بوابه العزله 120درجة - البارت 1 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: بوابه العزله 120درجة
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: البارت 1

البارت 1

كانت مريم تؤمن بأن أسوأ أنواع الصمت هو الصمت الذي يسبق الانهيار، ولأربع سنوات ظلت محاصرة في صمتها الأدبي. لكن الصمت الذي وجدته في كوخ الغابة، كان من نوع آخر؛ ثقيل وبارد، يضغط على الأذنين ويترك نكهة مريرة في الحلق. لم تكن تبحث عن الإلهام، بل كانت تهرب من عبارة وحيدة ظلّت تطاردها: "لا يوجد دليل منطقي". تلك العبارة التي أغلقت بها الشرطة ملف اختفاء شقيقتها الصغرى قبل أربع سنوات، والتي دمّرت إيمانها المطلق بقوة الأدلة والمنطق، هي نفسها التي جفّفت نبع كتاباتها البوليسية. الكوخ، المعزول بالكامل في منطقة لم تكن تعرف حتى اسمها على الخريطة، كان الملاذ الوحيد الخالي من الأدلة. كانت الساعة تشير إلى الثالثة عصرًا حين وصلت. الكوخ خشبي، وقديم، يميل للأمام قليلاً كأنه يتنفس بصعوبة. كان الإيجار رخيصًا بشكل يثير القلق، لكن مريم لم تسأل. كل ما كانت تريده هو العزلة. دفعت باب المدخل الذي أصدر صريرًا حادًا أشبه بالصراخ، لتستقبلها رائحة الخشب المتعفّن وورق الجدران المُمزق. في غرفة النوم، حيث ستقضي مريم معظم وقتها، كانت هناك قطعة أثاث واحدة لافتة: خزانة ملابس عتيقة وضخمة، مصنوعة من خشب داكن لم تر مثله قط. كانت مغلقة بمسامير صدئة مُثبتة بإحكام في الإطار الخشبي، كأنما سُجِن شيء ما خلفها. مريم، التي لم تكن تعطي وزنًا للأساطير، هزّت كتفيها. ربما كانت مجرد طريقة غريبة لحفظ الأثاث القديم. وضعت حقيبتها، ثم اقتربت من الخزانة لتفحصها بمنطقها المعتاد. مرّرت يدها على الخشب البارد، متوقعة الشعور بنتوء المسامير، لكنها بدلاً من ذلك شعرت بـ اهتزاز خفيف جدًا في الأرضية تحت قدمها، إيقاع منتظم يشبه قرع طبل بعيد، أو نقرة أصبع على طاولة. توقفت، ونظرت حولها بحدة من خلف نظارتها الطبية، باحثة عن مصدر الاهتزاز: هل هي الرياح؟ أم خلل في أساسات المبنى؟ لم تجد شيئاً. أضاءت مريم حاسوبها المحمول وفتحت ملفًا فارغًا. جلست أمام الشاشة البيضاء في صمت الكوخ المطبق، منتظرة كلمة تأتي بعد طول غياب. انتظرت طويلاً، لكن الصمت كان أقوى. وفجأة، بدأ الاهتزاز مجددًا من جهة الخزانة، أقرب وأوضح هذه المرة. وكرد فعل غريب، انطلقت أصابع مريم على لوحة المفاتيح. جملة غامضة، ثم ثانية، وثالثة. لم تكن هذه كتابة بوليسية، بل رواية رعب وخوارق شديدة الظلمة. "الظلال كانت تتشكل خلف الزجاج المُغبرّ، لا يُرى مصدرها، ولكنها كانت هناك. تنتظر." كانت الكلمات تتدفق، ليست كلماتها، بل جمل وعبارات عميقة ومرعبة لم تعرف كيف خطرت على ذهنها. كلما كتبتْ مريم كلمة جديدة، كلما تضاعف الاهتزاز الخفيّ من الخزانة، كأنها إشارة موافقة أو تشجيع قادم من مصدر غريب. نظرت مريم إلى الشاشة في ذهول، ثم إلى الخزانة. لم تعد تفكر في المنطق أو الأدلة. لقد وجدت هدفها مجددًا. لكن السؤال الذي زرع بذرة الخوف في عقلها هو: هل كان الكوخ يمنحها الأفكار؟ أم أن الكيان الذي يسكن خزانته العتيقة قد وجد أخيراً يداً يكتب بها؟ ــــــــــــــــــــــــــــــ