواني بعد ما الخادمة مشيت، كانت أنفاسهم مختلطة والتوتر واصل لآخره، قبل ما يسيبها فجأة ويبعد خطوة وهو بيعدل قميصه ببرود كأن مفيش حاجة حصلت.
وقف بعيد عنها خطوتين، وكأنه كان بيعيد رسم الحدود اللي "كاريلا" حاولت تخترقها بكلامها عن إحساسها. بص لها نظرة طويلة، نظرة كانت باردة زي التلج بس فيها شرارة غامضة، وكأنه بيحاول يقرأ اللي ورا ملامحها اللي بدأت تسترد هدوءها بعد الموقف المريب ده.
كاريلا كانت واقفة مكانها، سانده على العكازة وبتحاول تنظم نفسها. دقات قلبها كانت لسه سريعة، مش بس من خوفها إن الخادمة تشوفهم وتألف حكاية توديهم في داهية، لكن من التقارب اللي حصل بينهم في الضلمة.. التقارب اللي خلاها تحس بإن السفاح ده "بشر" وعنده أنفاس زيه زيها.
قطع عليها بصوته الرخيم اللي ملوش أي تعبير
"شوفي ... حوار 'الإحساس' والظنون ده خليه ليكي، مش أنا اللي حد يحلل شخصيتي."
سكت لحظة وهو بيقرب منها خطوة أخيرة، وعينه جات في عينها مباشرة وكمل
"سواء صدقتي إني أنا اللي اخترت الشقة بمزاجي ، أو صدقتي إن فيه 'شيطان' تاني هو اللي حركني.. ده شيء يرجعلك، إنتي حرة في أوهامك. بس نصيحة أخيرة.."
مال على ودنها وهمس بصوت يركب الرعب
"المرة الجاية.. مش هخبي بوقك من حد، هسيبك تغرقي في اللي بتعمليه لوحدك."
وبدون أي مقدمات، لف ضهره ليها ومشي بخطوات واثقة وسريعة، واختفى في وسط الضلمة وكأنه مكنش موجود من الأساس، وساب كاريلا واقفة مكانها، ريحة عطره لسه محاوطاها، وعقلها عمال يلف في دايرة واحدة: "هو ليه مصر يبان شرير قدامي؟ عشان اشك فيه ؟"
____
ديمتري كان ماشي بخطوات سريعة وواسعة وهو خارج من القصر، مكنش طايق يقعد ثانية واحدة زيادة.. الجو جواه كان بيغلي لدرجة إن الحيطان نفسها كانت هتنطق من كتر التوتر. ركب عربيته ودور المحرك بعنف، وانطلق بسرعة جنونية، كأنه بيسابق الشياطين اللي في راسه، لغاية ما وصل قدام البحر.
المكان كان مهجور، والليل سادد كل حاجة، والجو برد لدرجة تخلي العضم يرتعش.. لكن ديمتري مكنش حاسس بحاجة غير النار اللي في صدره.
وقف قدام الموج الهايج، وبعصبية مفرطة سحب مسدسه من جنبه.. وبدأ يفرغ رصاصه كله في قلب البحر.
"طاخ.. طاخ.. طاخ!"
صوت الرصاص كان بيشق هدوء الليل المرعب، وكل رصاصة بتطلع كانت كأنها صرخة مكتومة منه. كان بيضرب النار على المية السوداء وهو بيفتكر نظرات كاريلا، وكلام ماركوس، واللعبة القذرة اللي هو محبوس في نصها.
فضل يضغط على الزناد بجنون، والرصاص بيخترق سطح المية ويختفي في الأعماق، لغاية ما المسدس فضي تماماً ومفضلش غير صوت "تكة" الإبرة وهي بتتحرك على الفاضي. وقف مكانه بينهج، ودخان الرصاص طالع من المسدس وبيختلط ببرد الليل، وعينيه كانت بتلمع بغضب مش طبيعي وهو باصص للأفق.. وكأن البحر هو الوحيد اللي يقدر يبلع غضبه ده من غير ما يسأل عن السبب.