8خطوات الفتاة التي لا تقترب
ركض سليم نحو الشكل الذي اعتقد أنه مريم، لكن كلما اقترب خطوة، ابتعد الشكل خطوة أخرى دون أن يتحرك الجسد نفسه. كانت المسافة تنكمش وتتمدد بطريقة غير بشرية، وكأن الأرض بينهما تُعاد صياغتها باستمرار. توقف ليلتقط أنفاسه، لكنه لم يسمع صوته… الهواء نفسه بدا عاجزًا عن حمل تنفسه.
نادى بصوت مرتجف:
"مريم! مريم إذا كنتِ تسمعينني، أجيبي!"
تحركت الفتاة أخيرًا، ببطء شديد، حتى ظهرت ملامحها بشكل أوضح. شعر سليم بارتباك عميق؛ كانت الفتاة تشبه مريم، لكنها ليست هي تمامًا… شعرها أطول من المعتاد، وكتفاها منحنيان كأنهما يحملان ثقل سنوات لا أيام. وعندما رفعت رأسها نحوه، رأى أن عينيها ليستا عيني بشر… بل بقعتان سوداوان تتحركان داخلهما دوائر صغيرة تشبه الدوامات.
رفع يده إليها، لكن قبل أن يخطو خطوة أخرى، توقفت الفتاة. ثم ظهرت حولها دوائر ظل بطيئة، تلتف كدخان ثقيل حول قدميها. شعرت الأرض تحت سليم تهتز قليلاً وكأنها تتنفس. خفق قلبه بشدة، لكنّه رفض التراجع.
قال لها بصوت منخفض:
"إذا كنتِ لستِ مريم… فمن أنتِ؟"
اقتربت الفتاة خطوة واحدة فقط. ومع تلك الخطوة، خرج من بين شفتيها صوت ليس بصوت طفلة، بل أصوات كثيرة متداخلة، كأن عدة أشخاص يتحدثون من داخل جسد واحد:
"هي هنا… لكنها ليست لك… إنها ترى ما لا تراه."
شعر سليم بالبرد يتسلق قدميه حتى وصل إلى صدره. كان الكلام غامضًا، لكنه فهم شيئًا واحدًا: مريم ما زالت على قيد الحياة، لكن شيئًا آخر يملك جزءًا منها.
وقبل أن يسألها من يقصدون بـ"نحن"، بدأت الفتاة تتلاشى تدريجيًا. لونها أصبح أفتح، ثم شفافًا، حتى تحوّلت إلى غبار أسود ترفعه الريح بهدوء. لم يبقَ سوى صوت خافت جدًا:
"اتبع الطريق الذي يرفضه الضوء…"
وقف سليم وحيدًا في الغابة المظلمة، وصدى الكلمات يثقل عقله. ومع ذلك، تحرك. لأن الأمر الوحيد المؤكد هو أن طريق العودة… لم يعد موجودًا.