البارت 5
بعد مقابلة أبي صالح، عادت مريم إلى الكوخ وهي لا تحمل خوفاً، بل يقينًا مرعبًا. كانت تعرف الآن أن عليها أن تكتب لكي تكتشف لا لكي تُلهم. هذا الكيان، هذا "الرفيق الصامت" الذي يسكن الخزانة، يريد أن يُنشر ماضيه ليتحرر.
في تلك الليلة، لم تعد مريم تنتظر النقرات. بل جلست أمام الحاسوب وكتبت أول جملة بنية استفزاز الكيان: "لن أكتب أي شيء حتى أعرف من أنت."
لم يصدر صوت من الخزانة. بدلًا من ذلك، اشتد البرود الجليدي في الغرفة لدرجة أن بخار أنفاسها أصبح مرئياً. فجأة، بدأت أصابعها تتحرك دون إرادتها، مطبوعةً على الشاشة عنوانًا غامضاً: "قصة الخزانة وذاكرة عام 1970".
أدركت مريم أن الكيان قد قرر الإملاء عليها ماضيه ليزيد من سرعتها في الكتابة.
تدفقت الكلمات المكتوبة بأصابع مريم المتجمدة، لتكشف عن قصة الكاتب الذي سكن الكوخ قبل عقود:
الكاتب الأصلي (إلياس): كان إلياس كاتباً عبقرياً مهووساً بكتابة رواية رعب واحدة ضخمة تخلد اسمه. كان يملك مكتبة ضخمة من المخطوطات القديمة (وهي التي دفعت أبو صالح للقول إن الخزانة هي "مكتبته").
الاتفاق المظلم: اكتشف إلياس أن الكوخ مسكون بكيان قديم يقتات على الإبداع المسموم. عقد معه صفقة: يمنحه الكيان الأفكار التي تحوّل روايته إلى عمل خالد، وفي المقابل، يمنح إلياس روحه للكيان ليصبح سجينه الأبدي داخل الخزانة.
الرواية القاتلة: استغل الكيان إلياس، لكن إلياس أدرك خطورة ما يكتبه. قبل أن ينهي الرواية، حاول تدميرها عن طريق حرق المخطوطات في الغابة، لكن الكيان سحبه واحتجزه داخل الخزانة، تاركاً إياه فاقدًا القدرة على الكلام (كما حذّر أبو صالح).
الآن، أصبح الكيان هو روح إلياس، المسجونة والغاضبة، التي تحاول إجبار الكاتب التالي (مريم) على إنهاء الرواية القاتلة لكي يتحرر هو من عذابه، ويتمكن من الانتقام.
لكن الصدمة الحقيقية جاءت عندما بدأت أصابع مريم تطبع اسم شخصية ثانوية في رواية إلياس القديمة: "الشخصية التي ستهرب من النهاية المظلمة"، وكان الاسم مطابقاً لـ شقيقة مريم المختفية!
ارتجفت مريم. إذاً، الكيان لم يستغل فقط فشلها؛ بل كان على معرفة سابقة بأختها، وربما كان هو السبب في اختفائها قبل أربع سنوات، عندما كانت تحاول أختها العثور على تفسير منطقي في هذا الكوخ القاتل.
نظرت مريم إلى الخزانة، وشعرت أن البرد الجليدي يمتد إلى قلبها. لم تكن تكتب رواية، بل كانت تكتب نهاية شقيقتها، ونهايتها هي الأخرى