6دفتر الظلام
بعد اختفاء العجوز في الأزقة كأنه لم يكن موجودًا، قرر سليم أن يبحث عن أي دليل يقوده إلى مريم، أو على الأقل يفسّر معنى “السواد الصامت”. اقترب من منزل مهجور يقع عند طرف الساحة، وكان بابه نصف مفتوح، وكأن شخصًا ما دخل على عجل أو خرج هاربًا. دفع الباب بهدوء، فصدر عنه صرير طويل مزّق الصمت المحيط. دخل المكان بحذر، وأضاء بهاتفه ليكشف الغبار المتراكم فوق كل شيء.
كانت الجدران مغطاة بخربشات غير مفهومة، خطوط متشابكة تشبه ظلالًا متراكمة فوق بعضها، وكأن شخصًا حاول رسم الخوف نفسه. وبينما كان يتجول داخل الغرفة، لمح دفترًا قديمًا موضوعًا فوق طاولة مائلة. تردد قبل أن يلمسه، لكن شعورًا داخليًا دفعه لفتحه. كانت الصفحات مليئة برموز ورسومات لأشخاص بلا ملامح، تتبعهم ظلال سوداء ممدودة كأنها تنمو من الأرض.
في منتصف الدفتر وجد صفحة مختلفة، وكُتبت عليها جملة قصيرة بخط مهزوز: "الظلال ليست ما نخافه… بل ما نصير إليه إن بقينا أكثر من اللازم." شعر سليم بأن الكلمات تحرّك شيئًا داخله، وكأنها ليست مجرد تحذير بل حقيقة عاشها صاحب الدفتر. قلب الصفحة التالية فوجد رسمًا لفتاة تشبه مريم بشكل لا يمكن تجاهله. كانت محاطة بهالة سوداء كثيفة تعلو رأسها، وعيونها خالية تمامًا من الضوء.
قبل أن يستوعب الصدمة، سمع خربشة خفيفة تأتي من الزاوية المظلمة. رفع هاتفه نحو الصوت، ورأى ظلًا يمتد فوق الأرض ببطء شديد، كأنه يزحف باتجاهه. لم يكن هناك جسم يرسم الظل… فقط الظلام نفسه يتحرك.
أغلق سليم الدفتر بسرعة وتراجع، مدركًا أن ما قرأه ليس مجرد كلام، بل بداية تحوّل حقيقي يحدث داخل القرية، وربما داخل أخته أيضًا.