البارت6
شعرت مريم بكلمة "شقيقتي" تتردد في رأسها كطلقة نارية. لم يعد الأمر مجرد رواية؛ بل كان فخًا مميتًا لإعادة إحياء ماضي لم يكن يُفترض به أن يُمسّ. لم يكن هناك وقت للتفكير المنطقي؛ الآن هو وقت النجاة.
قفزت مريم من مقعدها، تاركة الحاسوب مفتوحاً على الصفحة المكتوبة بخط يد الكيان الباردة. اندفعت نحو باب غرفة النوم، عازمة على الخروج من الكوخ والهرب بسيارتها مهما كان الوحل عميقاً.
لكن الكيان لم يكن ليسمح لـ "قلمه البشري" بالهرب بهذه السهولة.
عندما وضعت مريم يدها على مقبض الباب، شعرت بصدمة كهربائية باردة سرت في ذراعها. سحبت يدها بسرعة، ثم نظرت إلى المقبض المصنوع من النحاس القديم. كان المقبض يتلألأ بـ طبقة خفيفة من الجليد، وكأن الكيان قد جمّده ليصعب فتحه.
بدأت النقرات من الخزانة، ولكن هذه المرة لم تكن نقرات موافقة؛ بل كانت نقرات سريعة ومرتجفة كضحكة هستيرية.
حاولت مريم أن تدور المقبض بقوة، مُتجاهلة البرودة القارسة. فتح الباب أخيراً، لكن ما رأته جعلها تتجمد في مكانها:
ممر المنزل الذي يؤدي إلى المطبخ بدا وكأنه التوى بزاوية حادة ومستحيلة نحو الداخل. الثلاجة الخشبية والموقد القديم لم يكونا في مكانيهما المعتاد، بل كانا مائلين بشكل مخيف.
باب المدخل الرئيسي، الذي كانت قد دفعته بصعوبة عند وصولها، لم يعد واحداً. أصبحت هناك ثلاثة أبواب متطابقة تقف جنباً إلى جنب. كل باب منها مغلق بنفس المزلاج الصدئ، وكأن الكيان قد ضاعفها ليجعل الهروب مستحيلاً.
شعرت مريم أن الأرضية الخشبية تميد تحت قدميها. لم يكن الكوخ ينهار، بل كان الكوخ يتغيّر استجابة لإرادة الكيان. كان إلياس يستخدم الكوخ كـ أداة رعب ثلاثية الأبعاد.
اندفعت مريم نحو الأبواب الثلاثة. فتحت الباب الأول بحدة، لتكتشف أنه لا يقود إلى الخارج، بل إلى غرفة المعيشة الفارغة التي كانت خلفها تمامًا!
أغلقت الباب خلفها بحدة وركضت نحو الباب الثاني. فتحته بـ يأس متزايد، ليقودها هذه المرة إلى رواق ضيق ومظلم، رائحته كريهة ومغطى بالتراب. وعندما نظرت إلى نهاية الرواق، رأت خزانة ملابس عتيقة تقف وحيدة في نهاية الممر.
عاد الخوف ليشلّ تفكير مريم العقلاني. كان الكيان يُجبرها على العودة إلى مصدر الرعب مرارًا وتكرارًا.
في تلك اللحظة، سمعت مريم صوتًا لم يكن همسة؛ بل كان صوتًا حقيقيًا قادماً من الغابة. صرخة حادة ومؤلمة، تلاها صوت طرقات سريعة على النافذة الزجاجية.
هل هي مساعدة؟ أم أنها مجرد خدعة جديدة من إلياس لجرّها إلى مكان أسوأ؟
يا له من مأزق! الكوخ تحوّل إلى متاهة مُجمدة!
ــــــــــــــــــــــــــــــ