البارت 3
بعد أن أدركت مريم أن الكيان يستخدمها كقلم بشري، لم يعد الأمر يتعلق بالكتابة، بل بـ التحقيق. بالنسبة للكاتبة البوليسية السابقة، فإن الحل الوحيد لوقف هذا الجنون هو العثور على الدليل المادي.
في منتصف النهار، حين كان الظلام الخفيف يخيم على الكوخ، قررت مريم أن تنهي الأمر. أمسكت بـ مفك براغي صدئ وجدته في صندوق أدوات مهمل، وتوجّهت مباشرة إلى الخزانة. كانت أصابعها ترتجف من البرد الداخلي، لكن إصرارها على إثبات الحقيقة كان أقوى من الخوف.
"إنه مجرد خشب ومسامير صدئة، يمكن فتحه!" همست لنفسها، في محاولة لإقناع عقلها العقلاني.
بدأت مريم في محاولة فك المسامير. كان العمل صعبًا، والمسامير كانت متآكلة ومثبتة بعمق. في كل مرة كانت تضغط فيها على المفك، كان الكوخ كله يهتز وكأن الأرض تميد من تحتها.
وفجأة، توقف الاهتزاز. ساد صمت ثقيل ومُطلق، لم يكن صمت الغابة، بل صمت مُتَعَمَّد ومُركَّز.
وفي اللحظة التي نجحت فيها مريم بفك المسمار الأول وسحبته من الخشب، انبعثت برودة مفاجئة وعنيفة من داخل الخزانة، كأنها موجة من الهواء الجليدي تضرب وجهها بقوة. تجمّدت يد مريم على الفور. لم تكن مجرد برودة في الجلد؛ شعرتْ بأنها تجمّد عظامها.
نظرت مريم إلى المسمار الصدئ في يدها. كان أبيض بالكامل، مُغطى بطبقة من الجليد الرقيق، بينما كان كل شيء آخر في الغرفة مغطى بالغبار. هذا مستحيل منطقيًا! غرفة دافئة ونار المدفأة لا تزال مشتعلة!
وبينما كانت مريم تفتح فمها في ذهول، انبعث من الخزانة صوت نقرات سريعة ومجنونة، ثم تحوّل إلى صوت احتضان حاد ومطوّل، وكأنه تحذير يمزق الصمت.
لكن مريم لم تتراجع. غضبت من قوة هذا الكيان الذي يتحدى منطقها. دفعت المسمار المجمد بعيدًا وحاولت فك الثاني.
في هذه المرة، لم يكن الأمر يتعلق بالصوت. شعرت مريم بشيء يمر ببطء على طول عنقها، كأن هواءً باردًا جدًا يتنفس خلفها. لم تجرؤ على الالتفات، لكن شعورها بالتهديد كان حادًا وواقعيًا. عندما أغمضت عينيها لثانية، رأت وميضًا حادًا في ذاكرتها: وشم شقيقتها المختفية، الذي كانت تكتب عنه بإيحاء من الكيان.
فتحت مريم عينيها برعب، وأسقطت المفك من يدها. كانت أصابعها ترتجف بشدة لدرجة لم تعد تستطيع الإمساك به. نظرت إلى الباب الخشبي للخزانة الموصّد بالمسامير المتبقية. كان خشب الباب الآن مُغطى بطبقة خفيفة من الندى الجليدي في منتصف الغرفة الدافئة.
"هذا ليس طبيعياً..." تمتمت مريم، وقد تحطّم آخر جزء من إيمانها بالعقلانية.
الكيان لم يرد بالنقرات. هذه المرة، رد بـ صوت واضح وقريب جدًا، همسة خشنة خرجت من داخل الخزانة، كانت تقشعر لها الأبدان:
"أكملي... الرواية..."
لقد فشلت محاولة مريم العقلانية، واضطرت للاعتراف بالرعب. الآن، لم يعد لديها خيار سوى الطاعة أو الجنون.
ــــــــــــــــــــــــــــــ